أسطورة اللوح المحفوظ: تَفنيد عقليّ لتاريخيّة النصّ الإلهيّ بقلم: فؤاد زاديكي إنّ فك
أسطورة اللوح المحفوظ: تَفنيد عقليّ لتاريخيّة النصّ الإلهيّ
بقلم: فؤاد زاديكي
إنّ فكرة وُجود قرآن مَكتوب بحروفه وألفاظه وعربيّته في "لوحٍ مَحفوظٍ" منذ الأزل لدى الله تُشكّل تَعارضًا صارخًا مع أبسط بديهيات المنطق والتاريخ وعلم اللسانيات. فحين ندقّق في هذه العقيدة بموضوعيّة تُجَرّد تِبيان الحقيقة من الهَالة اللاهوتية، نصطدم بحقيقة دامغة مفادُها أنّ اللغات، والأبجديات، وقواعد الرّسم والتّخطيط، بل وحتّى المُفردات، هي نتاج بشريّ وتطوّر اجتماعيّ وتاريخيّ مَحْض. فاللغة العربيّة بحروفها وتراكيبها لم تكن لغةً أزليّة قائمة في الفراغ، بل وليدة سياقات سامِيّة ونَبطيّة مُتطوُرة عبر القرون. وعليه، كيف يُعقَل منطقيًّا أن يُنزَّل نَصٌّ مَكتوبٌ بحروفٍ عربيّة وتشكيلٍ دقيقٍ من أزليّة مُطلقة، بينما يُعْلِم التاريخ يقينًا أنً الخطّ العربيّ نفسَه وُجِدَ خاليًا من النّقاط والحَرَكات لقرون طويلة، وأنّ النّصَّ كان حَمَّال أوجُهٍ ومُعَرَّضًا للخطأ واللحن حتى جاء أناسٌ بشرٌ كأبي الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد الفراهيدي وغيرهما ليضعوا النّقط والحَرَكات والإعجام لضبط القراءة ومنع تحريفها؟ إنّ اعتماد النّصّ في بقائه وقراءته الصّحيحة على اختراعات بشريّة مُتأخِّرة يَنسف تمامًا أطروحة الحِفظ الحَرْفي الأزليّ. ولو كان هناك نصٌّ إلهيٌّ جاهزٌ ومَحفوظٌ بحذافيرِه وحروفِه منذ الأزل، لما احتاج الأمر إلى لِجان بَشريّة جمعت مَصاحف مُتضاربة في عهد عثمان بن عفان، ولا إلى حَرْقِ النُّسخ المُخالفة لِفَرْض مُصحف واحد بالقُوّة السياسيّة. إنّ هذا التّطابق التّامّ بين مراحل التّطوّر التّاريخيّ البَشريّ لتدوين النّصّ وبين نشأة الخَطّ واللغة يُؤكّد بما لا يَدَع مجالًا للشّكّ أنّ النّصّ القرآنيّ مُنتَج ثَقافيّ وتاريخيّ بَشَرِيّ بامتياز، وأنّ فكرةَ اللوح المَحفُوظ ليست سِوى غطاءٍ لاهوتيّ أضفاهُ البشرُ لاحِقًا لإضفاءِ القَداسة المُطلَقة على مُدَوِّنة تاريخيّة نشأتْ في سِياقها الزّمنيّ والمَكانيّ المَحدود.
بقلم فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de
|