Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 12:09 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,208
افتراضي قراءة نقدية في منشور "بين النصرانية والمسيحية" ملاحظات منهجية وتاريخية فؤاد زاديك

قراءة نقدية في منشور "بين النصرانية والمسيحية"

ملاحظات منهجية وتاريخية

فؤاد زاديكي

يُعدّ المنشور المعنون بـ"بين النصرانية والمسيحية" للدكتور جودت إبراهيم، محاولة جادّة لتتبّع التطوّر التاريخيّ لِمُصطَلَحَي "النَّصرانيّة" و"المَسيحيّة"، وقد امتاز بحُسن الترتيب وسلاسة العرض، إلّا أنّ عددًا من القضايا الواردة فيه تَستدعي المراجعة من منظور البحث التاريخي والمنهج الأكاديمي، إذ إنّ بعض الاستنتاجات عُرِضت بوصفها حقائق مُستقرّة، في حين أنّها ما تزال موضع نقاش بين المختصّين في التاريخ واللغات والدراسات الدينيّة.
أُولَى هذه الملاحظات تتعلّق بالقول إنّ أتباع يسوع اختاروا لأنفسهم اسم "المسيحيين". فالنصّ الوارد في سفر أعمال الرسل يقرّر أنّ التلاميذ "دُعُوا مسيحيين أوّلاً في أنطاكية"، لكنّه لا يُحدّد الجهة، التي أطلَقتْ هذه التّسمية. ولهذا يُرَجِّح عدد من الباحثين أنّ الاسم ظهر أوّلاً في البيئة الاجتماعية أو الإدارية في أنطاكية، ثم أصبح الاسم الذي تبنّاه أتباع المسيح فيما بعد. ومن ثم فإنّ نسبة التسمية إلى اختيار ذاتي منذ البداية لا تستند إلى دليل نصّي صريح.
أما أصل لفظ "النّصارى"، فقد عرضه المنشور باعتباره مُشتقًّا من "النّاصريين" أو من مدينة النّاصرة، وهو بالفعل الرأي الأشهر، لكنّه ليس الرأي الوحيد. فالتّراث الإسلامي نفسه يُورد تفسيرًا آخر يربط التسمية بقول القرآن: ﴿من أنصاري إلى الله﴾، كما أنّ الدراسات اللغوية الحديثة ما زالت تناقش العلاقة بين الصِّيغ العربية والسريانية والآرامية لهذا المصطلح. ومِن ثمّ فإنّ المنهج العلمي يَقتضي عرض هذه الآراء بوصفها احتمالات مدعومة بأدلّة متفاوتة، لا باعتبار أحدها حقيقة نهائية.
كما يحتاج القول بأنّ اليهود أطلقوا لقب "النّاصريين" على سبيل التّحقير إلى مزيد من التّوثيق. فالمصادر القديمة تُثبِت استعمال اليهود لهذا اللقب، لكنّها لا تَسمح بالجزم بأنّ جميع استعمالاته كانت ذات دلالة ازدرائية، إذ قد يكون الوصف في كثير من السّياقات مُجرّد نسبة إلى يسوع الناصريّ أو إلى جماعته.
ومن المواضع، التي تَستدعي مَزيدًا من التّحفّظ ما يَتعلّق بالاستشهاد بقول إنجيل متى: "سَيُدعَى ناصريًّا". فهذا النصّ كان موضع نقاش طويل بين الباحثين في تفسير العهد الجديد، لأنّ النبوّة المُشار إليها لا تَرِدُ بهذا اللفظ في أسفار العهد القديم، ممّا أدّى إلى ظهور تَفسيرات مُتعدّدة حول المقصود بها. وعليه، فإنّ تقديم الأمر بوصفه حقيقة تَفسيريّة مُستقرّة لا يعكس طبيعة الجدل العلمي حول النصّ.
أمّا فيما يخصّ استعمال القرآن لمصطلح "النّصارى"، فمن الصّحيح أنّ القرآن لم يستعمل لفظ "المسيحيين"، غير أنّ ذلك لا يكفي للقول إنّ المُصطَلَحَين مُتمايزان بالضّرورة من حيث المَدلول التاريخي. فهناك دراسات مُعاصرة تُناقش ما إذا كان لفظ "النّصارى" في القرآن يُشير إلى جميع المسيحيين، أو إلى الجماعات المسيحيّة الموجودة في البيئة العربيّة زمن الإسلام، وهي مسألة لم يُجمِع الباحثون على حسمها.
ويبرز في المنشور أيضًا خَلط بين الوصف التاريخي والحكم العقدي. فالتّعبير عن المسيحية بأنّها "الديانة المُحَرّفَة" يُمثّل الموقف العُقَدي الإسلامي، وهو جزء من الرؤية الإيمانية للمسلمين، لكنّه لا يُعَدّ وصفًا تاريخيًّا مُحايدًا في الدراسات الأكاديمية. والمنهج العلمي يَقتضي التّمييز بين ما هو معتقد ديني وما هو استنتاج تاريخي قابل للنقاش والبحث.
كما أنّ إرجاع تشكّل العقائد المسيحية إلى مجامع القرون الأربعة الأولى بصيغة تُوحي بأنّها كانت نقطة البداية يحتاج إلى قدر من التّعديل، لأنّ تلك المجامع جاءت تتويجًا لنقاشات لاهوتية سابقة، ولم تُنشئ تلك المعتقدات من فراغ، بل وضعت صيغًا رسميّة لقضايا كانت مَحلّ جَدَل داخل الكنيسة منذ وقت مبكّر.
وفيما يتعلّق بموقف المسيحيين من مصطلح "نَصارى"، فإنّ الواقع أكثر تنوّعًا من الصّورة، التي رسمها المنشور. فبين المسيحيين العرب مَنْ يتحفّظ على التسمية، ومَنْ يَقبلها باعتبارها لفظًا قرآنيًّا أو تاريخيًّا، ومَنْ لا يرى فرقًا جوهريًّا بينها وبين "مسيحي"، وإنْ كان الاستعمال الرسمي في الكنائس والكتابات الأكاديمية يَمِيل بوضوح إلى تفضيل مصطلح "المسيحية" و"المسيحيين".
إنّ القيمة العلمية لأيّ دراسة تاريخية لا تكمن في ترجيح رأي بعينه، بل في قُدرتها على التّمييز بين النّصوص التاريخية، والاجتهادات اللغوية، والمواقف العقدية، مع بيان حدود كلّ منها. ومِنْ هذا المُنطلق، فإنّ المنشور، على الرّغم من قيمته في إثارة الموضوع، يحتاج إلى مراجعة منهجية تجعل القارئ يميّز بين ما هو ثابت تاريخيًّا، وما هو مَحَلّ اجتهاد، وما ينتمي إلى دائرة الإيمان الديني.
ولا شكّ أنّ الحوار العلمي الرّصين حول مثل هذه القضايا يُسهِم في تعميق الفَهم المُتبادل، ويُثري الدراسات المتعلّقة بتاريخ الأديان بعيدًا عن التّعميم أو القطع في المسائل، التي لا يزال البحث الأكاديميّ مفتوحًا بشأنها.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:44 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke