Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الأزخيني > ازخ تركيا > زاوية قاموسية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 07:49 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,212
افتراضي «كِلْ قَاتِلْ إلُو مَقْتُولْ»... فلسفة العدالة في المثل الشّعبي الآزخي بقلم: فؤاد زا

«كِلْ قَاتِلْ إلُو مَقْتُولْ»... فلسفة العدالة في المثل الشّعبي الآزخي

بقلم: فؤاد زاديكي

تختزن الأمثال الشعبية خلاصة التجارب الإنسانية، التي راكمتها المجتمعات عبر أجيال مُتعاقبة، فهي ليست مجرّد عبارات موجزة تُقال في المناسبات، وإنّما نصوص ثقافية تعكس رؤية الناس إلى الحياة والإنسان والعدالة والعلاقات الاجتماعية. ومِن بين الأمثال المتداولة في آزخ، يبرز المثل القائل: «كِلْ قاتِل إلُو مَقتول»، أو بصيغته المحلّية: «كِلْ قَاتِل لِهُو مَقتول»، بوصفه واحدًا من أكثر الأمثال عُمقًا من حيث دلالته اللغوية ومضمونه الاجتماعي، إذ يتجاوز الحديث عن جريمة القتل إلى التعبير عن فلسفة شعبية كاملة في فهم المصير الإنساني ونتائج الأفعال.
ولعلّ أوّل ما يُلفت الانتباه في هذا المثل هو بناؤه اللغوي. فهو لا يقول: «كل قاتل يُقتَل»، وهي صيغة تقريرية مباشرةً تفيد أنّ القاتل ستكون نهايته القتل، وإنّما يقول: «كِلْ قاتِل إلُو مَقتول». وهذا الاختيار ليس اعتباطيًّا، بل ينطوي على دلالة دقيقة، فالمثل لا يتحدّث عن فعل يقع على القاتل بقدر ما يتحدّث عن علاقة تنشأ بينه وبين مصيره. وكأنّ لكلِّ قاتلّ شخصًا أو قُوّةً أو قَدَرًا ينتظره ليُعِيدَ التّوازن، الذي اختلّ بفعل الجريمة. وهنا تتحوّل كلمة «المقتول» من مُجرّد ضحيّة إلى رمز للعاقبة، التي لا تنفصل عن الفعل الأوّل، فيغدو القتل بدايةً لمسارٍ لا نهايةَ له، وليس نهاية لحادثةٍ مُنفَرِدة.
نشأ هذا المثل في بيئة اجتماعية كانت تقوم على قوّة العائلة والعشيرة، حيث لم يكنِ الدَّم يُعَدُّ شأنًا فَرديًّا، وإنّما قضية تمسّ الجماعة كلّها. ولذلك لم يكن قتل شخص يعني انتهاء الأمر بموته، بل كان يعني ولادة التزام اجتماعيّ وأخلاقيّ لدى ذويه لاسترداد حقّه. ومن هنا اكتسب المثل معناه الواقعي، فهو لا يُعبّر عن أمنية أو دعاء، بل يصف ما كان يُعتَقَد أنّه قانون اجتماعيّ ثابت، مفاده أنّ القاتل لا يستطيع الإفلات من نتائج فعله، لأنّ الدّم يظلّ يُطالِب بحقّه، سواءً تحقّق ذلك بالقصاص أو بالثأر أو بأيّ صورة أخرَى من صُوَر العدالة، التي يعرفها المجتمع.
ومع مرور الزّمن تجاوز المثل معناه الحرفيّ، فلم يَعُد مقصورًا على جرائم القتل، بل أصبح يُضرَب لكلّ من يظلم أو يعتدي أو يتجبّر على الناس. فالقاتل في الوعي الشعبي قد يكون كلّ من ارتكب ظلمًا جسيمًا، و«المقتول» قد يكون العقوبة التي تلاحقه، أو الهزيمة، التي تنال منه، أو المصيبة، التي تُعيده إلى حجم إنسانيّته بعد أن ظنّ أنّه فوق الحساب. ومن هنا أصبح المثل تعبيرًا عن إيمان راسخ بأنّ الإنسان لا يستطيع أن يفلت من نتائج أفعاله، وأنّ الظّلم يحمل في داخله بذور سقوطه.
ويكشف هذا المثل عن تصوّر أخلاقيّ عميق للكون، يقوم على أنّ الحياة ليست فوضى، بل يحكمها ميزان خفيٌّ يُعِيد التوازن كلّما اختلّ. فالعدالة، في الوجدان الشّعبيّ، قد تتأخّر ولكنّها لا تغيب، وقد تَتَّخِذُ صُوَرًا مختلفة، لكنّها تظلّ حاضرةً باعتبارها ضرورةً لاستمرار الحياة. ولهذا يلتقي المثل في معناه مع الحِكَمِ العربيّة، التي تقول: «كما تَدِين تُدَان» و«الجزاءُ من جِنس العمل»، غير أنّه يمتاز عنها بأنّه يجسّد الجزاء في صورة إنسان أو مصير ملازم للقاتل، وهو ما يمنحه قوّة تصويريّة كبيرة، ويجعله أكثر رسوخًا في الذّاكرة الجمعية.
غير أنّ هذا التصوّر، على ما يحمله من بعد أخلاقيّ، كان يحمل في الوقت نفسه وجهًا اجتماعيًّا آخر. فالإيمان بأنّ لكلّ قاتل مقتولًا قد أسهم أحيانًا في ترسيخ ثقافة الثأر، إذ أصبح كثيرون يرون أنّ العدالة لا تكتمل إلّا إذا تكرّر القتل في الاتجاه المعاكس. وهكذا تحوّلت بعض المجتمعات إلى دوائر مُغلقة من الانتقام المتبادَل، حيث لا ينتهي الدَّمُ بدم واحد، بل يفتح أبوابًا جديدة للعنف، فيصبح المثل وصفًا مأساويًّا لدورة لا تكاد تتوقّف. ومع ذلك، ظلّ الجانب الردعيّ للمثل حاضرًا بقوّة، لأنّه كان يزرع في النفوس قناعةً بأنّ الجريمة ليست فعلًا عابرًا، وإنّما بدايةً لمصير قد يُلاحق صاحبه طوال حياته.
إنّ القيمة الحقيقيّة لهذا المثل لا تكمن في ألفاظه القليلة، بل في كونه وثيقةً ثقافيةً تكشف جانبًا من عقل المجتمع الآزخي وطريقته في فهم العدالة والمسؤولية الإنسانية. فهو يختصر تجربة تاريخيّة طويلة عاشها الناس في بيئة لم تكنْ فيها القوانين المكتوبة وحدها كافية لحماية الحقوق، فابتكروا أمثالًا تحوّلت إلى قوانين أخلاقيّة غير مكتوبة، تتناقلها الأجيال وتستحضرها كلّما واجهت ظُلمًا أو اعتداءً. ولذلك بقيَ «كل قاتل إلو مقتول» حيًّا في الذّاكرة الشّعبية، لا لأنّه يدعو إلى القتل، بل لأنّه يُذَكّر الإنسان بأنّ كلّ فعل يترك أثرًا، وأنّ العدالة، مهما طال غيابُها، تظلّ جزءًا من الضمير الجمعيّ، الذي يرفض أن يضيعَ الحقُّ أو يذهبَ الدَّمُ سُدًى.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:06 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke