Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 06:23 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,425
افتراضي الصديق الجميل، الأستاذ عبد الكريم رسول، إنّ منشورك هذا صحيح تمامًا في روحه وفكره، ويع

الصديق الجميل، الأستاذ عبد الكريم رسول،
إنّ منشورك هذا صحيح تمامًا في روحه وفكره، ويعبّر عن موقف أجد فيه الكثير من العقلانية والموضوعية. ولكوني أعرفك من خلال كتاباتك، ومن خلال انتمائك السياسي الذي كنتَ عليه يومًا، والذي كنّا نلتقي معك فيه، أودّ أن أقول لك، بكلّ محبّة وتقدير، ما يلي:
عندما تطالعني بعض المواقع الكردية أو كتابات أشخاص لا يرون في التاريخ سوى قوميتهم، ولا يتجاوزون حدود الرؤية القومية الضيّقة، إلى درجة شطب تاريخ الشعوب الأخرى التي عاشت في هذه المنطقة قبلهم بقرون، أو جاورتهم وعاشت معهم جنبًا إلى جنب، فإنّنا نكون أمام خطاب لا يمتّ إلى الموضوعية التاريخية بصلة. خطاب يقوم على إضفاء صفات مثالية وخيالية على الكرد، وكأنّهم الشعب الأكثر عراقةً وتاريخًا، والأحقّ وحدهم بهذه الأرض دون سواهم. إنّ مثل هذا الفكر لا يُسيء إلى الشعوب الأخرى فحسب، بل يضرّ بالكرد أنفسهم، وبقضيّتهم وحقوقهم المشروعة، أكثر مما يضرّ بغيرهم. فالتاريخ ليس ملكًا لقومية بعينها، ولا يجوز احتكاره أو إعادة صياغته وفقًا لأهواء سياسية أو نزعات قومية متشدّدة. ومن واجب كلّ من يمتلك الحدّ الأدنى من المعرفة والوعي التاريخي أن يقف في وجه محاولات التزييف والتضليل، أيًّا كان مصدرها أو الجهة التي تتبنّاها.
لا يمكن للإنسان الموضوعي أن يقف موقف المتفرّج أمام من يزوّر التاريخ علانيةً، وينسب نفسه إلى حضارات وشعوب قديمة، كالميديين أو الحوريين أو الساسانيين وغيرهم، من دون تقديم أدلّة علمية وتاريخية موثوقة تُثبت هذه الصُلات. فالانتساب إلى شعب أو حضارة قديمة ليس مجرّد ادّعاء أو رغبة ذاتية، بل هو مسألة علمية تحتاج إلى أدلّة لغوية وتاريخية وأثرية، وإلى دراسات رصينة لا تقوم على التأويل الانتقائي أو الخلط بين الشعوب والأقوام. وحين نطالب أصحاب هذه الادّعاءات بتقديم ما لديهم من وثائق أو شواهد أو براهين علمية، بدلًا من الاكتفاء بالخطاب الإنشائي والمبالغات القومية، نجد أنفسنا أحيانًا أمام اتهامات جاهزة بالعنصرية والحقد على الكرد. وهذا أمر مؤسف، لأنّ نقد الروايات التاريخية، ومناقشة الادّعاءات القومية، لا يعني بأيّ حال من الأحوال العداء لشعب أو الانتقاص من حقوقه. إنّما يعني ببساطة أنّ الحقيقة التاريخية يجب أن تبقى فوق الاعتبارات القومية والسياسية.
إنّ كلّ من ينشر مقالًا أو دراسةً أو منشورًا يتناول تاريخ شعب أو قومية أو منطقة جغرافية، عليه أن يدعم ما يطرحه بالأدلّة والبيّنات، وبما توفّره المصادر التاريخية وشواهد الآثار والبحوث العلمية. كما ينبغي أن يكون مستعدًّا لمناقشة ما يقدّمه، والإجابة عن التساؤلات والاعتراضات بروح علمية منفتحة. أمّا أن يتحوّل الحوار إلى شخصنة، وأن يُنقل النقاش من مضمونه التاريخي إلى مهاجمة الأشخاص واتهامهم، فإنّ ذلك لا يدلّ على قوّة الحجة، بل على ضعفها وغياب الدليل. فمن السهل على أيّ شخص أن يطلق ادّعاءات كبيرة، وأن ينسب نفسه إلى أعظم الشخصيات أو الحضارات التاريخية، لكنّ الادّعاء وحده لا يصنع حقيقة، ولا يُغيّر من الوقائع شيئًا. التاريخ لا يُكتَب بالرغبات، ولا يُثبَت بالشّعارات، بل بالوثائق والأدلّة والبحث العلمي الرصين.
في الآونة الأخيرة، نلاحظ تَصاعدًا في بعض الخطابات القومية المتشدّدة لدى بعض الأحزاب والشخصيات الكردية، وكأنّ هناك نزعة إلى التفوّق التاريخي والقومي على العرب، بل إلى تجاوز ما كان يُنتَقَد سابقًا من ممارسات شوفينية لدى بعض التيارات العربية أو التركية العثمانية. والمؤسف أنّ بعض هذه الخطابات تقع اليوم في الأخطاء ذاتها التي طالما انتقَدَتْها، بل قد تتجاوزها في حدّتها وغلوّها.
إنّ رفض الشوفينية العربية أو التركية أو غيرها لا يمكن أن يكون مبرّرًا للوقوع في شوفينية كردية. فالمبدأ الذي نرفضه لدى الآخرين ينبغي أن نرفضه لدى أنفسنا أيضًا. والعدالة لا تتجزّأ، والحقوق لا تُبنَى على إنكار حقوق الآخرين أو التقليل من شأنهم. من الطبيعي والمعقول أن يقول أيّ باحث كردي إنّ منطقة الجزيرة السورية تعاقبت عليها شعوب وأقوام مختلفة، وإنّ لكلّ شعب منها دورًا تاريخيًا في مرحلة من مراحل تطوّر المنطقة. فهذا توصيف منطقي ينسجم مع طبيعة التاريخ وتعدّد مكوّناته. لكنّ الأمر يختلف تمامًا عندما يتحوّل هذا الحديث إلى ادّعاءات جازمة بأنّ الكرد هم أحفاد شعب قديم بعينه، وأنّ ذلك الشعب حكم المنطقة وكانت له السيادة المطلقة عليها، وأنّ الأرض تعود اليوم حصرًا إلى الكرد، من دون تقديم أيّ دليل علمي أو تاريخي معتبر.
مثل هذه الادّعاءات لا يمكن قبولها من أيّ إنسان يمتلك عقلًا موضوعيًّا، ولا يجوز السكوت عنها بحجّة المُجاملة أو تجنّب الخلاف. فالتاريخ المشترك لا يُختزَل في رواية قومية واحدة، والجزيرة السورية ليست ملكًا حصريًّا لأيّ مكوّن من مكوّناتها.
وفي المرحلة الراهنة، ولا سيّما بعد التطوّرات السياسية والعسكرية الأخيرة، وما يتّصل بعملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مؤسسات الدولة السورية، نلاحظ لدى بعض الأوساط الكردية تصاعدًا في الخطاب القومي المتشدّد، والمبالغات التاريخية، والهجوم على كلّ من لا ينتمي إلى القومية الكردية. وهذا أمر يدعو إلى القلق، خصوصًا أنّ الكرد والعرب والسريان والآشوريين والأرمن والكلدان وغيرهم عاشوا في هذه المنطقة لعقود طويلة، بل لقرون، تجمعهم روابط الجوار والمصالح المشتركة والتاريخ الاجتماعي والثقافي. ومن هنا، فإنّني أدعو الإخوة الكرد إلى مزيد من الاتزان والعقلانية، وإلى قراءة الواقع قراءة موضوعية بعيدًا عن الأوهام القومية أو المشاريع التي تتجاوز حقيقة التنوّع السكاني والجغرافي والتاريخي في الجزيرة السورية. إنّ إقامة دولة قومية كردية، أو كيان مستقلّ يقوم على أساس قومي حصري في الجزيرة السورية، ليست مسألة رغبات أو شعارات، بل هي مشروع يصطدم بواقع اجتماعي وتاريخي وجغرافي شديد التعقيد، وبوجود مكوّنات أخرى لها حقوقها وتطلّعاتها وانتماؤها الأصيل إلى هذه الأرض. فالعرب ليسوا وحدهم في الجزيرة، والكرد ليسوا وحدهم فيها، وكذلك السريان والآشوريون والأرمن والكلدان وغيرهم. وكلّ محاولة لفرض مشروع قومي أحادي على هذه المنطقة من شأنها أن تفتح أبوابًا جديدة للصراع والانقسام، بدلًا من أن تؤسّس للاستقرار والسلام. وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تسمية «الجمهورية العربية السورية» تُثير، من وجهة نظري، إشكالية تتعلّق بالمساواة الوطنية، إذ إنّها لا تُعبّر بصورة كاملة عن جميع المكوّنات القومية التي يتشكّل منها المجتمع السوري. فالسورية ينبغي أن تكون هوية وطنية جامعة، تتّسع للعرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان والكلدان وغيرهم، دون تمييز أو إقصاء.
إنّ الوطن لا يُبنَى على أساس قومية واحدة، ولا على فرض هوية على سائر المكوّنات، بل على الاعتراف المتبادل، والمواطنة المتساوية، واحترام الخصوصيات الثقافية واللغوية والاجتماعية.
ومن هذا المنطلق، فإنّني أؤيّد نظامًا فدراليًّا ديمقراطيًّا يقوم على أسس دستورية واضحة، ويضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، ويحفظ حقوق جميع المكوّنات السورية، ويتيح لها إدارة شؤونها ضمن إطار الدولة السورية الواحدة، بما يعزّز الاستقرار ويمنع الشعور بالغبن أو التهميش لدى أيّ طرف. إنّ الفدرالية، إذا ما قامت على المواطنة والعدالة والتوافق الوطني، يمكن أن تكون صيغةً مناسبة لإدارة التنوّع السوري، بعيدًا عن النزعات الانفصالية أو الهيمنة القومية أو المركزية المتسلّطة.
إنّ واقع الجزيرة السورية اليوم ليس هو واقعها قبل أربعة عشر عامًا، ولا يُمكن التعامل مع التحوّلات الراهنة بمنطق الماضي أو إعادة إنتاج المطالب والشعارات التي كانت مطروحة في ظروف مختلفة. فالمرحلة الحالية تتطلّب من الجميع مراجعة مواقفهم، والتخلّي عن الأوهام السياسية والقومية التي لا تنسجم مع الواقع، والعمل على بناء مستقبل مشترك يضمن الحقوق والكرامة للجميع.
وعلى الإخوة الكرد أن يُدركوا أنّ مستقبلهم لا يُمكن أن يكون على حساب العرب أو السريان أو الآشوريين أو الأرمن أو غيرهم، كما أنّ مستقبل هذه المكوّنات لا يمكن أن يكون على حساب الكرد. إنّ الطريق الوحيد نحو مستقبل آمن ومستقرّ هو طريق التفاهم والتعاون والاعتراف المتبادل، والابتعاد عن كلّ ما من شأنه تأجيج النزعات القومية المتعصّبة.
وأخيرًا، أجدّد التأكيد على أنّني أقول هذا الكلام بدافع المحبّة، والحرص على المصلحة المشتركة، والإيمان بالتاريخ المشترك الذي جمعنا، وما زال يجمعنا. وأثمّن دعوتك إلى العيش المشترك، لأنّها الدعوة التي نحتاج إليها اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. لقد رفضنا، وما زلنا نرفض، أن نكون مواطنين من الدرجة الثانية، أو أن نُعامل بوصفنا ذمّيين في ظلّ دولة ذات هوية قومية أو دينية مفروضة علينا. وبالمثل، لن نقبل أن نكون كذلك في ظلّ أيّ دولة كردية أو غيرها.
فالمواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة ليست امتيازات تمنحها قومية لأخرى، بل هي حقوق أصيلة لكلّ إنسان، لا يجوز الانتقاص منها أو مصادرتها تحت أيّ ذريعة. وحده الوطن الذي يتّسع لجميع أبنائه، ويحترم تاريخهم وهوياتهم وحقوقهم، يمكن أن يكون وطنًا حقيقيًّا للجميع.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:39 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke