دِرَاسَةٌ تَأَمُّلِيَّةٌ بَيْنَ دَفَّتَيِ القِرَاءَةِ وَالمُطَالَعَةِ إِنَّ حَقْلَ ا
دِرَاسَةٌ تَأَمُّلِيَّةٌ بَيْنَ دَفَّتَيِ القِرَاءَةِ وَالمُطَالَعَةِ
إِنَّ حَقْلَ المَعْرِفَةِ البَشْرِيَّةِ يَزْخَرُ بِالمَفَاهِيمِ الَّتِي تَبْدُو فِي الظَّاهِرِ مُتَرَادِفَةً، لَكِنَّهَا تَتَفَاضَلُ فِي دَرَجَاتِ العُمْقِ وَالأَثَرِ، وَمِنْ هَذِهِ المَفَاهِيمِ الَّتِي تَسْتَدْعِي النَّظَرَ وَالتَّدَبُّرَ: القِرَاءَةُ وَالمُطَالَعَةُ. فَالقِرَاءَةُ هِيَ النَّافِذَةُ الأُولَى الَّتِي يُطِلُّ مِنْهَا الإِنْسَانُ عَلَى عَالَمِ الحُرُوفِ وَالمَعَانِي، فَهِيَ الفِعْلُ الإِدْرَاكِيُّ الشَّامِلُ لِفَكِّ الرُّمُوزِ وَاسْتِعْبَابِ المَدْلُولَاتِ، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ تَلَقِّي مَعْلُومَةٍ وَابِضَةٍ، أَوْ مُتَابَعَةِ إِشَارَاتِ طَرِيقٍ، أَوْ تَقْلِيبِ صَفَحَاتِ كِتَابٍ بِنِيَّةِ العُبُورِ السَّرِيعِ. وَهِيَ بِذَلِكَ تُمَثِّلُ الأَدَاةَ العَامَّةَ الَّتِي لَا تَشْتَرِطُ التَّمَعُّنَ العَمِيقَ فِي كُلِّ حَالٍ، إِذْ قَدْ تَكُونُ عَابِرَةً أَوْ ظَرْفِيَّةً لِقَضَاءِ حَاجَةٍ ذِهْنِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، كَمَا يَفْعَلُ القَارِئُ حِينَ يَتَفَحَّصُ فِهْرِسًا أَوْ يُطَالِعُ عُنْوَانًا عَارِضًا.
أَمَّا المُطَالَعَةُ، فَهِيَ دَرَجَةٌ أَرْقَى وَمَسْلَكٌ أَخَصُّ يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ فَكِّ الحُرُوفِ إِلَى الِاسْتِغْرَاقِ الوَاعِي وَالتَّدَبُّرِ الخَالِصِ، إِذْ تَعْنِي التَّأَمُّلَ المُعَمَّقَ فِي بَاطِنِ النُّصُوصِ، وَمُعَايَشَةَ أَفْكَارِ الكُتَّابِ وَالفَلَاسِفَةِ بِمِقْيَاسِ النَّقْدِ وَالتَّذَوُّقِ. وَإِذَا كَانَتِ القِرَاءَةُ شَمْسًا تُشْرِقُ عَلَى العُقُولِ دُونَ تَمْيِيزٍ، فَإِنَّ المُطَالَعَةَ هِيَ البُسْتَانُ المُعَطَّرُ الَّذِي يَقْصِدُهُ المَرْءُ لِيَجْتَنِيَ ثِمَارَ المَعْرِفَةِ وَيَسْتَمْتِعَ بِلَذَاذَةِ البَحْثِ. فَالقَارِئُ قَدْ يَمُرُّ بِالكِتَابِ مُرُورَ الكِرَامِ لِاحْتِيَاجٍ عَارِضٍ، بَيْنَمَا المُطَالِعُ يُقِيمُ مَعَ السُّطُورِ حِوَارًا طَوِيلًا، يَنْقُبُ عَنْ دُرَرِ المَعَانِي، وَيُقَلِّبُ وُجُوهَ الرَّأْيِ، مِثْلَ البَاحِثِ فِي مَخْبَإِ الحِكْمَةِ عَنْ جَوَاهِرِهَا.
وَبِذَلِكَ تَتَبَايَنُ الحَالَتَانِ تَبَايُنًا بَيِّنًا، فَالقِرَاءَةُ وَسِيلَةٌ كُلِّيَّةٌ تَتَّسِعُ لِكُلِّ مَقْرُوءٍ، بَيْنَمَا المُطَالَعَةُ غَايَةٌ مِصْبَاحُهَا العُمْقُ وَالِاسْتِقْصَاءُ. وَصَدَقَ مَنْ قَالَ: «كُلُّ مُطَالَعَةٍ قِرَاءَةٌ، وَلَيْسَتْ كُلُّ قِرَاءَةٍ مُطَالَعَةً»، فَالأُولَى عَمَلُ العَيْنِ وَالذِّهْنِ فِي تَلَقِّي المَبَانِي، وَالثَّانِيَةُ عَمَلُ القَلْبِ وَالوِجْدَانِ فِي إِحْيَاءِ المَعَانِي.
بِقَلَمِ الشَّاعِرِ فُؤَاد زَادِيكِي
__________________
fouad.hanna@online.de
|