![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مجموعة قِلتُو: تاريخها ومنشؤها وخصائصها وتفرعاتها ومجالها الجغرافي في ضوء الدراسات اللهجية
بقلم الباحث فؤاد زاديكي تُعدّ مجموعة قِلتُو (Qeltu أو Qǝltu) من أهم المجموعات اللهجية في تاريخ العربية الرافدية، ومن أكثرها أهمية في دراسة تطور العربية المحكية في العراق وشمال سورية وجنوب شرقي الأناضول، كما تمتد صلاتها إلى مناطق من كردستان العراق وإلى جماعات عربية تاريخية كانت تتكلم العربية في مدن وبلدات متعددة من بلاد الرافدين. وليس المقصود بمصطلح «قِلتُو» لهجة واحدة متجانسة، ولا لغة مستقلة بالمعنى الاصطلاحي، وإنما هو اسم تصنيفي أطلقه علماء اللهجات على مجموعة واسعة من اللهجات العربية التي تشترك في عدد من السمات الصوتية والصرفية والتاريخية، وأشهرها صيغة الفعل الماضي للمتكلم المفرد من «قال»: قِلتُ أو قِلتُو، في مقابل الصيغة «گِلِت» أو «جِلِت» ونحوها في المجموعة التي عُرفت في الدراسات باسم «گِلِت/جِلِت» (Gilit/Gelet). وقد أصبح هذا التقابل واحدًا من أشهر الخطوط الفارقة في تصنيف اللهجات العربية الرافدية. وقد ارتبط المصطلح في الدراسات الحديثة بصورة خاصة بأعمال حاييم بلانك، ثم توسع وتعمق في أعمال أوتو ياسترو وتلامذته ومن جاء بعدهم. ومن المهم منذ البداية التنبيه إلى أن كلمة «قِلتُو» لا ينبغي أن تُفهم على أنها اسم لأصل عرقي أو قبلي واحد، ولا أن جميع المتكلمين بهذه اللهجات ينحدرون من جماعة تاريخية واحدة. إنها تسمية لسانية تقوم على اشتراك لهجات متباعدة جغرافيًا في خصائص معينة، أهمها ما ظهر في تصريف الفعل «قال» وفي بعض السمات الصوتية والصرفية والنحوية. ولذلك فإن السؤال عن «أصل قِلتُو» يحتاج إلى صياغة دقيقة؛ فالأدق أن نتحدث عن الأصل التاريخي للطبقة اللهجية التي تمثلها لهجات قِلتُو، وعن نشأتها وانتشارها وتفرعاتها، لا عن أصل قبيلة أو شعب يسمى «قِلتُو». وقد أكدت الدراسات التاريخية للهجات الرافدية أن منطقة العراق كانت مسرحًا لتراكب طبقات سكانية ولهجية متعاقبة، وأن الخريطة اللهجية الحالية نتجت عن الهجرات والاستيطان والتحضر والتداخل بين البدو والحضر والجماعات الدينية المختلفة. ويُعد حاييم بلانك (Haim Blanc) من أبرز العلماء الذين أسسوا التصنيف الحديث للهجات العربية الرافدية. ففي دراسته المهمة عن اللهجات المجتمعية في بغداد سنة 1964، ميّز بين مجموعتين واسعتين عُرفتا فيما بعد باسم قِلتُو وگِلِت/جِلِت. وقد اختار الاسمان من صيغة «قلتُ» نفسها، لأن الفرق بين المجموعتين يظهر بصورة واضحة في النطق والصرف؛ فالمجموعة الأولى تحافظ، في صورتها النموذجية، على /q/ في مثل «قِلتُو»، كما تحتفظ بنهاية المتكلم المفرد في الماضي على صورة -tu، في حين تتميز لهجات المجموعة الأخرى في صيغ كثيرة بتحول /q/ إلى /g/ أو صوت قريب منه، وبصيغ مختلفة للماضي في المتكلم المفرد. ومن هنا أصبحت «قِلتُو» و«گِلِت» تسميتين اصطلاحيتين لتجمعين لهجيين كبيرين داخل المجال الرافدي. وقد كانت دراسة بلانك لبغداد ذات أهمية استثنائية، لأنها بينت أن المدينة الواحدة يمكن أن تضم أنظمة لهجية مختلفة ترتبط بالتاريخ الاجتماعي والجماعي للمتكلمين. فقد درس اللهجات البغدادية الإسلامية والمسيحية واليهودية، ولاحظ أن اللهجتين المسيحية واليهودية ترتبطان بخصائص قِلتُوية، في حين اتجهت لهجة المسلمين في بغداد إلى النمط المعروف باسم گِلِت. وهذا المثال البغدادي ساعد على بناء تصور أوسع عن تاريخ العربية الرافدية، وعن أثر الهجرة والتعريب والاستقرار والتحضر والتغير الاجتماعي في تكوين الخريطة اللهجية. أما من الناحية التاريخية، فتربط دراسات عدة لهجات قِلتُو بطبقة عربية قديمة نسبيًا في بلاد الرافدين، وترى فيها امتدادًا للهجات الحضر والمراكز المستقرة التي كانت موجودة في العراق في العصور الإسلامية الوسطى، بل إن بعض الباحثين يربطون هذه الطبقة بما كان متداولًا في المراكز الحضرية في العصر العباسي. وتفيد بعض إعادة البناء التاريخي بأن أسلاف المتكلمين بلهجات قِلتُو يمثلون موجات عربية مبكرة استقرت في بلاد الرافدين منذ الفتح العربي في القرن السابع الميلادي، ثم استمرت هذه اللهجات في البيئات الحضرية والمستقرة، في حين دخلت إلى العراق في مراحل لاحقة جماعات بدوية وقبلية تركت أثرًا لغويًا واسعًا وأسهمت في انتشار أنماط گِلِت. إلا أن هذه الصورة التاريخية ينبغي التعامل معها باعتبارها تفسيرًا تاريخيًا مبنيًا على المعطيات اللهجية والهجرات المعروفة، لا باعتبارها سلسلة نسب لغوية يمكن إثبات كل حلقة فيها بصورة قاطعة. وقد ازداد هذا التمييز وضوحًا في الدراسات اللاحقة التي لاحظت أن لهجات قِلتُو تمثل في العموم طبقة لهجية أقدم في المجال الرافدي من كثير من لهجات گِلِت، وأن الأخيرة ارتبطت بعمليات بدونة واستقرار جماعات قبلية في العراق خلال عصور لاحقة. وتذكر بعض الدراسات أن تحولات ديموغرافية مهمة وقعت خصوصًا بعد الغزو المغولي للعراق، ثم استمرت الهجرات والتحولات خلال العصر العثماني، الأمر الذي أدى في بعض المدن إلى انتقال بعض المجتمعات المسلمة من أنماط لهجية حضرية قديمة إلى أنماط متأثرة باللهجات البدوية أو القبلية. غير أن العلاقة الزمنية بين الهجرات والتحولات اللهجية تختلف من منطقة إلى أخرى، ولا يجوز تعميم نموذج بغداد أو جنوب العراق على جميع مناطق بلاد الرافدين. وقد جاء أوتو ياسترو (Otto Jastrow) ليقدم واحدة من أهم الدراسات التفصيلية لمجموعة قِلتُو. ففي عمله الكبير Die mesopotamisch-arabischen Qǝltu-Dialekte الذي صدر في جزأين سنة 1978 و1981، جمع مادة واسعة عن لهجات قِلتُو ودرس جوانبها الصوتية والصرفية والنحوية، كما قدم في الجزء الثاني نصوصًا شعبية من عدد من اللهجات. وتظهر أهمية عمله في أنه لم يكتفِ بالمقارنة بين صيغة «قِلتُو» و«گِلِت»، وإنما حاول الكشف عن العلاقات الداخلية بين لهجات قِلتُو نفسها، ووضعها في مجموعات وفروع اعتمادًا على مجموعة واسعة من السمات اللغوية. وقد أصبح كتابه من المراجع الأساسية في دراسة هذه المجموعة. وفي التصنيف الذي تطور في أعمال ياسترو ومن تبعه، أصبحت مجموعة قِلتُو تُقسم إلى فروع كبرى، وأشهر تقسيم حديث لها يتكون من أربعة فروع هي: الفرع الأناضولي، وفرع دجلة، وفرع الفرات، وفرع كردستان. ويختلف بعض الباحثين في التفاصيل أو في الحدود الدقيقة لبعض الفروع، كما أن بعض التصنيفات الأقدم كانت تذكر ثلاثة فروع فقط ثم أضيف فرع كردستان في التصنيفات اللاحقة نتيجة الأبحاث الميدانية التي أجراها ياسترو على لهجات يهودية في كردستان العراق. لذلك فإن تقسيم قِلتُو إلى أربعة فروع يمثل مرحلة متقدمة من التصنيف، وليس صيغة أزلية أو نهائية لا تقبل المراجعة. ويضم الفرع الأناضولي مساحة واسعة من العربية التاريخية في جنوب شرقي تركيا، ولا سيما مناطق ماردين، وسيعرت، ودياربكر، وكوزلوك ـ ساسون، وما حولها. وتدخل ضمن هذا المجال لهجات عربية تكلمت بها جماعات مسيحية ويهودية ومسلمة، مع اختلافات كبيرة بين المدن والقرى والجماعات. ومن هذه المنطقة تبرز لهجة أزخ، أو آزِخ، المعروفة رسميًا اليوم باسم إيدل (İdil)، وهي لهجة ذات أهمية خاصة في دراسة قِلتُو بسبب خصائصها الخاصة وبسبب موقعها الجغرافي في منطقة تماس لغوي بين العربية والكردية والتركية واللغات الآرامية الحديثة. وتضع التصنيفات اللسانية أزخ ضمن المجموعة الأناضولية من قِلتُو، وقد عالجها ياسترو ضمن المادة التي جمعها عن لهجات المنطقة، ثم خصصت ميكايلا فيترش لها دراسة مستقلة واسعة. وقد أصدرت ميكايلا فيترش (Michaela Wittrich) سنة 2001 كتابها المعروف Der arabische Dialekt von Āzex، وهو دراسة مستقلة في العربية الآزخية تقع في 212 صفحة، وتصف العربية في أزخ بوصفها لهجة مستقلة ذات خصائص مميزة داخل العربية الأناضولية. وتذكر الدراسة أن سكان أزخ العرب كانوا من المسيحيين، وأن الباحثة أجرت عملها الميداني بين أفراد من أبناء المجتمع الآزخي في ألمانيا خلال الفترة 1992–1998 بعد تهجير سكان أزخ من موطنهم. وتناقش الدراسة تاريخ المكان، وموقع لهجته ضمن نظام اللهجات العربية الرافدية من مجموعة قِلتُو، ثم تنتقل إلى الأصوات والصرف والنحو وتصريف الأفعال، وتضم جداول كاملة لتصريف الفعل مع لواحق المفعول. وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى البحث في اللهجة الآزخية، لأنه يجعل دراسة تصريف الفعل وضمائر المفعول فيها جزءًا من سياق أكاديمي موثق، إلى جانب المادة الحية التي حفظها أبناء اللهجة. أما فرع دجلة فيمتد في مناطق واسعة من شمال العراق ووسطه، ويدخل فيه ما يرتبط بلهجات الموصل وما حولها، وتكريت ومحيطها، وكذلك اللهجات المسيحية واليهودية التاريخية في بغداد وجنوب العراق. وتُظهر الدراسات أن لهجات الموصل نفسها ليست كتلة واحدة خالية من الاختلاف، بل توجد فيها تنوعات محلية واجتماعية وتاريخية، ومع ذلك بقيت ضمن الإطار القِلتُوي في كثير من تصنيفات اللهجات. وقد أكدت دراسات حديثة عن لهجات الموصل أن مجتمعات مختلفة في المدينة يمكن أن تتكلم أنماطًا قِلتُوية مع وجود فروق محلية بين الأحياء والجماعات. ومن السمات التي ارتبطت بفرع دجلة بصورة خاصة ظاهرة صوتية لافتة تتمثل في نطق الراء بصورة لهوية/لهاوية أو فوق حلقية في عدد من هذه اللهجات، وهي ظاهرة ناقشها ياسترو وعدها من السمات التي تساعد في التمييز بين فرع دجلة وبعض الفروع القِلتُوية الأخرى. وقد ربط بعض الباحثين تاريخ هذه الظاهرة بتأثير لغات المنطقة، ولا سيما الآرامية، في البيئة اللغوية الرافدية، مع إرجاع انتشارها إلى مراحل تاريخية قديمة تعود إلى العصر العباسي وما بعده. ولا تعني هذه الظاهرة أنها موجودة في كل لهجات دجلة بالدرجة نفسها، وإنما هي إحدى السمات التي استُخدمت في المقارنة بين الفروع. أما فرع الفرات فيشمل لهجات عربية مستقرة على امتداد منطقة الفرات والبادية السورية ـ الرافدية، ومن أمثلتها دير الزور، وعانة، وهيت، وأبو كمال، ومناطق أخرى امتدت عبر سورية والعراق وتركيا. وقد لاحظ ياسترو أن هذه اللهجات، على الرغم من إدراجها في عائلة قِلتُو، تعرض في بعض جوانبها تأثيرات بدوية قوية، ولذلك فهي تمثل حالة مهمة جدًا في دراسة التداخل بين الأنماط الحضرية المستقرة والأنماط البدوية. ومن الخصائص التي نوقشت في وصف فرع الفرات تحول الكاف القديمة في بعض المواضع إلى صوت affricate قريب من «تش»، وتحول القاف إلى صوت مجهور في بعض البيئات، إضافة إلى احتفاظ بعض اللهجات بنظام من الحركات القصيرة يضم a وi وu، وهي سمات فسرها ياسترو في سياق «البدونة» التي أثرت في بعض خصائص قِلتُو الأصلية. وهذا يبين أن الانتماء إلى قِلتُو لا يعني المحافظة التامة على جميع السمات القديمة نفسها في كل منطقة. أما فرع كردستان فهو فرع مميز في تاريخ التصنيف، وقد ارتبط بصورة خاصة باللهجات العربية اليهودية في كردستان العراق. وقد أظهرت الدراسات الميدانية التي أجريت على لهجات مثل أربيل وعقرة وكركوك وخانقين وتوز خورماتو وغيرها أن هذه اللهجات تشكل شبكة معقدة من العلاقات مع بقية لهجات قِلتُو، وأن بعضها أقرب إلى اللهجات القِلتُوية في الأناضول من بعض اللهجات اليهودية في الموصل أو بغداد. وقد قُسم هذا الفرع في بعض التصنيفات إلى شمالي وجنوبي، مع اختلاف درجة المعرفة العلمية بكل واحد منهما بسبب تفاوت المادة الميدانية المتاحة. وتفيد أبحاث حديثة بأن بعض مناطق جنوب كردستان، ولا سيما كركوك وخانقين وتوز خورماتو، ما تزال تحتاج إلى مزيد من التوثيق المقارن لفهم موقعها الدقيق داخل الشبكة القِلتُوية. ومن الناحية الجغرافية الواسعة، يمكن القول إن المجال التاريخي لمجموعة قِلتُو يمتد من جنوب شرقي الأناضول في تركيا عبر شمال العراق ووسطه إلى مناطق على نهر الفرات في العراق وسورية، مع امتدادات تاريخية إلى كردستان العراق، كما ظهرت لهجات قِلتُوية في مجتمعات يهودية ومسيحية هاجرت لاحقًا إلى بلدان أخرى، فانتقلت معها لهجاتها إلى مواطن الشتات. ومن ثم فإن خريطة قِلتُو الحالية لا يمكن فهمها بمجرد رسم حدود سياسية حديثة، لأن المجال اللهجي أقدم من الحدود بين تركيا والعراق وسورية، ولأن الجماعات المتكلمة بالعربية تحركت بين هذه المناطق خلال قرون طويلة. ولهذا نجد أن العربية في جنوب شرقي تركيا، مثل أزخ وماردين وسيعرت ودياربكر، ترتبط تاريخيًا ولهجيًا بالعربية الرافدية في العراق أكثر مما قد يوحي به موقعها داخل الدولة التركية الحديثة. ومن أهم خصائص قِلتُو أن المحافظة على القاف في عدد كبير من اللهجات تمثل سمة مقابلة للتحول الواسع للقاف إلى /g/ في كثير من لهجات گِلِت. غير أن هذه القاعدة ليست مطلقة، لأن بعض لهجات قِلتُو نفسها تعرض تحولات صوتية مختلفة بحسب المنطقة والسياق والكلمة والتاريخ اللهجي. ومن الخطأ إذن أن نقول إن كل قِلتُوي ينطق كل قاف بالقاف الفصيحة دائمًا، كما أن وجود صوت /g/ في لهجة قِلتُوية لا يكفي وحده لإخراجها من مجموعة قِلتُو. فالتصنيف يعتمد على مجموعة من السمات المتضافرة، وليس على صوت واحد منعزل. ومن الخصائص المهمة أيضًا نظام تصريف الفعل، ولا سيما صيغة المتكلم المفرد في الماضي، التي تمثل في النموذج القِلتُوي إحدى العلامات البارزة في التصنيف. فوجود النهاية -tu في الفعل الماضي للمتكلم المفرد كان من السمات التي اعتمد عليها بلانك في بناء التقابل بين قِلتُو وگِلِت. وهذه السمة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى دراسة اللهجة الآزخية، لأن نظام التصريف في أزخ يحتفظ بخصائص صرفية جديرة بالدراسة الدقيقة، ومنها الصيغ التي تظهر في تصريف الأفعال وفي اتصال الضمائر بالفعل. ولذلك فإن البحث في «سَوَى» وصيغ مثل سَوَيْتُو وسَوَيْتُوو لا ينبغي أن يُفصل عن دراسة البنية الصرفية العامة للهجة وعن موقعها القِلتُوي. وتتميز لهجات قِلتُو كذلك بعدد من السمات التي تنتمي إلى بنية اللهجات الحضرية المستقرة في العربية الرافدية، مع اختلاف هذه السمات من فرع إلى آخر. ومن السمات التي ناقشتها المصادر وجود أنظمة خاصة للحركات، وتغيرات في الصوامت، وتحولات في الثنائيات بين الأصوات الأسنانية والأسنانية ـ اللثوية، وفروق في الضمائر وأبنية الأفعال والجمع والتذكير والتأنيث. وقد أدى التفاعل التاريخي مع الآرامية والكردية والتركية والفارسية وغيرها إلى خلق بيئات لغوية معقدة، ولذلك لا يمكن تفسير جميع الظواهر القِلتُوية بردها إلى العربية الكلاسيكية وحدها، كما لا يمكن تفسيرها كلها بالاقتراض من اللغات المجاورة. فبعض الظواهر ترجع إلى التطور الداخلي للعربية، وبعضها إلى الاتصال اللغوي، وبعضها إلى تاريخ الجماعة الناطقة باللهجة. وتظهر أهمية الآرامية بصورة خاصة عند دراسة شمال بلاد الرافدين وجنوب شرقي الأناضول، وهي منطقة عاشت فيها العربية إلى جانب لهجات آرامية حديثة وكردية ولغات أخرى. ولذلك فإن بعض السمات الصوتية في العربية الرافدية لا يمكن فهم تاريخها بصورة كاملة إلا في ضوء هذا التعدد اللغوي. ومع ذلك ينبغي الحذر من نسبة كل ظاهرة غير مألوفة في العربية إلى الآرامية؛ فالتأثير اللغوي يحتاج إلى قرائن مقارنة وصوتية وتاريخية، وليس مجرد التشابه بين ظاهرتين. وهذا المبدأ مهم جدًا عند دراسة العربية الآزخية، لأنها نشأت في بيئة متعددة اللغات بصورة واضحة. ومن الخصائص المنهجية المهمة في دراسة قِلتُو أن الحدود بين اللهجات ليست حدودًا صلبة تشبه الحدود السياسية. فقد توجد قرية قِلتُوية بجوار قرية ذات نمط مختلف، وقد يتكلم سكان المدينة نمطًا معينًا بينما يتكلم سكان الريف المحيط نمطًا آخر، وقد تختلف لهجة جماعة دينية عن لهجة جماعة أخرى داخل المدينة نفسها. وتُظهر بغداد وموسل والأناضول أمثلة متعددة على هذه الظاهرة. ولذلك فإن مصطلح «قِلتُو» ينبغي أن يُفهم بوصفه شبكة من اللهجات ذات درجات مختلفة من القرابة، لا بوصفه نظامًا واحدًا يتكلمه جميع الناس بالطريقة نفسها. وتكشف الدراسات الحديثة كذلك أن التصنيف القِلتُوي ليس مجرد تصنيف جغرافي، بل يعتمد على مقارنة السمات اللغوية في الأصوات والصرف والنحو والمفردات. ولهذا استطاع ياسترو أن يميز بين فروع دجلة والفرات والأناضول وكردستان اعتمادًا على عدد من الخصائص المتراكبة. فلو كان التصنيف قائمًا فقط على صيغة «قلتُو»، لكان من الصعب تفسير الاختلافات العميقة بين لهجة أزخ ولهجة الموصل ولهجة دير الزور ولهجات اليهود في كردستان. أما عندما ننظر إلى التصريف والصوتيات والنحو والضمائر ونظام الحركات والتغيرات التاريخية، تظهر علاقات القرابة والاختلاف بصورة أكثر وضوحًا. ومن هنا يمكن فهم أهمية العمل الذي قام به ياسترو في جمع نصوص من إحدى عشرة لهجة قِلتُوية، لأن النصوص المتصلة بالحياة اليومية والحكايات الشعبية والأمثال والقصص تكشف ما لا تكشفه الجداول الصرفية وحدها. فاللهجة ليست مجموعة تصريفات فحسب، وإنما هي نظام حي يظهر في الكلام المتصل، وفي ترتيب الكلمات، وفي أدوات السؤال والنفي، وفي الضمائر، وفي التعبيرات الاصطلاحية، وفي المفردات التي قد تحمل آثارًا تاريخية لا تظهر في الفصحى. وقد جعلت هذه المنهجية أعمال ياسترو مرجعًا أساسيًا للباحثين الذين جاءوا بعده. وقد تبع ياسترو عدد من الباحثين الذين واصلوا توثيق لهجات قِلتُو ودراسة علاقاتها الداخلية، ومن الأسماء المهمة في هذا السياق تالاي (Talay)، الذي تناول العربية في جنوب شرقي الأناضول والمناطق المجاورة، كما استفاد الباحثون اللاحقون من أعمال فيرستيغ (Versteegh) وأوِنز (Jonathan Owens) وغيرهما في وضع تاريخ العربية الرافدية ضمن تاريخ أوسع لتطور اللهجات العربية. وتكشف هذه الدراسات أن قِلتُو من أكثر مجالات اللهجات العربية التي حظيت بالدراسة التفصيلية نسبيًا، ولا سيما مقارنة ببعض مناطق العالم العربي الأخرى. وفي مجال العربية الأناضولية تحديدًا، أسهمت الدراسات الميدانية في إظهار أن هذه اللهجات ليست مجرد امتداد بسيط للعربية العراقية، بل لها تاريخ محلي خاص. فالمنطقة الممتدة من أورفة إلى ماردين وسيعرت وما حولها كانت منطقة تماس بين العربية والكردية والآرامية والتركية، وقد أدى هذا الوضع إلى نشوء عدد من الجيوب العربية التي بقيت محافظة على أنظمة لهجية قديمة نسبيًا، مع اكتسابها في الوقت نفسه خصائص محلية جديدة. وقد وصف هايغ وخان اللهجات العربية الشرقية في الأناضول بأنها تنقسم إلى أنماط شرقية مستقرة ذات صلة بالمجموعة الرافدية القِلتُوية، وأن هذا المجال يشمل بصورة رئيسية مناطق ماردين وباطمان وموش وسيعرت، في مقابل لهجات غربية ذات طابع بدوي ترتبط بالمجال الشاوي. وتحتل أزخ مكانًا متميزًا داخل هذا السياق؛ فهي ليست مجرد مثال آخر على قِلتُو، بل لهجة لها شخصية لغوية خاصة، وقد وصفتها فيترش بأنها مستقلة ومتميزة في جوانب كثيرة داخل العربية الأناضولية. كما أن تاريخ المجتمع الآزخي نفسه، وما تعرض له من تهجير وتشتت، جعل عملية توثيق اللهجة مسألة ذات أهمية تتجاوز الوصف اللغوي المجرد، لأن اللهجة في هذه الحالة تحمل جزءًا من ذاكرة مجتمع انتقل قسم كبير من أبنائه إلى خارج موطنه الأصلي. وقد أنجزت فيترش دراستها بالاعتماد على متكلمين من أبناء أزخ في ألمانيا، وهو أمر يدل على أهمية تسجيل اللهجات حتى بعد انتقال المتكلمين من البيئة الجغرافية الأصلية. ومن القضايا المهمة في دراسة قِلتُو أيضًا علاقتها بما يسمى «العربية الرافدية» أو «عربية بلاد الرافدين». فالمصطلح الجغرافي الأوسع يشمل العراق ومناطق مجاورة في سورية وتركيا، بينما تمثل قِلتُو إحدى المجموعات الكبرى داخله، إلى جانب مجموعة گِلِت. ولذلك لا يصح استعمال «قِلتُو» و«العربية الرافدية» على أنهما مترادفان تمامًا؛ فكل قِلتُو رافدية في التصنيف الجغرافي الواسع، ولكن العربية الرافدية تشمل أيضًا لهجات ليست قِلتُوية. وهذه نقطة ضرورية عند الحديث عن لهجة أزخ، إذ يمكن وصفها بأنها عربية شمال رافدية/أناضولية ذات انتماء قِلتُوي، دون أن يعني ذلك أنها مطابقة للعربية الموصلية أو البغدادية المسيحية أو لهجات الفرات. كما أن مفهوم «القدم» في قِلتُو يحتاج إلى شيء من الدقة. فالقول إن قِلتُو «أقدم» من گِلِت لا يعني أن جميع ألفاظها أو أصواتها أقرب دائمًا إلى العربية الفصحى، ولا يعني أن لهجات گِلِت نشأت من قِلتُو بصورة مباشرة. المقصود في كثير من الدراسات التاريخية أن قِلتُو تمثل طبقة لهجية مرتبطة بالمجتمعات المستقرة القديمة في بلاد الرافدين، في حين أن كثيرًا من خصائص گِلِت ارتبطت بموجات لاحقة من البداوة والاستقرار القبلي والتغير الاجتماعي. ولهذا نجد في قِلتُو بعض السمات المحافظة، وفي الوقت نفسه نجد فيها ابتكارات محلية وتأثيرات لغوية قوية من اللغات المجاورة. والأهم أن الدراسات الحديثة لا تنظر إلى قِلتُو على أنها مجموعة جامدة، بل باعتبارها استمرارية لهجية واسعة. فلهجة قد تكون قِلتُوية بوضوح في مجموعة من السمات، لكنها تحمل في الوقت نفسه سمات بدوية أو محلية أو لغوية تماسية. وهذا ظاهر بوضوح في فرع الفرات، كما يظهر في بعض لهجات الأناضول وكردستان. ولذلك فإن دراسة كل لهجة على حدة تظل ضرورية، ولا يمكن استبدالها بوصف عام للمجموعة. وهذا هو السبب في أن دراسة أزخ عند فيترش ذات قيمة خاصة؛ فهي تسمح لنا بأن نرى كيف تتجسد الخصائص العامة لقِلتُو داخل نظام لغوي محلي مستقل. ومن منظور صرفي، تقدم لهجات قِلتُو مادة غنية لدراسة تطور نظام الفعل العربي. فالفعل «قال» الذي أعطى المجموعة اسمها ليس مجرد مثال اصطلاحي، وإنما يمثل مدخلًا إلى دراسة تصريف الماضي والمضارع والأمر، والضمائر المتصلة، والمبني للمجهول، والأفعال الناقصة والمعتلة، وأبنية المفعول، وغير ذلك من الظواهر. وفي العربية الآزخية تزداد أهمية هذه المسألة بسبب وجود أنماط واضحة في اتصال ضمائر المفعول بالفعل، وهي ظاهرة وثقتها فيترش في دراستها أيضًا من خلال الجداول التصريفية الكاملة. ومن هنا فإن المادة التي يحتفظ بها المتكلمون الآزخيون، ومنها صيغ مثل سَوَيْتُو وسَوَيْتُوو وجِبْتُو وجِبْتُوو وجِبْتُوَا وجِبْتُوكِي وجِبْتُوِنْ، تمثل مادة ثمينة لدراسة الصرف القِلتُوي من منظور لهجة محلية حية. ومن الناحية الصوتية، فإن قِلتُو تقدم صورة شديدة التنوع؛ فبعض اللهجات تحافظ على أصوات عربية قديمة بدرجات مختلفة، وبعضها يبدل الأصوات بين الأسنان والأسنان ـ اللثة، وبعضها يتأثر بالآرامية أو الكردية أو التركية، وبعضها يحتفظ بخصائص حركية قديمة أو يطور أنظمة جديدة. ولذلك لا يمكن استخراج «نظام صوتي قِلتُوي واحد» ينطبق على جميع اللهجات. إن القاسم المشترك بين هذه اللهجات تاريخي وتصنيفي، أما التحقيق الصوتي فيختلف من منطقة إلى أخرى. ومن الخصائص المهمة أيضًا أن لهجات قِلتُو عاشت في بيئات متعددة الأديان والطوائف. فقد وجدت قِلتُو بين المسيحيين واليهود والمسلمين، وفي بعض المناطق كانت لهجات الجماعات الدينية المختلفة متقاربة، وفي مناطق أخرى نشأت فروق واضحة بينها. وتقدم بغداد مثالًا تاريخيًا مهمًا على هذا الأمر، كما تقدم الموصل والأناضول وكردستان أمثلة مختلفة على العلاقة بين الانتماء الاجتماعي والانتماء اللهجي. ولذلك فإن تاريخ قِلتُو هو في جانب منه تاريخ المجتمعات الناطقة بالعربية في بلاد الرافدين، وليس تاريخ أصوات وصيغ صرفية فحسب. ومن المفيد كذلك التأكيد أن انتشار قِلتُو خارج العراق لا يعني أنها لهجات «مهاجرة حديثًا» من العراق إلى تركيا وسورية، بل إن المجال الرافدي التاريخي نفسه كان أوسع من الحدود السياسية الحالية، وكانت مناطق الجزيرة وشمال العراق وجنوب شرقي الأناضول متصلة من حيث التجارة والهجرة والاستقرار والأنساب والطرق والمدن. ولهذا فإن وجود لهجات قِلتُوية في ماردين وأزخ وسيعرت ودياربكر ليس أمرًا عرضيًا، بل جزء من تاريخ أوسع للمنطقة الرافدية والجزيرية. وقد صنفت الدراسات المتخصصة اللهجات العربية في شرقي الأناضول ضمن الفرع الأناضولي من اللهجات الرافدية، وهو فرع له علاقات وثيقة بالفروع القِلتُوية الأخرى مع احتفاظه بخصائصه الخاصة. ومن خلال تتبع تاريخ البحث العلمي في هذه المجموعة يمكن القول إن مرحلة بلانك كانت مرحلة وضع الأساس التصنيفي، إذ أبرز التقابل بين قِلتُو وجِلِت في العربية الرافدية؛ ثم جاءت أعمال ياسترو لتقدم وصفًا أكثر عمقًا للهجات قِلتُو وتفرعاتها ونصوصها؛ ثم جاءت دراسات تالاي وفيرستيغ وأوِنز وغيرهم لتربط الوصف اللهجي بالتاريخ الاجتماعي والهجرات والاتصال اللغوي؛ ثم ظهرت دراسات متخصصة في لهجات بعينها، مثل دراسة فيترش للعربية الآزخية، ودراسات حديثة للموصل وعانة وكردستان وغيرها. وبذلك انتقلت دراسة قِلتُو من مجرد ملاحظة الفرق بين «قِلتُو» و«گِلِت» إلى بناء تاريخ لغوي واجتماعي أكثر تعقيدًا للمجال الرافدي. وإذا أردنا تلخيص موقع لهجة أزخ داخل هذه الصورة الواسعة، أمكن القول إن العربية الآزخية تمثل إحدى اللهجات الأناضولية ذات الانتماء القِلتُوي، لكنها لا تختزل في هذا الانتماء؛ فهي نظام لغوي مستقل له تاريخه الصوتي والصرفي والنحوي والمعجمي الخاص. وهذا يفسر لماذا كان من الممكن لفيترش أن تضع دراسة كاملة للهجة في كتاب مستقل، وأن تصفها بأنها لهجة ذات شخصية متميزة داخل العربية الأناضولية، وفي الوقت نفسه تناقش موقعها ضمن منظومة قِلتُو الرافدية. وبذلك يتضح أن مجموعة قِلتُو ليست مجرد تسمية مأخوذة من كلمة «قِلتُو»، وإنما هي مفتاح لفهم جانب كبير من تاريخ العربية في بلاد الرافدين وشمال سورية وجنوب شرقي الأناضول وكردستان العراق. إنها تمثل طبقة لهجية واسعة نشأت وتطورت في بيئات الاستقرار الحضري والريفي، وتعرضت خلال قرون طويلة للهجرة والاختلاط والتغير الاجتماعي والاتصال بالآرامية والكردية والتركية والفارسية وغيرها. وقد أنتج هذا التاريخ شبكة من اللهجات التي يجمعها قدر من القرابة، ولكنها تختلف في الأصوات والصرف والنحو والمفردات وفي درجة المحافظة على الخصائص القديمة. ولذلك فإن دراسة قِلتُو لا يمكن أن تقوم على لهجة واحدة، بل تحتاج إلى مقارنة أزخ بماردين وسيعرت ودياربكر والموصل وتكريت وبغداد وعانة وهيت ودير الزور ولهجات كردستان وغيرها. ومن هذا المنطلق، فإن توثيق لهجة أزخ من أفواه أبنائها لا يمثل عملًا محليًا محدودًا، بل يضيف مادة إلى تاريخ مجموعة قِلتُو كلها. فكل صيغة فعلية، وكل ضمير، وكل تغير صوتي، وكل تعبير شعبي قد يساعد في رسم الحدود الدقيقة بين اللهجات وفي فهم الروابط التاريخية بينها. وتزداد أهمية هذا العمل لأن كثيرًا من اللهجات العربية التاريخية في الأناضول والعراق وكردستان تعرضت خلال القرن العشرين لتحولات ديموغرافية وهجرات واسعة، كما أن بعض المجتمعات الناطقة بها تشتتت خارج مواطنها الأصلية. ومن ثم أصبح التسجيل العلمي لما بقي من هذه اللهجات ضرورة من ضرورات علم اللهجات التاريخي، لا مجرد حفظ للتراث الشعبي. ولعل أهم ما تكشفه مجموعة قِلتُو للباحث في العربية هو أن اللهجة ليست صورة مشوهة من الفصحى، وإنما نظام لغوي قائم بذاته، له قواعده في الأصوات والصرف والنحو والدلالة، وله تاريخ طويل من التطور. ومن الخطأ أن تُقاس لهجة أزخ أو الموصل أو ماردين دائمًا بمقدار قربها من العربية الفصحى، لأن القيمة العلمية للهجة تكمن في معرفة نظامها الداخلي وعلاقاتها باللهجات الأخرى ومراحل تطورها. ولهذا فإن الشاهد الآزخي سَوَيْتُو لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد بديل عامي لـ«فعلتُ»، بل ينبغي أن يُدرس داخل منظومة التصريف الآزخية، وكذلك سَوَيْتُوو بوصفها صيغة فعلية اتصل بها ضمير مفعول، وفق التحليل الذي تقدمه المادة الآزخية الحية. وهذا النوع من التحليل هو الذي يحول اللهجة من مجموعة أمثلة متفرقة إلى نظام لغوي قابل للوصف العلمي والمقارنة. وهكذا فإن تاريخ قِلتُو يبدأ، في مستوى البحث الحديث، من الملاحظة التصنيفية التي صاغها بلانك في مقابل «گِلِت»، ثم يتسع مع أعمال ياسترو التي درست البنية الداخلية للمجموعة، ويتفرع إلى الدراسات الخاصة بالأناضول ودجلة والفرات وكردستان، ثم يصل إلى الدراسات المتخصصة في لهجات بعينها، مثل العربية الآزخية عند ميكايلا فيترش. أما من حيث التاريخ اللغوي الأبعد، فالأرجح أن هذه اللهجات تمثل امتدادًا لطبقات عربية مستقرة قديمة في بلاد الرافدين، مع ما لحق بها خلال القرون من تطور داخلي، واتصال لغوي، وتأثيرات بدوية وقبلية، وتحولات اجتماعية وهجرات، ولذلك لا يجوز اختزال تاريخها في حدث واحد أو قبيلة واحدة أو هجرة واحدة. وتبقى دراسة كل فرع وكل لهجة ضرورية لفهم الصورة الكاملة. إن مجموعة قِلتُو، في نهاية المطاف، ليست مجرد أحد فروع اللهجات العربية، بل هي سجل حي لجزء كبير من تاريخ العربية في بلاد الرافدين والجزيرة وشمال سورية وجنوب شرقي الأناضول. وفي داخل هذا السجل تحتل العربية الآزخية مكانة خاصة، لأنها تحفظ نظامًا لغويًا متميزًا من العربية الأناضولية القِلتُوية، ولأن أبناءها ما زالوا يحملون في ذاكرتهم أشكالًا صرفية وصوتية وتعبيرية لا يمكن تعويضها بمجرد الرجوع إلى العربية الفصحى أو إلى وصف لهجات أخرى. ومن هنا فإن جمع المادة الآزخية وتحليلها، وخاصة في مجال تصريف الأفعال وضمائر المفعول، لا يخدم دراسة أزخ وحدها، وإنما يرفد الدراسات المقارنة لمجموعة قِلتُو بمادة أصلية من داخل أحد فروعها المهمة، ويتيح للباحثين إعادة النظر في بعض العلاقات بين الفروع القِلتُوية على أساس من الشواهد الحية لا من الافتراضات العامة وحدها. فؤاد زاديكي الباحث الآزخي |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|