Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 10:48 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,359
افتراضي أراضي الجزيرة السورية بين الوقائع التاريخية والمبالغات القومية: قراءة في ملف الحزام ا

أراضي الجزيرة السورية بين الوقائع التاريخية والمبالغات القومية: قراءة في ملف الحزام العربي وأراضي الغمر

الباحث: فؤاد زاديكي

إنّ إعادة فتح ملف الأراضي الزراعية في محافظة الحسكة، وما يرافقه من مطالبات باستعادة مُمتلكات تعود إلى عقود مضت، تستوجب معالجة تاريخية وقانونية دقيقة، بعيدًا عن التوظيف القومي والمُبالغة في عرض الوقائع أو تحويل الروايات السياسية إلى حقائق ثابتة لا تقبل النقاش. فالقضية لا تتعلّق بمجرّد خلاف بين مُلّاك كورد ومزارعين عرب، بل بتاريخ طويل من سياسات الإصلاح الزراعي ومصادرة الأراضي وإعادة توزيعها، وبالتهجير الذي رافق إنشاء سد الفرات، وبحقوق الملكية والانتفاع التي نشأت في ظلّ قرارات الدولة السورية السابقة. ومن الخطأ تناول هذا الملف من زاوية واحدة، أو اختزال تاريخ الجزيرة السورية ومجتمعاتها المتنوّعة في رواية قومية أحادية.
تاريخيًّا، كانت الجزيرة السورية منطقة متعدّدة المُكوّنات السكانية، عاش فيها الكورد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن وغيرهم، وأسهمت هذه الجماعات في تشكيل واقعها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. ولم تكن الأرض في محافظة الحسكة مُلكية جماعية لقومية واحدة، كما لا يمكن اعتبار كامل المنطقة امتدادًا لملكية عربية أو سريانية أو آشورية حصرية. فالملكية الزراعية شأن قانوني محدد، تتعلّق به سجلّات وقُيود عقارية وعُقود وقرارات إدارية، ولا يُمكن إثباته أو نفيه استنادًا إلى هُوِيّة السكان أو إلى سرديات تاريخية عامة. لذلك، فإنّ أيّ خطاب يُوحي بأنّ الجزيرة السورية بكاملها أراضٍ كردية، أو أنّ جميع العقارات الواقعة ضمن نطاق ما يُسمّى بالحزام العربي كانت مُلكًا خاصًّا للكورد، يذهب أبعد ممّا تسمح به الأدلّة العامّة، ويحتاج إلى إثبات مستقل لكلّ حالة. ومن الضروري أيضًا التمييز بين قانون الإصلاح الزراعي ومشروع الحزام العربي وأزمة الأراضي التي غمرتها مياه سد الفرات، إذ إنّ هذه الملفّات مُتداخلة تاريخيًّا، لكنّها ليست مُتطابقة قانونيًّا. فقد صدر قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 عام 1958، ووضع حدودًا للمُلكية الزراعية، وأتاح للدولة الاستيلاء على مساحات تجاوزت الحدود القانونية مُقابل التعويض، ثم توزيع حقوق الانتفاع أو التخصيص الزراعي على فلّاحين وفق أحكام القانون. وقد طُبِّقت هذه السياسات في مناطق سورية مختلفة، وكان لها أثر في ملاك من خلفيات اجتماعية وقومية متعدّدة. وتُشير تقارير عن محافظة الحسكة إلى أنّ بعض الأراضي المُصادرة بَقِيًت مُسجّلة باسم الدولة، رغم تخصيصها للمزارعين، وأنّ المستفيدين لم يكتسبوا بالضرورة ملكية عقارية كاملة تُتيح لهم التصرّف فيها كما يتصرّف المالك المسجل. وهذه التفاصيل أساسية لفهم النزاعات الحالية، لأنّها تمنع الخلط بين ملكية الأرض وحق استثمارها أو الانتفاع بها.
أمّا مشروع الحزام العربي، فقد ارتبط في تنفيذه خلال سبعينيات القرن الماضي بسياسات استهدفت تغيير التركيبة السكانية في أجزاء من المناطق الحدودية ذات الغالبية الكردية. وتُشير تقارير تاريخية وحقوقية إلى مصادرة أراضٍ زراعية وإقامة قرى أُسكنت فيها عائلات عربية، بينها أسر نزحت من مناطق غمرتها مياه بحيرة الأسد بعد إنشاء سد الفرات. ولا يصحّ إنكار هذه الوقائع الموثّقة، كما لا يصحّ تجاهل السياق السياسي والإداري الذي جرى فيه تخصيص الأراضي. غير أنّ ثُبوت وجود سياسة للتوطين أو مصادرة أراضٍ من مُلّاك كورد لا يُثبِت تلقائيًّا أنّ كلّ أرض شملها المشروع كانت مُلكية خاصّة لهم، ولا أنّ جميع القرى التي أُنشِئت أو توسّعت في تلك المرحلة لها الوضع العقاري نفسه. فالتعميم في هذا الموضع لا يخدم الحقيقة، بل يحجب الفروق الضرورية بين الحالات التي يُمكن إثباتها بالوثائق وتلك التي لا تزال بحاجة إلى التحقيق.
ومن الأخطاء الأخرى الخَلط بين المغمورين وسائر المستفيدين من الأراضي الزراعية في الحسكة، أو التعامل مع جميع العائلات العربية التي استقرّت في المنطقة باعتبارها فئة واحدة متطابقة الظروف والحقوق. فقد فقدت عائلات عربية أراضيها ومساكنها نتيجة غمر مناطقها بمياه السد، ثمّ نُقِلت إلى مناطق أخرى وخُصِّصت لها أراضٍ أو مُنِحَت حقوق انتفاع بها بموجب قرارات حكومية. وكان هؤلاء، في كثير من الحالات، مُتضرّرين من مشروع تنموي كبير لم يملكوا قرار تنفيذه، ولم يكونوا بالضرورة مسؤولين عن اختيار الأراضي التي خُصِّصت لهم أو عن السياسات الديموغرافية التي ارتبطت بها. كما أنّ بعض التخصيصات الزراعية ارتبطت بإجراءات أخرى غير نقل المغمورين مُباشرةً. ولهذا لا يُمكن استخدام مصطلح المغمورين لتفسير كلّ وضع عقاري في المحافظة، ولا افتراض أنّ جميع المستفيدين كانوا أصحاب ملكية كاملة أو أنّهم جميعًا تلقوا الأراضي بالطريقة القانونية نفسها. وفي المقابل، فإنّ الاعتراف بمُعاناة المغمورين لا يُلغي حقوق المُلّاك السابقين الذين يستطيعون إثبات مُلكيتهم بوثائق رسمية، ولا يمنح الدولة حقّ التصرف في أملاك الأفراد من دون سند قانوني. لكنّ الأمر نفسه ينطبق على بقية سكان المنطقة: فالمُلّاك العرب والسريان والآشوريون وغيرهم ممّن طالتهم قرارات المصادرة أو إعادة التوزيع يستحقّون أن تُدرس مطالباتهم وفق المعايير ذاتها، لا أن يُستبعدوا من النقاش لأنّهم لا ينسجمون مع رواية قومية معينة. إنّ معالجة تاريخ الأراضي في الجزيرة السورية تتطلّب توثيقًا شاملًا يشمل جميع المتضرّرين، لا انتقاء الحالات التي تخدم موقفًا سياسيًّا أو قوميًّا مُسبقًا.
أمّا البيانات التي تُصدرها بعض العائلات للمُطالبة باستعادة أراضيها، فهي تُعبّر عن مطالب ينبغي أخذها بجديّة، لكنّها لا تُعَدّ بحدّ ذاتها أحكامًا قضائية نهائية تُثبت مُلكية جميع الأراضي المشار إليها أو تُبطل كلّ التصرّفات التي جرت عليها. ومن الضروري التحقّق من السندات العقارية الأصلية، والقرارات التي استندت إليها المصادرة أو التخصيص، وطبيعة الحقوق التي مُنحت للمستفيدين، وما إذا كانت هناك عقود إيجار أو انتفاع أو قيود مُسجّلة باسم الدولة أو الأفراد. كما يجب التمييز بين البيع غير الرسمي لأرض لا يملك البائع حقّ التصرف بها، وبين انتقال قانوني لحقّ يُجيز القانون التصرف فيه. ولا يمكن إصدار حكم واحد يشمل كلّ هذه الحالات المُتباينة من دون الاطلاع على وثائقها. كذلك، فإنّ المُطالبة باستعادة الملكيات لا تعني بالضرورة وُجوب تَرحيل جميع الأسر المُقيمة في القرى المَعنيّة إلى الرقة أو حلب، كما أنّ إقامة أسر فيها منذ عقود لا تمنحها تلقائيًّا مُلكية الأراضي إذا كانت الوثائق والقوانين لا تُثبت ذلك. فاسترداد الملكية والتعويض عن المصادرة وإعادة تنظيم الانتفاع مسائل قانونية مختلفة، ويجب بحث كلّ منها على حدة. أمّا الترحيل الجماعي، أو التهديد المُتبادل، أو فرض الأمر الواقع بالقوّة، فلا يُشكّل حلًّا عادلًا للنزاعات، بل قد يؤدّي إلى إنشاء مَظالم جديدة فوق المظالم القديمة. وينبغي أن تتمّ أيّ مُعالجة ضمن آليات قضائية مُستقلة، مع إتاحة حقّ الاعتراض وإثبات الملكية لجميع الأطراف، وحماية السكان من الإخلاء التعسفي أو الاعتداء على ممتلكاتهم.
إنّ المطلوب اليوم ليس تبنّي رواية قومية في مواجهة أخرى، ولا إنكار السياسات التي أضرّت بمُلّاك كورد، ولا تجاهل ما أصاب المغمورين أو المُلّاك العرب والسريان والآشوريين وغيرهم من أضرار. المطلوب هو إعادة بناء الوقائع اعتمادًا على الوثائق والسجلات والشهادات المَوثوقة، والتمييز بين المصادرة المُباشرة، والإصلاح الزراعي، والتخصيص الإداري، وحقوق الانتفاع، والملكية المسجّلة. كما ينبغي نشر البيانات المُتاحة عن الأراضي المُتنازع عليها، وتحديد الجهات التي أصدرت قرارات تخصيصها، والتحقّق من حقوق المالكين السابقين والمستفيدين الحاليّين، ووضع آلية عادلة للتعويض أو الاسترداد أو التسوية وفق القانون.
إنّ الجزيرة السورية ليست مُلكيّة قوميّة حصريّة، ولا يجوز تحويل تاريخها إلى أداة لنفي وجود مُكوّن أو الانتقاص من حقوقه. فالهُوِيّة القومية لا تكفي وحدها لإثبات المُلكية، مثلما أنّ الإقامة الطويلة لا تَكفي وحدها لإسقاط مُلكية مُثبتة. والعدالة الحقيقية لا تتحقّق بإحلال رواية قومية مَحَلّ أخرى، بل بإعادة الحقوق التي تُثبت قانونًا لأصحابها، ومعالجة الأضرار التي لَحِقَت بجميع المتضرّرين، ومَنع تكرار سياسات المصادرة والتهجير والإقصاء. إنّ قوّة أيّ مُطالبة لا تأتي من ارتفاع نبرتها أو تكرارها في الإعلام، بل من الأدلّة التي تسندها، ومن قُدرتها على احترام حقوق الآخرين وعدم إنشاء مظالم جديدة باسم تصحيح مَظالم الماضي.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:34 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke