![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
يا شيخ الأزهر، لا تكتفِ بإدانة الإرهاب… راجع الفكر الذي قد يصنعه!
بقلم فؤاد زاديكي أدان شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في حمود بمحافظة الكرك الأردنية، وعبّر عن تضامنه مع الضحايا وأسرهم، ووصف الجريمة بأنّها تتنافى مع تعاليم الأديان والرحمة والإنسانية والأخلاق. وهذا التنديد، في حدّ ذاته، موقف مطلوب وضروري، ولا يُمكن التقليل من أهميته في مواجهة جريمة استهدفت أناسًا أبرياء في مكان يُفترض أن يكون ملاذًا للصلاة والسكينة. لكنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح، وبكلّ صراحة، هو: ماذا بعد التنديد؟ وماذا ستفعل يا شيخ الأزهر لمنع تكرار مثل هذه الجرائم؟ وهل تكتفي المؤسّسة التي تتولّى مسؤولية دينية وتعليمية بهذا الحجم بإدانة النتائج، أم أنّ عليها أن تتحمّل مسؤوليتها في فحص الأسباب الفكرية والتربوية التي قد تسهم في إنتاج هذا النوع من التطرف؟ يا شيخ الأزهر، إنّ إدانة الإرهاب بعد وقوعه واجب، لكنّ منع الأفكار التي تبرّر الإرهاب واجب لا يقلّ أهمية عنه. فالكلمات التي تُنشر عقب المجازر قد تواسي المفجوعين، وقد تعلن موقفًا أخلاقيًّا واضحًا، لكنّها لا تكفي وحدها لحماية الضحايا المحتملين في المستقبل. إنّ السؤال الحقيقي ليس فقط كيف ندين القاتل، بل كيف وصل إلى الاعتقاد بأنّ قتل إنسان مختلف عنه في الدين يمكن أن يكون فعلًا مبرّرًا؟ وكيف استطاع أن ينظر إلى المسيحي الذي يصلّي في كنيسته، أو إلى اليهودي الذي يمارس شعائره، أو إلى أيّ إنسان ينتمي إلى عقيدة أخرى، بوصفه خصمًا يمكن الاعتداء عليه بدلًا من رؤيته إنسانًا له الحقّ نفسه في الحياة والأمان والعبادة؟ إنّ أخطر ما في الإرهاب الذي يتخفّى وراء الدين ليس السلاح وحده، بل الفكرة التي تمنح حامل السلاح شعورًا بأنّه صاحب حقّ، وأنّ ضحيته تستحقّ ما يحدث لها، أو أنّ قتلها يمكن أن يكون طاعةً أو تضحيةً أو انتصارًا للعقيدة. فالقاتل قد يُحاكم ويُعاقب، وهذا حقّ لا بدّ منه، لكنّ الفكرة التي استند إليها قد تبقى حيّة في ذهن شخص آخر، وربّما في ذهن عشرات أو مئات الأشخاص الذين لم تتحوّل قناعاتهم بعد إلى فعل إجرامي. ولهذا فإنّ مواجهة الإرهاب لا تنتهي عند ملاحقة مرتكبيه، بل ينبغي أن تمتدّ إلى كلّ خطاب يزرع العداء، وكلّ تأويل يمنح العنف غطاءً دينياً، وكلّ منهج تعليمي يقدّم للإنسان المختلف صورةً تنتقص من كرامته أو تجعله أدنى استحقاقاً للاحترام. وهنا، يا شيخ الأزهر، تقع على مؤسستكم مسؤولية كبيرة لا يجوز التهرّب منها. فالأزهر ليس مجرّد مؤسسة تصدر بيانات الإدانة والتعزية، بل هو مؤسسة تعليمية ودينية ذات تأثير واسع، ويُنتظر منها أن تراجع ما تدرّسه، وكيف تفسّر النصوص، وما الصورة التي ترسمها في أذهان طلابها عن أصحاب الأديان والمعتقدات الأخرى. وإذا كانت بعض النصوص القرآنية وبعض الروايات الواردة في كتب التراث تتحدّث عن القتال والجهاد والصراع مع الخصوم، وإذا كانت جماعات متطرّفة تنتقي من هذه النصوص ما يخدم خطابها العدائي، فإنّ الواجب لا يقتضي إنكار وجود المشكلة، بل مواجهتها مواجهةً علمية وأخلاقية صريحة. لسنا بحاجة إلى تبرير كلّ نصّ، ولا إلى إخفاء ما يثير أسئلةً أخلاقية صعبة، ولا إلى ترديد أنّ المتطرّفين أساؤوا الفهم في كلّ مرة من دون أن نسأل كيف نشأ فهمهم، ولماذا وجدوا في بعض القراءات ما يسمح لهم بتبرير جرائمهم. المطلوب هو أن تُدرَس النصوص التي تتناول القتال دراسةً تاريخية ونقدية واضحة، وأن تُشرح ظروفها وسياقاتها، وأن يُرفض صراحةً تحويلها إلى رخصة دائمة للاعتداء على البشر بسبب اختلافهم الديني. والمطلوب أيضًا مراجعة أيّ مادّة تعليمية تتضمّن تحقيرًا للمخالف أو تحريضًا عليه أو تمييزًا ضدّه، وإعادة صياغة التعليم الديني على أساس لا يترك مجالًا للالتباس في أنّ حياة الإنسان وكرامته ليستا رهنًا بعقيدته. وإذا كانت بعض النصوص أو التأويلات تُقدَّم للطلاب بطريقة تجعلهم يعتقدون أنّ أتباع الأديان الأخرى ضالّون بالضرورة، أو أنّ الاختلاف الديني سببٌ للعداء، أو أنّ بعض البشر لا يستحقّون المساواة في الحقوق، فإنّ هذه المسائل لا يجوز أن تبقى خارج دائرة المراجعة والنقاش. ولا يكفي أن نستحضر نصوص الرحمة والتسامح في المناسبات، بينما نترك النصوص الأخرى وتأويلاتها من دون معالجة واضحة، ثم نطلب من العالم أن يقتنع بأنّ المشكلة لا علاقة لها بالتعليم الديني أو بالخطاب الذي يتلقّاه بعض المتطرّفين. إنّني لا أطالب بإخفاء التاريخ، ولا بتزوير النصوص، ولا بمحو صفحات من التراث وكأنّها لم تكن، بل أطالب بأن تتوقّف المؤسسات التعليمية عن تقديم أيّ نصّ أو تفسير على نحوٍ يسمح بتحويله إلى مبرّر لاضطهاد المختلف أو قتله. والفرق كبير بين دراسة نصّ تاريخي لفهم ظروفه، وبين تقديمه إلى طالب معاصر باعتباره أمرًا قابلًا للتطبيق خارج سياقه، من دون بيان حدوده أو مناقشة نتائجه أو تأكيد أنّه لا يمنح أحدًا حقّ الاعتداء على الأبرياء. إنّ التعليم المسؤول لا يكتفي بنقل الموروث، بل يعلّم الطالب كيف يفهمه ويناقشه، وكيف يميّز بين السياق التاريخي والمبدأ الأخلاقي، وبين حرية الاعتقاد وفرض الاعتقاد على الآخرين. يا شيخ الأزهر، لا يكفي أن تقول إنّ هذه الجريمة تتنافى مع تعاليم الأديان السماوية. المطلوب أن توضح، بصورة لا تحتمل التأويل، أنّ قتل المسيحي بسبب مسيحيته جريمة لا يمكن تبريرها بأيّ قراءة دينية، وأنّ الاعتداء على اليهودي بسبب يهوديته، أو على الملحد بسبب عدم إيمانه، أو على أيّ إنسان بسبب معتقده، هو اعتداء على حقّ أصيل لا تمنحه العقائد ولا تسلبه. والمطلوب أن تتحوّل هذه المبادئ إلى مادة أساسية في المناهج، لا إلى عبارات جميلة تُقال في البيانات ثم تغيب عن التعليم اليومي. فالمشكلة لا تكمن في أنّ كلّ مسلم يحمل أفكارًا إرهابية، فهذا تعميم ظالم لا أساس له، ولا في أنّ كلّ من يتعلّم في الأزهر سيصبح متطرّفًا، فهذا ادّعاء لا يصحّ إطلاقه بلا دليل. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ أيّ مؤسّسة دينية، مهما كان تاريخها ومكانتها، لا يجوز أن تعفي نفسها من فحص كلّ فكرة يمكن أن تُستغلّ لتبرير الكراهية أو العنف. وإذا كان الأزهر يرفض الإرهاب حقًّا، فعليه أن يجعل رفضه واضحًا في المناهج والكتب والمحاضرات والخُطب، وأن يراجع علنًا كلّ موضع يمكن أن يُفهم منه أنّ الاختلاف الديني يجيز الانتقاص من حقوق الإنسان أو الاعتداء عليه. ولا ينبغي أن يكون النقد موجّهًا إلى الأزهر وحده، فكلّ مؤسسة دينية أو تعليمية تزرع التعصّب أو تبرّر التمييز مطالبة بالمراجعة، سواء أكانت إسلامية أم مسيحية أم يهودية أم غير دينية. لكنّ ذلك لا يعفي الأزهر من مسؤوليته الخاصّة، ولا يجعل المطالبة بإصلاح مناهجه عداءً للإسلام أو للمسلمين. إنّ المؤسسة التي تتمتّع بمكانة علمية ودينية كبيرة ينبغي أن تكون في مقدّمة المؤسسات التي تراجع خطابها بشجاعة، لا أن تكتفي بالدفاع عن صورتها كلّما وقعت جريمة ارتكبها متطرّف باسم الدين. ولنكن واضحين: ليس كلّ إرهاب ينشأ من النصوص الدينية، وليست النصوص وحدها تفسيرًا كافيًا لهذه الظاهرة. فهناك الاستبداد والتهميش والصراعات السياسية والتعبئة الطائفية واستغلال المظالم، وهناك تنظيمات تعرف كيف توظّف الدين لمصالحها. لكنّ تعدّد الأسباب لا يسمح لنا بتجاهل العامل الفكري حين يُستعمل الدين نفسه لتبرير القتل. إنّ الاعتراف بتأثير التعليم والخطاب الديني لا يعني إدانة المسلمين، بل يعني رفض ترك الأفكار المتشدّدة من دون مساءلة، تماماً كما أنّ محاسبة المجرم لا تعني إعفاء البيئة التي غذّت تطرفه من النقد..، ولم يُخطئ كارل ماركس حين قال: الدّين أفيون الشعوب. يا شيخ الأزهر، إنّ العالم لا يحتاج إلى بيان إدانة جديد فحسب، بل يحتاج إلى خطوات ملموسة يمكن قياسها ومحاسبة المؤسسة عليها: مراجعة مُعلنة للمناهج، ونشر نتائجها، وتصحيح الموادّ التي تتضمّن تمييزًا أو تحريضًا، وتدريب المعلّمين على تقديم النصوص في سياقاتها التاريخية، وتأكيد مبدأ المساواة في الكرامة والحقوق، وفتح الباب أمام نقاش علمي حرّ لا يُتَّهم فيه كلّ ناقد بالعداء للدين. هذه هي الخطوات التي يمكن أن تمنح التنديد معنىً يتجاوز اللحظة، وأن تحوّل الكلمات إلى مسؤولية عملية. أمّا الاكتفاء بإدانة الجريمة بعد وقوعها، ثمّ العودة إلى الحياة التعليمية والفكرية نفسها من دون مراجعة أو تصحيح، فهو ما يجعل التنديد ناقصًا، مهما كانت عباراته قوية. فالجريمة لا تُمنع بالبيانات وحدها، والإرهاب لا يُهزم بمجرّد وصف مرتكبيه بأنّهم بلا رحمة أو إنسانية، بل بمواجهة كلّ ما قد يمنحهم شعورًا زائفًا بأنّهم يدافعون عن المقدّس حين يعتدون على البشر. ولهذا نقول لك، يا شيخ الأزهر، بكلّ صراحة: ما فعلته في إدانة الاعتداء واجب، لكنّه ليس كافيًا. إن أردت أن تكون للإدانة قيمة تتجاوز اللحظة، فانتقل من إدانة الفعل إلى مراجعة الفكر، ومن التعزية إلى الإصلاح، ومن الدفاع عن صورة الدين إلى حماية الإنسان من كلّ تأويل يمكن أن يُستعمل ضده. لا تنتظر الجريمة التالية كي تصدر بيانًا جديدًا ابدأ الآن بمراجعة ما يُعلَّم، وكيف يُعلَّم، وما إذا كان يربّي العقل على احترام المختلف أم يترك فيه أبواباً مفتوحة أمام التعصّب. فلا يكفي أن تقول إنّ الإرهاب لا يمثّل الإسلام، بل ينبغي أن تعمل على ألّا يجد الإرهابي في أيّ خطاب ديني أو مادة تعليمية ما يستطيع أن يتّخذه ذريعةً لتبرير جريمته. ولا يكفي أن تدين قتل المسيحيين، بل ينبغي أن تترسّخ في التعليم حقيقة أنّ المسيحي ليس مواطنًا من الدرجة الثانية، وأنّ اليهودي ليس عدوًّا لمجرّد يهوديته، وأنّ الإنسان لا يفقد حقّه في الحياة لأنّه لا يؤمن بما يؤمن به غيره. إنّ الدفاع الحقيقي عن الدين، إن كان لا بدّ من الحديث عن الدفاع عنه، لا يكون بحماية كلّ ما ورثناه من النقد، بل بإثبات أنّ أيّ تأويل ديني لا يستطيع أن يتقدّم على حقّ الإنسان في الحياة والكرامة. فحين تصبح هذه الحقيقة جزءاً راسخًا من التعليم، لن تعود إدانة الإرهاب مجرّد موقف طارئ بعد وقوع الكارثة، بل ستصبح جزءًا من تربية تمنع تبريره قبل أن يتحوّل إلى رصاصة. لا تنتظروا الإرهابي التالي كي تدينوه، راجعوا اليوم كلّ فكرة قد يستخدمها غدًا لتبرير جريمته. فإدانة الجريمة ضرورة، لكنّ معالجة أسبابها الفكرية مسؤولية لا يجوز الهروب منها. فؤاد زاديكي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|