![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
من أين دخلت العربية إلى آزخ؟
بين تغلب وزبيد والرواية السريانية والذاكرة الآزخية الباحث في الشأن الآزخي فؤاد زاديكي تُعدّ مسألة أصل العربية في آزخ، وكيف دخلت إلى هذه البلدة القديمة، من المسائل التي تستحق عناية خاصة من الباحثين في تاريخ الجزيرة وبلاد ما بين النهرين واللغات العربية والسريانية. فالسؤال لا يتعلق باللغة وحدها، ولا بالانتساب القبلي وحده، وإنما يتصل بتاريخ السكان والهجرات والتحولات الدينية والعلاقات العربية ـ السريانية، وبالذاكرة المحلية التي حفظها أهل آزخ وتناقلوها جيلًا بعد جيل. ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس فقط: «من أي قبيلة جاء أهل آزخ؟»، بل قبل ذلك: «متى دخلت العربية إلى آزخ؟ ومن الجماعات التي حملتها إليها؟ وهل كانت العربية نتيجة هجرة واحدة، أم نتيجة مراحل متعاقبة من الاختلاط والتعريب؟». تزداد أهمية هذا السؤال لأن آزخ، المعروفة في المصادر القديمة باسم بيت زبداي والواقعة في إقليم بازبدي، ذات جذور مسيحية سريانية عميقة. فالمصادر التاريخية والسريانية تشير إلى قدم حضورها في المجال السرياني، وإلى ارتباطها بالبيئة الكنسية والثقافية لطور عبدين والجزيرة العليا. وهذا يعني أن الباحث لا ينبغي أن يفترض أن العربية كانت لغة آزخ منذ أقدم عصورها، بل ينبغي أن يدرس التحول الذي أدى، في مرحلة تاريخية لاحقة، إلى أن تصبح العربية لغة الحياة اليومية لأهلها، في حين بقيت السريانية مرتبطة بالكنيسة والتراث الديني والثقافي. ومن هنا يصبح تعريب آزخ ظاهرة تاريخية ولغوية تستحق الدراسة في ذاتها. وقد تعددت الروايات التي حاولت تفسير أصل العربية الآزخية وأصل الجماعة العربية في آزخ. فمن أبرزها الرواية التي تربط أهل آزخ ببني تغلب، وهي رواية ارتبطت في الذاكرة الآزخية باسم العلامة المطران مار غريغوريوس بولس بهنام، كما ظهرت في كتابات لاحقة عن تاريخ آزخ. وتستند هذه الرواية، من حيث البيئة التاريخية العامة، إلى حقيقة ثابتة، وهي أن بني تغلب كانوا من القبائل العربية الكبرى في الجزيرة، وأن لهم وجودًا قديمًا في ديار ربيعة والجزيرة الفراتية، وأن قسمًا كبيرًا منهم كان مسيحيًا، واستمر على المسيحية قرونًا طويلة. ولذلك فإن وجود جماعات عربية مسيحية تغلبية في المجال الجغرافي الذي تقع فيه آزخ يجعل احتمال وجود صلة بين تغلب وتعريب المنطقة احتمالًا يستحق البحث، ولا يجعله رواية مستحيلة أو طارئة. وقد ازداد هذا الرأي حضورًا في الكتابات الآزخية الحديثة، ولا سيما في كتاب الملفونو لحدو إسحق «أمثال من بازبدي (آزخ)»، الصادر سنة 1994، حيث عُرضت رواية تربط دخول العربية إلى المنطقة بالعرب القادمين إلى الجزيرة، وبني تغلب بصورة خاصة، باعتبارهم من العرب المسيحيين الذين كانت منازلهم في ديار ربيعة. غير أن المنهج التاريخي الدقيق يقتضي أن نميز بين حقيقتين مختلفتين: الأولى أن وجود بني تغلب في الجزيرة وديار ربيعة، وكونهم عربًا مسيحيين، أمر تؤيده المصادر التاريخية؛ والثانية أن أهل آزخ أنفسهم كانوا جميعًا من بني تغلب، وهذه تحتاج إلى نص مباشر يربط بيت زبداي أو آزخ بالتغلبيين. وحتى الآن لم يظهر في المصادر التي أمكن فحصها نص قديم صريح يقول إن «أهل آزخ هم بنو تغلب». وهذا لا يعني نفي الرواية، وإنما يعني أن إثباتها يحتاج إلى قرائن مستقلة. وتؤكد المصادر الجغرافية العربية القديمة أن آزخ كانت جزءًا من منطقة تاريخية عريقة في الجزيرة. فقد ذكر ياقوت الحموي قردى وبازبدي، وعرّفهما بأنهما قريتان قريبتان من جبل الجودي، كما وردت بازبدي في أخبار الفتح الإسلامي للجزيرة، وارتبطت المنطقة بالمجال الذي عُرف في المصادر بديار ربيعة. وهذه الإشارات تثبت لنا الإطار الجغرافي والتاريخي الذي نشأت فيه آزخ، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات انتماء سكانها إلى قبيلة محددة. فمصطلح «ديار ربيعة» أوسع من بني تغلب، إذ يشمل قبائل ربيعية متعددة، ولذلك لا يصح تحويل الانتماء الجغرافي إلى نسب قبلي بصورة آلية. وفي مقابل الرواية التغلبية، توجد في الذاكرة الآزخية رواية أخرى قوية ومتوارثة، وهي أن أهل آزخ من زبيد، وأن زبيدًا وآزخ أبناء عمومة. وهذه الرواية ليست، بحسب ما وصلني من أبناء المنطقة، فكرة حديثة ظهرت في الكتب، وإنما هي قول تناقلته أجيال من أهل آزخ، وكنت شخصيًا قد سمعت هذا القول من أكثر من جيل من أبناء آزخ. كما أتيح لي أن ألتقي الشيخ حمادة الفارس في قرية القاسمية أكثر من مرة، وقد أكد لي، بحسب شهادته التي نقلتها عنه، أن قومه من زبيد كانوا في الأصل سريانًا أرثوذكس، ثم أسلموا في مرحلة لاحقة، كما أكد وجود صلة قرابة بين زبيد وأهل آزخ. وتكتسب هذه الشهادة أهمية من كونها صادرة عن رجل من داخل الجماعة الزبيدية نفسها، وإن كانت تبقى، من الناحية المنهجية، شهادة شفوية تحتاج إلى مقارنتها بمصادر مكتوبة مستقلة. ومن الروايات الآزخية المتصلة بزبيد أيضًا رواية الشيخ زبيد والجبل الأبيض. وقد نقل لي المرحوم لحدو حنا القس، عندما زرته في بيته بديربك، وكان قد بلغ من العمر أربعة أعوام بعد المئة، جانبًا من هذه الرواية أثناء حديثه عن تاريخ آزخ. وكان يقول إن جده قرأ في كتاب قصة تتعلق بالخلاف العقائدي بين السريان الأرثوذكس والآشوريين، وإن هذه الخلافات أدت، بحسب الرواية، إلى محاولة قطع طريق أهل آزخ ومنعهم من الوصول إلى الديار المقدسة، فاضطروا إلى زيارة دير مار أوجين في جبل الأزل تعويضًا عن زيارة القدس. ثم تقول الرواية إن وفدًا من أهل آزخ ذهب إلى الشيخ زبيد طالبًا منه المساعدة، محتجًا بأنهم سريان أرثوذكس، وأن هناك توصية من النبي محمد ﷺ بالسريان الأرثوذكس، ولذلك طلبوا منه أن يمد لهم يد العون في مواجهة خصومهم. وتتابع الرواية أن الشيخ زبيد استجاب لطلب أهل آزخ، وهيأ جيشًا من أقطار مختلفة، وأن من بين رجاله جماعات قدمت من مصر والسودان وأماكن أخرى، ثم هب لنصرة آزخ، وحارب الآشوريين وردهم إلى قلعة يارا، كما حارب الأرمن وردهم إلى جهة بحيرة وان، ثم بقي مدة في آزخ للمساعدة في حمايتها. ولم يذكر لي المرحوم لحدو حنا القس اسم الكتاب الذي قرأ فيه جده هذه الرواية، ولا مؤلفه، ولا السنة التي وقعت فيها الأحداث، ولذلك لا يمكن في الوقت الحاضر أن نقدم هذه الرواية باعتبارها واقعة تاريخية ثابتة، ولكن لا يصح في الوقت نفسه إهمالها، لأنها رواية مفصلة تتضمن أسماء أماكن وتسلسلًا للأحداث وشخصية محورية هي الشيخ زبيد، كما أنها تُنسب إلى كتاب قرأه جد الراوي، لا إلى مجرد حكاية مجهولة المصدر. وتزداد أهمية هذه الرواية بسبب ما تتضمنه من حديث عن رجال الشيخ زبيد الذين قدموا من مصر والسودان وأماكن أخرى، ثم استقر بعضهم في آزخ بعد انتهاء القتال، واعتنقوا المسيحية واندمجوا في المجتمع المحلي. وتربط الذاكرة الشعبية الآزخية بين هؤلاء وبين عشائر محلية عُرفت باسم «المِصْرَكِيّة» و«السُّودانْكِيّة». ولا يمكن بطبيعة الحال أن نعد هذه الأسماء وحدها دليلًا على أصل مصري أو سوداني، فالأسماء العشائرية قد تتخذ أسبابًا متعددة، وقد يتغير تفسيرها مع الزمن، لكن وجود هذه التسميات، إذا أمكن إثبات قدمها في الوثائق الكنسية أو العثمانية أو السجلات المحلية، قد يصبح قرينة مهمة على وجود ذاكرة لهجرات أو جماعات وافدة. ومن هنا ينبغي ألا ننظر إلى رواية زبيد ورواية تغلب على أنهما بالضرورة متعارضتان. فقد يكون تاريخ تشكل المجتمع العربي في آزخ أكثر تعقيدًا من أن يفسر بقبيلة واحدة. ومن الممكن، على سبيل الفرضية التي تحتاج إلى الإثبات، أن تكون المنطقة قد عرفت جماعات عربية مسيحية متعددة في مراحل تاريخية مختلفة، وأن يكون بعضها قد ارتبط بربيعة وتغلب، ثم دخلت جماعات عربية أخرى، ومنها زبيد، واختلطت بالسكان السريان المحليين، واندمجت بهم، ثم أصبحت العربية لغة المجتمع مع مرور الزمن. وبذلك قد تكون رواية تغلب تحفظ طبقة أقدم من تاريخ الوجود العربي في المنطقة، بينما تحفظ رواية زبيد طبقة أخرى من تاريخ التكوين السكاني والعشائري. وهذا الاحتمال يصبح أكثر أهمية عندما نميز بين «أصل السكان» و«أصل اللغة». فقد يكون المجتمع الآزخي قد ضم في مرحلة من مراحله جماعات عربية وسريانية متعددة، ثم غلبت العربية لغةً للتواصل اليومي، بينما بقيت السريانية لغة الكنيسة والذاكرة الدينية. وفي مثل هذه الحالة لا يمكن أن نقول إن اللهجة الحالية هي ببساطة «لغة قبيلة واحدة»، لأن اللغة تتغير عندما تنتقل من جماعة إلى أخرى، وتتأثر بالزواج والهجرة والتجارة والجوار والكنيسة والسلطة والبيئة اللغوية المحيطة. أما الرأي الذي يربط عرب آزخ بالغساسنة، والذي نُسب إلى الدكتور الأب يوسف سعيد، فيحتاج إلى بحث مستقل في مصدره الأصلي. فوجود الغساسنة بوصفهم عربًا مسيحيين ذوي حضور تاريخي في بلاد الشام والمجال السرياني أمر معروف، لكنني لم أعثر في المصادر التي أمكن فحصها على نص تاريخي مباشر يقول إن أهل آزخ أو بيت زبداي كانوا من الغساسنة. ومن ثم ينبغي التمييز بين حقيقة وجود الغساسنة في العالم العربي المسيحي وبين إثبات هجرتهم إلى آزخ وتكوينهم أصل عربها. فالأولى ثابتة تاريخيًا، أما الثانية فما زالت بحاجة إلى وثيقة أو نص قديم مباشر. أما الباحثان أوتو ياسترو وميشايلا فيتريش، فإن أعمالهما ذات أهمية أساسية في الجانب اللساني، لكنهما لا يحسمان مسألة الانتساب القبلي. فقد درست فيتريش عربية آزخ دراسة مفصلة في كتابها الصادر سنة 2001 بعنوان Der arabische Dialekt von Āzex، ووضعت اللهجة في منظومة لهجات قِلتُو الميسوبوتامية، ودرست نظامها الصوتي والصرفي والنحوي وتصريف أفعالها وضمائر المفعول. أما ياسترو فقد وضع عربية آزخ ضمن لهجات العربية الشمالية الميسوبوتامية وقِلتُو. وهذا التصنيف مهم للغاية لفهم تاريخ اللهجة، لكنه لا يعني أن ياسترو أو فيتريش قالا إن أهل آزخ من تغلب أو زبيد أو غسان. فالتصنيف اللساني لا يساوي النسب القبلي. ولعل دراسة اللهجة نفسها تكون من أهم المفاتيح التي يمكن أن تساعد في هذه القضية. فعربية آزخ ليست مجرد عربية عامة، وإنما تمتلك نظامًا صرفيًا ونحويًا خاصًا، تظهر فيه خصائص جديرة بالمقارنة مع لهجات قِلتُو الميسوبوتامية وغيرها من لهجات العربية المسيحية في الجزيرة. ومن الأمثلة التي وثقتها في دراستي للهجة: «سَوَيْتُو» بمعنى «فعلت»، و«سَوَيْتُوو» بمعنى «فعلته»، و«شِفتُو» و«شِفتُوو»، و«سِمِعْتُو» و«سِمِعْتُوو»، و«جِبتُو» و«جِبْتُوو»، و«جِبْتُوَا» للمؤنث، و«جِبْتُوِنْ» للجمع، و«جِبْتُوكِي» للمخاطبة المؤنثة. وهذه الخصائص لا ينبغي أن تُستعمل لإثبات نسب قبلي مباشر، لكنها قد تساعد، عند مقارنتها بتاريخ اللهجات العربية في الجزيرة والعراق وطور عبدين، على كشف طبقات تاريخية من التطور اللغوي والاختلاط. ومن هنا فإن القول إن «اللهجة تثبت أن أهل آزخ من تغلب» يحتاج إلى شيء من التحفظ. فاللهجة يمكن أن تثبت قرابة لغوية أو اشتراكًا تاريخيًا في البيئة اللغوية، لكنها لا تحمل في ذاتها بطاقة تعريف قبلية. وقد تكون جماعة من أصل تغلبي قد تكلمت بلهجة تغيرت عبر القرون تحت تأثير البيئة الميسوبوتامية والسريانية، كما يمكن لجماعة من أصل آخر أن تتبنى اللهجة نفسها نتيجة العيش في البيئة ذاتها. ولذلك فإن التشابه اللساني بين عربية آزخ ولهجات قِلتُو لا يحسم وحده أصل سكانها. وهنا تظهر أهمية الذاكرة الشعبية الآزخية. فالذاكرة ليست بديلًا عن الوثيقة، ولكنها ليست مادة يجوز للباحث أن يهملها أيضًا. فإذا تكررت الرواية نفسها عند أجيال متعددة، وظهرت عند أشخاص لا ينقل بعضهم مباشرة عن بعض، فقد تكون قد حفظت أثرًا تاريخيًا قديمًا ضاع مصدره المكتوب. لكن قيمة الرواية تزداد عندما نجد لها شاهدًا مستقلًا في وثيقة أو سجل كنسي أو عثماني أو في كتاب تاريخي قديم. ولهذا ينبغي أن تُجمع الروايات الآزخية وفق منهج التوثيق الشفوي الحديث: اسم الراوي، عمره، مكان إقامته، اسم والده وجده، مصدر الرواية، اسم الكتاب الذي يقول إنه قرأ فيه، لغة الكتاب، اسم مؤلفه إن كان معروفًا، وما إذا كان هناك أشخاص آخرون سمعوا الرواية نفسها. وفي هذه الحالة تصبح شهادة أمثال الشيخ حمادة الفارس والمرحوم لحدو حنا القس مادة ميدانية ذات قيمة، لا لأنها تحسم التاريخ بمفردها، وإنما لأنها تحفظ لنا ما بقي من الذاكرة التاريخية المحلية قبل أن يندثر. ومن أهم ما ينبغي البحث عنه في المرحلة المقبلة العثور على الكتاب الذي ذكره المرحوم لحدو حنا القس، أو معرفة عنوانه أو مؤلفه أو مكان وجوده، وكذلك العثور على النص الأصلي الذي استند إليه المطران مار غريغوريوس بولس بهنام عندما ربط عرب آزخ ببني تغلب، ثم البحث عن أي ذكر للزبيد أو التغلبيين أو غيرهم في السجلات الكنسية السريانية والوثائق العثمانية والكتب العربية القديمة. كما ينبغي البحث في أصول التسميتين «المِصْرَكِيّة» و«السُّودانْكِيّة» لمعرفة مدى قدمهما، وما إذا كان لهما وجود موثق في آزخ قبل العصر الحديث. ومن الناحية التاريخية، لا ينبغي كذلك أن نغفل أن اسم بيت زبداي أقدم بكثير من الرواية المتعلقة بالشيخ زبيد. ولذلك لا يصح اشتقاق اسم «بيت زبداي» من «زبيد» القبيلة من غير دليل، كما لا يصح أن نرفض وجود جماعة زبيدية في آزخ لمجرد أن اسم البلدة أقدم من الرواية. فالاسمان ينتميان إلى مستويين تاريخيين مختلفين، وقد تكون الصلة بينهما لاحقة، وقد لا تكون أصلًا لغوية، وإنما هي مسألة تحتاج إلى وثيقة. وبناءً على ما تقدم، فإن الصورة التي يمكن رسمها في الوقت الحاضر هي أن آزخ كانت مركزًا مسيحيًا سريانيًا قديمًا في منطقة الجزيرة العليا، وأنها دخلت منذ عصور مبكرة في مجال التفاعل بين السريان والعرب، وأن المنطقة المحيطة بها شهدت وجود قبائل عربية مسيحية، ومن بينها بنو تغلب، كما حفظت الذاكرة الآزخية صلة قوية بزبيد وبالشيخ زبيد. وقد تكون العربية قد دخلت إلى آزخ في مرحلة أو مراحل متعاقبة، لا في هجرة واحدة، ثم تطورت داخل المجتمع المحلي حتى أصبحت لهجة آزخ الحالية، وهي لهجة عربية ميسوبوتامية من مجموعة قِلتُو، تحمل في بنيتها آثار البيئة التي نشأت فيها. ومن ثم فإنني لا أرى، في ضوء ما توفر حتى الآن، أن المنهج العلمي يفرض علينا الاختيار النهائي بين تغلب وزبيد وغسان. بل ربما يكون من الأصح أن نبحث في إمكانية أن تكون كل رواية منها قد حفظت طبقة مختلفة من تاريخ آزخ. فقد تحفظ رواية تغلب ذكرى الوجود العربي المسيحي القديم في الجزيرة، وقد تحفظ رواية زبيد ذكرى موجة عربية أخرى أو علاقة عشائرية لاحقة، وقد تكون رواية الغساسنة انعكاسًا لامتداد أوسع للعرب المسيحيين في المجال السرياني. أما الحقيقة التاريخية الكاملة، فقد تكون مركبة من أكثر من عنصر. وعليه، فإن السؤال الذي أراه أكثر دقة من سؤال «من أي قبيلة جاء أهل آزخ؟» هو: كيف تشكل المجتمع العربي الآزخي عبر القرون، ومتى أصبحت العربية لغته، وما الجماعات العربية والسريانية التي أسهمت في تكوينه؟ ولعل العثور على الكتاب الذي ذكره المرحوم لحدو حنا القس، أو على المصدر الذي اعتمد عليه المطران مار غريغوريوس بولس بهنام، أو على وثيقة كنسية أو عثمانية تذكر زبيد أو تغلب أو غيرهما في آزخ، سيكون خطوة حاسمة في هذا البحث. وحتى ذلك الحين تبقى الرواية الآزخية الشفوية مادة تاريخية ثمينة ينبغي جمعها وتوثيقها ومقارنتها بالمصادر المكتوبة، لا رفضها مسبقًا ولا تحويلها إلى حقيقة قطعية قبل التحقق منها. فالتاريخ لا يُكتب بما حفظته الكتب وحدها، ولا بما حفظته الذاكرة وحدها، وإنما بما نستطيع أن نضعه من الوثيقة والرواية واللغة والجغرافيا في حوار واحد. ولعل آزخ، بما تختزنه من ذاكرة سريانية وعربية ومسيحية وقبلية ولغوية، تقدم نموذجًا واضحًا لكيفية تشكل المجتمعات في الجزيرة عبر قرون طويلة من التفاعل والهجرة والاندماج. ومن هنا يبقى البحث مفتوحًا، لا بحثًا عن انتصار رواية على أخرى، بل بحثًا عن الحقيقة التاريخية التي قد تكون أوسع من كل الروايات التي وصلتنا. الباحث في الشأن الآزخي فؤاد زاديكي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|