Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 02:46 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,308
افتراضي الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء دراسة تاريخية شاملة من سايكس–بيكو إلى

الانتداب الفرنسي على سورية من الألف إلى الياء

دراسة تاريخية شاملة من سايكس–بيكو إلى الجلاء سنة 1946

إعداد وبحث: فؤاد زاديكي

القسم الثالث: الانتداب الفرنسي وسورية الحديثة: العمران والبنية التحتية والاقتصاد ونشوء المراكز الحضرية الجديدة

لم يكن الانتداب الفرنسي على سورية مرحلة سياسية وعسكرية فحسب، بل كان أيضًا مرحلة شهدت تغيرات مهمة في البنية العمرانية والاقتصادية والإدارية للبلاد. فقد دخلت سورية عهد الانتداب وهي تحمل إرثًا عثمانيًا طويلًا في الإدارة والطرق والسكك الحديدية والمرافئ والبريد والبرق والأسواق، كما كانت مدنها الكبرى تمتلك تقاليد عمرانية وتجارية راسخة تعود إلى قرون سابقة. ولذلك فإن الحديث عن العمران والبنية التحتية والاقتصاد في زمن الانتداب يحتاج إلى تجنب فكرتين متناقضتين ومبالغتين في آن واحد: الأولى أن فرنسا بنت سورية الحديثة من الصفر، والثانية أنها لم تضف أي شيء إلى البنية المادية والاقتصادية للبلاد. والحقيقة التاريخية أكثر تركيبًا؛ فقد ورثت الإدارة الفرنسية مؤسسات ومنشآت سابقة، وأعادت تنظيم بعضها، ووسعت بعضها الآخر، وأنشأت مشاريع جديدة، وكان لهذه المشاريع في الوقت نفسه أهداف مدنية واقتصادية وأمنية وعسكرية واستراتيجية.

كانت شبكة المواصلات من أهم المجالات التي اهتمت بها سلطات الانتداب. فالطرق التي تربط دمشق ببيروت وحمص وحلب وحوران والبادية، والطرق التي تربط المدن بالقرى والمناطق الزراعية، كانت ضرورية لحركة القوات والإدارة والتجارة معًا. وقد شهدت سنوات الانتداب عمليات صيانة وتوسعة وإنشاء لعدد من الطرق والجسور، كما تطورت وسائل النقل البري مع انتشار المركبات والشاحنات والحافلات. ولم يكن هذا التطور منفصلًا عن التحولات الاقتصادية، إذ سمح بتحريك المحاصيل والسلع بين مناطق الإنتاج والأسواق، وربط المراكز الزراعية بالمدن والمرافئ.

أما السكك الحديدية، فقد كانت سورية قد عرفت أجزاء مهمة من شبكة السكك الحديدية في أواخر العهد العثماني، ولا سيما الخط الحديدي الحجازي وخطوط أخرى ارتبطت بالمواصلات العسكرية والتجارية. وبعد الحرب العالمية الأولى تعرضت أجزاء من هذه الشبكات للتوقف والتضرر نتيجة العمليات العسكرية، ثم أعادت سلطات الانتداب تشغيل بعض الخطوط أو تنظيم استخدامها وتطوير بعض المقاطع وفق حاجاتها. وكانت السكك الحديدية وسيلة لنقل الجنود والمواد العسكرية، لكنها أدت أيضًا دورًا اقتصاديًا في نقل الحبوب والقطن والبضائع والمسافرين.

وشهدت المرافئ السورية واللبنانية أهمية متزايدة في نظام التجارة خلال الانتداب. وكان ميناء طرطوس وميناء اللاذقية وغيرهما جزءًا من شبكة النقل البحري التي تربط الداخل السوري بالبحر المتوسط، في حين ظل ميناء بيروت ذا أهمية كبيرة للتجارة الإقليمية. وقد عملت السلطات الفرنسية على تطوير الإدارة الجمركية وتنظيم حركة البضائع، وربط الموانئ بالطرق والسكك الحديدية، بما يخدم المصالح التجارية والإدارية والعسكرية.

كما شهدت خدمات البريد والبرق والهاتف تطورًا تدريجيًا خلال هذه المرحلة. فقد كانت وسائل الاتصال ضرورية لإدارة البلاد الواسعة وربط المدن بالمراكز الإدارية والعسكرية، لكنها أسهمت أيضًا في تسريع التواصل الاقتصادي والاجتماعي بين المناطق. وبدأ الهاتف يتوسع في المراكز الحضرية، بينما أصبح البريد والبرق جزءًا أساسيًا من الجهاز الإداري الحديث.

وكانت المياه والصحة العامة من المجالات التي شهدت تدخلًا إداريًا متزايدًا، خصوصًا في المدن الكبرى. فقد اهتمت البلديات والسلطات الصحية بشبكات المياه، وتصريف مياه الأمطار والمياه المستعملة، وتنظيم بعض الأسواق والمسالخ، ومراقبة الأوبئة. لكن مستوى الخدمات اختلف بشدة بين مدينة وأخرى، وبين المراكز الحضرية والمناطق الريفية. ولم تصل التحسينات إلى جميع السكان بالدرجة نفسها، إذ بقيت قرى ومناطق واسعة تفتقر إلى الخدمات الحديثة.

وفي مجال الكهرباء، شهدت المدن السورية توسعًا تدريجيًا في الإنارة والطاقة الكهربائية، سواء من خلال شركات ومرافق محلية أو ترتيبات إدارية واقتصادية مرتبطة بالانتداب. وكانت الكهرباء في بداياتها مرتبطة بالمدن والمناطق الأكثر نشاطًا اقتصاديًا، ثم توسعت تدريجيًا. وقد أسهمت في تغيير نمط الحياة الحضرية، وفي تشغيل بعض الورش والمنشآت التجارية والصناعية، وفي تطوير الخدمات العامة.

أما العمران، فقد بدأت المدن السورية تشهد انتقالًا تدريجيًا من المدينة التقليدية ذات الأزقة والأسواق المغلقة والأحياء المتلاصقة إلى مدينة حديثة تضم شوارع أوسع ومبانٍ إدارية وتجارية وأحياء جديدة خارج النطاق التاريخي القديم. وكان هذا التحول قد بدأ في أواخر العهد العثماني، لكنه تسارع خلال فترة الانتداب نتيجة النمو السكاني، وتطور وسائل النقل، وتوسع النشاط الإداري والتجاري.

كانت دمشق في مقدمة المدن التي شهدت هذا التحول. فقد توسعت المدينة خارج أسوارها التاريخية، وظهرت أحياء وشوارع ومبانٍ جديدة، وتطورت بعض المناطق الواقعة بين المدينة القديمة ومداخلها الحديثة. كما شهدت مناطق مثل الصالحية والمهاجرين وأحياء أخرى عمليات توسع عمراني متدرجة. ولم يكن هذا التوسع فرنسيًا بالكامل؛ فقد شارك فيه ملاك العقارات والبناؤون والتجار والبلديات والسكان المحليون، في حين تدخلت السلطات في التنظيم والتخطيط والطرق والخدمات.

وفي حلب، أدت الأهمية التجارية للمدينة إلى توسع عمراني واقتصادي واضح. فقد تطورت المناطق المحيطة بالمدينة القديمة، وظهرت شوارع وأحياء ومبانٍ ذات طابع معماري حديث إلى جانب النسيج العمراني التقليدي. وكان ارتباط حلب بالداخل السوري والأناضول والعراق عاملًا أساسيًا في نموها التجاري، كما ساهمت الإدارة الحديثة والطرق ووسائل النقل في إعادة تشكيل المجال الحضري.

ولم تكن التحولات العمرانية مقتصرة على دمشق وحلب. فقد شهدت حمص وحماة واللاذقية وطرطوس ودير الزور وغيرها من المدن تغيرات متفاوتة، شملت الطرق والأسواق والمباني الحكومية والمدارس والمستشفيات والمرافق العامة. كما ظهرت مبانٍ ذات طابع معماري يجمع بين التأثيرات المحلية وبعض العناصر الأوروبية، وهو ما يعكس طبيعة المرحلة الانتقالية التي كانت تعيشها المدن السورية.

وفي هذا السياق ظهرت الحاجة إلى التخطيط العمراني الحديث والمسح العقاري وتنظيم الشوارع والأحياء. وقد استعانت سلطات الانتداب بموظفين وخبراء ومسّاحين ومهندسين لتنظيم بعض المدن والمناطق. إلا أن نسبة المشاريع إلى شخص واحد أو مهندس واحد تحتاج دائمًا إلى وثيقة أصلية واضحة، لأن التخطيط العمراني في العادة كان نتيجة عمل إداري وفني جماعي شارك فيه موظفون ومسّاحون ومهندسون وبلديات وسلطات محلية.

وتنطبق هذه الملاحظة بصورة خاصة على بعض المراكز الحضرية التي نشأت أو توسعت في منطقة الجزيرة السورية خلال فترة الانتداب. فقد كانت الجزيرة قبل ذلك أقل اندماجًا في شبكة المدن الحديثة، ثم شهدت خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين تغيرات سكانية واقتصادية وإدارية كبيرة. وأسهمت سياسات الانتداب في إنشاء مراكز إدارية وتجارية جديدة وربطها بالطرق والاتصالات والأسواق.

وكانت القامشلي من أبرز هذه المراكز الجديدة. فقد بدأت ملامحها الحضرية تتبلور خلال عشرينيات القرن العشرين، وتطورت بصورة ملحوظة في منتصف ذلك العقد وما بعده. وارتبط نموها بالتحولات السكانية والتجارية والإدارية في الجزيرة، وبموقعها القريب من الحدود السورية–التركية، وبنشاط الزراعة والتجارة والحبوب، وبالطرق التي ربطتها بالمراكز المجاورة.

تميز التخطيط العمراني المبكر للقامشلي بدرجة واضحة من الانتظام، إذ ظهرت شبكة من الشوارع المستقيمة والتقاطعات المنتظمة، وهي سمة تختلف عن كثير من المدن القديمة التي نشأت بصورة تدريجية حول الأسواق والطرق التاريخية. وقد ارتبط هذا النمط بالحاجة إلى إنشاء مركز حديث قابل للمسح والتنظيم والإدارة، لا بمجرد توسع عفوي لقرية قديمة.

وتظهر في الروايات المحلية وبعض الدراسات أسماء موظفين وضباط ومهندسين فرنسيين ارتبطوا بمرحلة تأسيس القامشلي وتنظيمها. ويُذكر في بعض الروايات اسم بيير تيرييه، الذي كان ضابطًا ومسؤولًا فرنسيًا في منطقة الجزيرة، وتوجد قرائن على وجوده في القامشلي خلال النصف الثاني من عشرينيات القرن العشرين. لكن نسبة تصميم المدينة إليه وحده، أو وصفه بأنه المهندس الذي رسم مخططها النهائي منفردًا، تحتاج إلى وثيقة أصلية صريحة لا تتوافر بصورة كافية في المصادر المنشورة المتاحة.

وتظهر أيضًا في بعض الروايات أسماء أخرى، منها ميشال دوم واسم مهندس يُنقل أحيانًا بصيغ مثل كرلمبو أو كارالمبو، وقد ارتبطت هذه الأسماء بروايات عن المسح والتخطيط والتنظيم العمراني في الجزيرة. غير أن التعامل العلمي مع هذه الروايات يقتضي التفريق بين وجود أشخاص فرنسيين أو أوروبيين شاركوا في الإدارة والمساحة والهندسة، وبين القول إن أحدهم كان المصمم الوحيد لمدينة كاملة. والأرجح، في ضوء طبيعة الإدارة الانتدابية، أن التخطيط جرى ضمن منظومة عمل شارك فيها ضباط وموظفون ومسّاحون ومهندسون محليون وأجانب، إلى جانب السلطات الإدارية والبلدية.

ولا يقل هذا التحفظ من أهمية الدور الفرنسي في تشكيل القامشلي الحديثة، بل يجعل وصفه أكثر دقة. فقد كان للإدارة الفرنسية دور واضح في تنظيم المنطقة، وتثبيت الحدود الإدارية، وإنشاء الطرق والمراكز الحكومية، وربط الجزيرة بشبكات المواصلات والاتصالات، الأمر الذي ساهم في نمو القامشلي كمركز تجاري وإداري. وفي الوقت نفسه كان للسكان والتجار والمهاجرين والعمال والمزارعين دور أساسي في تحويل المخطط الإداري إلى مدينة حية.

وقد شهدت القامشلي منذ بداياتها تنوعًا سكانيًا واجتماعيًا واضحًا، وهو ما انعكس على نشاطها التجاري والعمراني. فقد ساهمت مجموعات سكانية مختلفة في بناء الأسواق والمنازل والمؤسسات الدينية والتعليمية والتجارية، وتحولت المدينة تدريجيًا إلى مركز تجاري مهم للحبوب والقطن والمنتجات الزراعية والماشية، وربطت بين الجزيرة والأسواق السورية والعراقية والتركية.

أما ديريك، التي عُرفت لاحقًا باسم المالكية، فقد شهدت بدورها تحولًا عمرانيًا وإداريًا خلال فترة الانتداب. وكانت المنطقة في بداياتها مركزًا محليًا صغيرًا، ثم بدأت تتطور مع توسع الإدارة الحديثة وتثبيت الحدود وتنظيم المنطقة. وارتبط نموها بالحاجة إلى إنشاء مراكز إدارية وتجارية في الجزيرة، وبالتغيرات السكانية والزراعية التي شهدتها المنطقة.

وتتحدث بعض الروايات المحلية عن تنظيم سوق ديريك القديم، المعروف في بعض المصادر المحلية باسم «عرصة الدكاكين»، وعن تدخل الإدارة الفرنسية في تحديد الشوارع والحدود والأسواق. غير أن نسبة تصميم السوق أو مخططه إلى مهندس فرنسي محدد لا تستند، في حدود المصادر المنشورة المتاحة، إلى وثيقة فرنسية حاسمة يمكن الاعتماد عليها بصورة قطعية. والأرجح أن التخطيط العام للشوارع والمركز الإداري خضع لأعمال المساحة والتنظيم التابعة للإدارة، بينما نفذ البناء الفعلي عمال وبناؤون محليون وفق احتياجات السكان والتجار.

وهذا التفريق بين التخطيط الإداري والتنفيذ المحلي مهم جدًا لفهم نشوء المدن السورية في فترة الانتداب. فالمهندس أو المسّاح قد يضع شبكة الطرق أو يحدد حدود القطع العقارية أو يوجه تنظيم السوق، لكن ذلك لا يعني أنه بنى المدينة بنفسه. فالمدينة نتاج عملية اجتماعية واقتصادية طويلة شارك فيها السكان والتجار والملاك والحرفيون والبلديات والسلطات الحكومية.

وفي الحسكة أيضًا أدى الانتداب إلى إنشاء مركز إداري جديد وتطويره تدريجيًا، مع ارتباط المنطقة بمشاريع الزراعة واستصلاح الأراضي والطرق والاتصالات. وقد ساعد موقع الحسكة على نهر الخابور في جعلها مركزًا إداريًا وزراعيًا مهمًا، خصوصًا مع توسع النشاط الزراعي ودخول المنطقة بصورة أعمق في الاقتصاد النقدي والأسواق.

كان نمو مراكز الجزيرة مرتبطًا بصورة وثيقة بالتحولات الزراعية. فالأراضي الخصبة ومشاريع الري والزراعة المطرية، ولا سيما زراعة الحبوب، جذبت المستثمرين والتجار والمزارعين والعمال. كما أدى تسجيل الأراضي وتنظيم الملكية العقارية إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الأرض والسكان. ولم تكن هذه العملية دائمًا في مصلحة الفلاحين، إذ ساهمت إجراءات التسجيل في بعض المناطق في تثبيت ملكيات كبار الملاك وتحويل بعض العلاقات الزراعية التقليدية إلى علاقات قانونية جديدة.

ويُعد تسجيل الأراضي والمسح العقاري من أهم التحولات الإدارية والاقتصادية في هذه الفترة. فقد ورثت الإدارة الفرنسية أنظمة عثمانية في تسجيل الملكية، ثم أعادت تنظيمها ووسعت أعمال المسح العقاري والتسجيل. وكان الهدف المعلن تنظيم الملكية وتثبيت الحقوق، لكن النتائج الاجتماعية لم تكن متساوية. ففي بعض الحالات ساعد التسجيل على حماية الملكية، وفي حالات أخرى أدى ضعف معرفة الفلاحين بالإجراءات القانونية أو تعقيدها إلى انتقال مساحات من الأراضي إلى ملاك أكثر قدرة على التعامل مع الإدارة والمحاكم.

وكانت الزراعة العمود الفقري للاقتصاد السوري خلال الانتداب. فقد ظلت الحبوب، ولا سيما القمح والشعير، من أهم المحاصيل، إلى جانب القطن في بعض المناطق، والتبغ والحمضيات والزيتون والعنب وغيرها من المحاصيل بحسب المنطقة. وأدت الطرق والسكك الحديدية والموانئ إلى توسيع إمكانات تسويق الإنتاج، وربط المناطق الزراعية بالأسواق الداخلية والخارجية.

كان القطن ذا أهمية خاصة في بعض مناطق الجزيرة وشمال سورية، لأنه محصول نقدي قابل للتصدير والتصنيع. كما ارتبط إنتاجه بتطور التجارة والمصارف والنقل. لكن الزراعة التجارية كانت عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والأزمات الاقتصادية، وهو ما ظهر بوضوح خلال الكساد الاقتصادي العالمي في نهاية عشرينيات القرن العشرين وبداية الثلاثينيات.

أدت الأزمة الاقتصادية العالمية إلى انخفاض أسعار عدد من المنتجات الزراعية، وأثرت في قدرة الفلاحين والتجار على تسديد الديون، كما تراجعت قيمة بعض المحاصيل وتقلصت القدرة الشرائية. وكانت آثار الأزمة أشد على الفئات الريفية الفقيرة التي لم تكن تملك احتياطات مالية كافية أو قدرة على مواجهة انخفاض الأسعار. وأسهم ذلك في زيادة التفاوت الاجتماعي في بعض المناطق.

وفي المجال التجاري، استفادت بعض المدن من إعادة تنظيم الطرق والأسواق والجمارك، كما توسعت التجارة مع العراق وتركيا ولبنان وفلسطين وغيرها من المناطق المجاورة. وكانت حلب ودمشق وحمص واللاذقية ومراكز الجزيرة من أهم العقد التجارية، ولكل منها مجال اقتصادي مختلف. وقد لعب التجار دورًا مهمًا في تمويل الزراعة ونقل المنتجات وتوزيع السلع.

أما النظام الجمركي فقد كان من أهم أدوات التحكم الاقتصادي في فترة الانتداب. فقد ارتبطت سورية بترتيبات جمركية إقليمية معقدة، وكان للسلطات الفرنسية نفوذ مباشر في إدارة بعض هذه الموارد. وأثرت الرسوم الجمركية في أسعار السلع واتجاهات التجارة، كما ساهمت في تحديد العلاقة الاقتصادية بين سورية ولبنان والموانئ والأسواق الخارجية.

وشهدت الفترة نفسها تطورًا في القطاع المصرفي والمالي. فقد ظهرت مؤسسات مصرفية وشركات مالية وتجارية، وأصبحت المدن الكبرى أكثر ارتباطًا بالنظام النقدي والمصرفي الحديث. كما تطورت عمليات الإقراض والتمويل التجاري والزراعي. غير أن هذه المؤسسات لم تكن متاحة بالدرجة نفسها لجميع الفئات، إذ بقي الوصول إلى الائتمان الرسمي أكثر سهولة بالنسبة للتجار وكبار الملاك وأصحاب الأعمال، بينما اعتمد صغار المزارعين في كثير من الأحيان على علاقات ائتمانية تقليدية أو وسطاء محليين.

وفي الصناعة، بقيت سورية محدودة التصنيع مقارنة بالدول الأوروبية، لكن ظهرت ورش ومعامل صغيرة ومتوسطة في مجالات النسيج والغزل والصابون والزيوت والأغذية والطباعة وبعض الصناعات الحرفية. وكانت حلب ودمشق وحمص من أبرز المراكز الصناعية، واستفادت بعض الصناعات من توفر الأسواق والمواد الأولية والعمالة المحلية. ومع ذلك، واجهت الصناعة السورية منافسة من المنتجات المستوردة، كما كانت مرتبطة بقدرة السوق المحلية وبالسياسات الجمركية.

شهدت المدن كذلك توسعًا في النشاط الحرفي والتجاري. فقد حافظت الأسواق القديمة على دورها، لكنها بدأت تتعايش مع متاجر حديثة ومكاتب وشركات ومصارف ومؤسسات تجارية جديدة. وظهر تدريجيًا نمط جديد من الحياة الاقتصادية الحضرية يجمع بين السوق التقليدي والمؤسسات الحديثة.

وفي دمشق، أدى نمو الإدارة والوظائف الحكومية إلى توسع الطبقة الوسطى من الموظفين والمحامين والأطباء والمعلمين والتجار وأصحاب المهن الحديثة. كما ظهرت أحياء جديدة مرتبطة بهذا التوسع، وتغيرت أنماط السكن والعمل والتنقل. وفي حلب، أدى النشاط التجاري والصناعي إلى نشوء طبقات جديدة من رجال الأعمال والتجار وأصحاب المصانع والمهنيين.

أما في المدن الناشئة في الجزيرة، فقد كان التغير أكثر وضوحًا، لأن هذه المدن لم تكن تحمل تاريخًا عمرانيًا طويلًا مثل دمشق وحلب وحمص. فقد نشأت حول الإدارة والطرق والأسواق والزراعة والحدود، ثم توسعت مع تزايد السكان والهجرة والنشاط التجاري. ولذلك أصبحت القامشلي والحسكة وديريك أمثلة مهمة على الانتقال من المركز المحلي إلى المدينة الحديثة.

ولا يمكن فهم نشوء هذه المراكز بمعزل عن التغيرات السكانية التي شهدتها الجزيرة خلال العقود الأولى من القرن العشرين. فقد أدت الحرب العالمية الأولى وما رافقها من اضطرابات وهجرات إلى تغيرات كبيرة في التركيبة السكانية، ثم جاءت سنوات الانتداب لتشهد استقرار جماعات سكانية مختلفة في المنطقة، وظهور قرى وبلدات جديدة، وتوسع الزراعة والتجارة. وقد ساهم هذا التنوع في النشاط الاقتصادي والعمراني، لكنه كان أيضًا مصدرًا لتعقيدات سياسية واجتماعية ستظهر في العقود اللاحقة.

وكانت الإدارة الفرنسية تنظر إلى الجزيرة من زاوية استراتيجية واضحة. فالمنطقة تقع على الحدود مع تركيا والعراق، وتملك موارد زراعية مهمة، وتشكل ممرًا بين المراكز السورية والعراقية. ولذلك اهتمت فرنسا بإنشاء مراكز إدارية وعسكرية وطرق واتصالات فيها، وبإجراء المسوحات وتنظيم الأراضي والحدود. ومن هنا فإن نشوء مدن الجزيرة لا يمكن تفسيره بالاستثمار الاقتصادي وحده، ولا بالهجرة وحدها، بل كان نتيجة تفاعل بين الاستراتيجية العسكرية والإدارة الحديثة والتحولات السكانية والزراعة والتجارة.

وقد أدى هذا التفاعل إلى ظهور نمط عمراني جديد يختلف عن المدن التاريخية. فبدل المدينة التي تتشكل حول قلعة أو سوق مركزي قديم أو طريق قافلة تاريخي، ظهرت مدن تعتمد على شبكة طرق مستقيمة، ومركز إداري، وسوق حديث، ومحطة أو طريق رئيسي، ومناطق سكنية تتوسع تدريجيًا حولها. وكان هذا النمط أكثر ملاءمة لوسائل النقل الحديثة ولأعمال المسح العقاري والإدارة.

ومع ذلك، فإن هذا العمران الجديد لم يكن أوروبيًا خالصًا. فقد قام السكان المحليون ببناء البيوت والأسواق والمحلات والمؤسسات، واستخدموا مواد وتقنيات بناء محلية، وكيّفوا المخططات الرسمية مع حاجاتهم. ولهذا فإن المدن التي نشأت خلال الانتداب كانت نتاج تفاعل بين مخطط إداري حديث ومجتمع محلي له عاداته واحتياجاته الاقتصادية والثقافية.

ومن الناحية الاقتصادية، أدى ظهور هذه المراكز إلى إعادة توزيع النشاط التجاري في بعض المناطق. فقد أصبحت القامشلي مركزًا مهمًا لتجارة الحبوب والقطن، وأصبحت الحسكة مركزًا إداريًا وزراعيًا، بينما لعبت ديريك دورًا محليًا مهمًا في التجارة والخدمات. وربطت الطرق هذه المراكز بدمشق وحلب والعراق وتركيا، وإن بقيت حركة التجارة متأثرة بالحدود والسياسات الجمركية والأوضاع السياسية.

وكان للمواصلات أثر مباشر في نمو المدن. فوجود طريق جيد أو محطة للسكك الحديدية أو مكتب بريد أو مركز إداري كان يجذب التجار والموظفين والحرفيين والسكان. ولهذا كان إنشاء البنية التحتية في بعض المناطق بمثابة نقطة بداية لتشكل تجمع حضري جديد. وفي المقابل، كانت المناطق التي بقيت خارج شبكة المواصلات الحديثة أقل قدرة على جذب النشاط الاقتصادي.

أما الخدمات الصحية والتعليمية والإدارية، فقد ساهم وجودها في تثبيت السكان وتحويل المراكز الصغيرة إلى مدن. فالمدرسة والمستوصف ومركز البريد والبلدية ومقر الإدارة كانت جميعها مؤسسات تجذب الموظفين والمراجعين والتجار، وتخلق حولها نشاطًا اقتصاديًا جديدًا.

ومن هنا يمكن القول إن الانتداب الفرنسي أسهم بالفعل في تسريع انتقال أجزاء من سورية من نمط اقتصادي وإداري عثماني إلى نمط أكثر ارتباطًا بالدولة المركزية الحديثة والأسواق النقدية والمواصلات البرية والبحرية والاتصالات. لكن هذا التحول لم يكن صناعة فرنسية خالصة، إذ بدأت جذوره قبل الانتداب، واستند إلى مبادرات محلية، واستمر بعد الاستقلال.

وفي تقييم الأثر الاقتصادي للانتداب، ينبغي أيضًا الانتباه إلى مسألة توزيع المنافع. فالمشاريع التي أنشئت أو طورت لم يستفد منها الجميع بالدرجة نفسها. استفادت المدن الكبرى ومراكز التجارة والمناطق الزراعية ذات الإنتاج القابل للتسويق أكثر من القرى النائية. كما استفاد بعض كبار الملاك والتجار من النظام المصرفي والتجاري الجديد، بينما بقي صغار الفلاحين أكثر تعرضًا للديون وتقلبات الأسعار.

كذلك لا يمكن فصل المشاريع الاقتصادية عن المصالح الفرنسية. فقد كانت فرنسا معنية بتثبيت وجودها العسكري، وضمان طرق الإمداد، وربط المناطق بالموانئ والأسواق، وتأمين موارد اقتصادية تساعد على استمرار نفوذها. ولذلك فإن بعض الطرق والسكك والمرافئ التي خدمت التجارة المدنية خدمت في الوقت نفسه حركة الجيش والإدارة.

وهذا هو السبب في أن البنية التحتية في زمن الانتداب تحمل طبيعة مزدوجة. فهي من جهة أسهمت في تحسين بعض وسائل النقل والاتصال والخدمات، ومن جهة أخرى كانت جزءًا من منظومة السيطرة الاستعمارية. ولا يجوز فصل الجانب التقني عن السياق السياسي الذي نشأت فيه هذه المشاريع.

وبعد الاستقلال، استمرت الدولة السورية في استخدام جزء كبير من هذه الشبكات والمنشآت والمؤسسات، كما واصلت توسيعها وتطويرها. وهذا يوضح أن الإرث المادي للانتداب أصبح جزءًا من البنية التحتية للدولة السورية الحديثة، بصرف النظر عن تقييم السياسة التي أنشأته أو طورته.

إن المدن السورية الحديثة لم تولد في سنة واحدة، ولم تكن نتاج قرار إداري واحد. فقد تداخل فيها الإرث العثماني، والنمو السكاني، والهجرة، والتجارة، والسياسات الفرنسية، والمبادرات المحلية، وتطور وسائل النقل، وتغير أنماط الملكية، وظهور الدولة الحديثة. ولهذا فإن دراسة العمران في زمن الانتداب يجب أن تتعامل معه باعتباره عملية تراكمية لا مشروعًا أجنبيًا منفردًا.

ومن المهم كذلك التمييز بين ما هو موثق في الوثائق الرسمية، وما ترويه الذاكرة المحلية، وما يستنتجه الباحث من تطابق المخططات والوقائع. ففي بعض المدن، ولا سيما القامشلي وديريك والحسكة، بقيت روايات محلية كثيرة حول أسماء المهندسين والضباط الذين شاركوا في التخطيط. وهذه الروايات ذات قيمة كبيرة لأنها تحفظ ذاكرة المجتمع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى حقائق قطعية من دون مقارنتها بالسجلات الفرنسية والمخططات الأصلية والوثائق الإدارية.

وبهذا المنهج يمكن أن نصل إلى صورة أكثر توازنًا عن أثر الانتداب الفرنسي في سورية. فلم تكن فرنسا قوة عمرانية بنت البلاد من الصفر، كما لم تكن قوة احتلال لم تترك أي أثر في البنية المادية. لقد عملت داخل بلد يمتلك إرثًا عمرانيًا واقتصاديًا طويلًا، وأعادت تنظيم بعض مؤسساته، وأضافت مشاريع جديدة، وربطت مناطق بشبكات حديثة، وأنشأت أو طورت مراكز إدارية وتجارية، لكنها فعلت ذلك ضمن نظام انتدابي كانت له أهداف سياسية وعسكرية واقتصادية واضحة.

وفي نهاية المطاف، ساهمت هذه التحولات في تشكيل ملامح سورية الحديثة. فقد توسعت المدن، وتطورت الطرق والاتصالات، ونمت المراكز التجارية، وتغيرت أنماط الملكية والزراعة، وظهرت طبقات مهنية وتجارية جديدة، ونشأت مدن ومراكز حضرية حديثة في الجزيرة وغيرها من المناطق. وفي الوقت نفسه بقيت آثار الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، والتفاوت بين المدن والأرياف، وبين كبار الملاك وصغار الفلاحين، وبين المناطق المرتبطة بشبكات النقل والمناطق البعيدة عنها.

وهكذا فإن الاقتصاد والعمران في زمن الانتداب لا يمكن فصلهما عن السياسة. فالطريق كان وسيلة للتجارة ووسيلة لتحريك الجيش، والسكك الحديدية كانت تنقل المحاصيل والجنود معًا، والميناء كان بوابة للتجارة وموقعًا استراتيجيًا، والتسجيل العقاري كان أداة لحماية الملكية وأداة لإعادة تشكيلها، والمدينة الجديدة كانت مركزًا للسكان والتجارة والإدارة وموقعًا للسيطرة في الوقت نفسه.

لقد كان الانتداب الفرنسي، بهذا المعنى، مرحلة انتقالية معقدة في تاريخ سورية الاقتصادي والعمراني. فقد تداخل فيها القديم والجديد، المحلي والأجنبي، المدني والعسكري، الاقتصادي والسياسي. ومن هذا التداخل خرجت أجزاء مهمة من البنية المادية لسورية الحديثة، لكن الدولة السورية المستقلة ورثت أيضًا تفاوتات ومشكلات اقتصادية واجتماعية وإدارية كان عليها أن تواجهها بعد الجلاء.

وإذا كان القسم السابق قد تناول المقاومة السياسية والعسكرية وصولًا إلى الجلاء سنة 1946، فإن هذا القسم يوضح الوجه الآخر للمرحلة نفسها: كيف تغيرت الأرض والمدينة والطريق والسوق والملكية والإنتاج، وكيف ساهمت تلك التحولات في بناء المجتمع والدولة السورية الحديثة، وهي تحولات ستتضح بصورة أكبر عند الانتقال إلى دراسة التعليم والصحة والإدارة والثقافة والصحافة والحياة الاجتماعية وتكوين النخب الحديثة.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:58 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke