هَلِ يُصْلِحُ الوَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ؟ بَيْنَ حَقٍيقًةٍ الزَّمَنِ وَ فَاعِلِيَّةِ الإنْ
هَلِ يُصْلِحُ الوَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ؟ بَيْنَ حَقٍيقًةٍ الزَّمَنِ وَ فَاعِلِيَّةِ الإنْسَانِ
تُعَدُّ مَقُولَةُ: «الوَقْتُ يُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ» مِنْ أَكْثَرِ الأَقْوَالِ شُيُوعًا عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ، وَيَلْجَأُ إِلَيْهَا الكَثِيرُونَ لِمُوَاسَاةِ مَنْ أَثْقَلَتْهُ الجِرَاحُ أَوْ أَعْيَتْهُ المِحَنُ. غَيْرَ أَنَّ التَّأَمُّلَ العَمِيقَ فِي هَذِهِ المَقُولَةِ يَقُودُنَا إِلَى التَّسَاؤُلِ: هَلِ الوَقْتُ بِذَاتِهِ يَمْلِكُ قُدْرَةَ الإِصْلَاحِ، أَمْ أَنَّ الإِصْلَاحَ ثَمَرَةُ مَا يَصْنَعُهُ الإِنْسَانُ خِلَالَ مَرُورِ الوَقْتِ؟
إِنَّ الوَقْتَ لَيْسَ فَاعِلًا، بَلْ هُوَ وِعَاءٌ تَجْرِي فِيهِ الأَحْدَاثُ، أَمَّا الفَاعِلُ الحَقِيقِيُّ فَهُوَ الإِنْسَانُ بِعَقْلِهِ وَإِرَادَتِهِ وَقَرَارَاتِهِ. فَالجُرْحُ، الَّذِي لَا يُعَالَجُ قَدْ يَزْدَادُ عُمْقًا مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ، وَالعَلَاقَةُ، الَّتِي لَا تُرَمَّمُ بِالصِّدْقِ وَالاِعْتِذَارِ وَالتَّفَاهُمِ قَدْ تَنْهَارُ وَلَوْ مَرَّتْ عَلَيْهَا سِنُونٌ، وَالظُّلْمُ، الَّذِي لَا يُرَدُّ لَا يَمْحُوهُ مُجَرَّدُ تَعَاقُبِ الأَيَّامِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ نِسْبَةَ الإِصْلَاحِ إِلَى الوَقْتِ وَحْدَهُ تُعَدُّ نَوْعًا مِنَ المُبَالَغَةِ، الَّتِي تُخَالِفُ مَنْطِقَ الوَاقِعِ.
وَمَعَ ذَلِكَ، لَا يَنْبَغِي رَفْضُ هَذِهِ المَقُولَةِ رَفْضًا مُطْلَقًا، لِأَنَّ الوَقْتَ يُسَاهِمُ فِي تَخْفِيفِ حِدَّةِ الآلَامِ، وَيُهَدِّئُ الاِنْفِعَالَاتِ، وَيَمْنَحُ الإِنْسَانَ فُرْصَةً لِإِعَادَةِ النَّظَرِ فِي الأُمُورِ بِعَقْلٍ أَكْثَرَ نُضْجًا وَهُدُوءًا. إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّأْثِيرَ لَا يَكُونُ نَتِيجَةَ الزَّمَنِ فِي ذَاتِهِ، بَلْ نَتِيجَةَ مَا يَكْتَسِبُهُ الإِنْسَانُ مِنْ خِبْرَةٍ وَوَعْيٍ وَتَجَارِبَ خِلَالَ مَسِيرَةِ الزَّمَنِ.
هُنَاكَ أُمُورٌ لَا يُمْكِنُ لِلْوَقْتِ أَنْ يُصْلِحَهَا، كَفَقْدِ شَخْصٍ عَزِيزٍ، أَوْ فُرْصَةٍ ضَاعَتْ بِلَا رَجْعَةٍ، أَوْ حَدَثٍ غَيَّرَ مَجْرَى الحَيَاةِ. وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالَاتِ لَا يَكُونُ الحَلُّ فِي الاِسْتِسْلَامِ لِلْوَاقِعِ، بَلْ فِي تَعَلُّمِ كَيْفِيَّةِ التَّعَايُشِ مَعَهُ دُونَ أَنْ يَسْلُبَ الإِنْسَانَ حَقَّهُ فِي الاِسْتِمْرَارِ وَالسَّعْيِ. وَالتَّعَايُشُ لَيْسَ اسْمًا آخَرَ لِلِاسْتِسْلَامِ، بَلْ هُوَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ القُوَّةِ النَّفْسِيَّةِ، الَّتِي تَجْعَلُ الإِنْسَانَ يَحْمِلُ أَلَمَهُ دُونَ أَنْ يَجْعَلَهُ الأَلَمُ أَسِيرًا لَهُ.
إِنَّ أَخْطَرَ مَا قَدْ يَقَعُ فِيهِ الإِنْسَانُ هُوَ أَنْ يَنْتَظِرَ مِنَ الوَقْتِ مَا لَنْ يَفْعَلَهُ، فَيُؤَجِّلَ الحُلُولَ، وَيُهْمِلَ المُبَادَرَةَ، وَيَرْكُنَ إِلَى أَمَلٍ سَلْبِيٍّ لَا يَصْحَبُهُ عَمَلٌ. فَالأَمَلُ الحَقِيقِيُّ لَيْسَ انْتِظَارًا، بَلْ هُوَ قُوَّةٌ دَافِعَةٌ تُحَرِّكُ الإِرَادَةَ، وَتُوَلِّدُ العَزِيمَةَ، وَتَدْفَعُ الإِنْسَانَ إِلَى البَحْثِ عَنْ مَخَارِجَ وَحُلُولٍ مَهْمَا اشْتَدَّتِ الأَزَمَاتُ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي الاِعْتِقَادِ أَنَّ الزَّمَنَ كَفِيلٌ بِإِصْلَاحِ كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا فِي الاِسْتِسْلَامِ لِلْوَاقِعِ، بَلْ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالأَمَلِ وَالعَمَلِ. فَالصَّبْرُ يُثَبِّتُ القَلْبَ، وَالأَمَلُ يُغَذِّي الرُّوحَ، وَالعَمَلُ هُوَ الوَسِيلَةُ، الَّتِي تُحَوِّلُ الأُمْنِيَاتِ إِلَى وَاقِعٍ. وَعِنْدَمَا يَجْتَمِعُ هَذَا الثُّلَاثِيُّ، يُصْبِحُ الإِنْسَانُ أَقْدَرَ عَلَى تَجَاوُزِ المِحَنِ، لَا لِأَنَّ الوَقْتَ أَصْلَحَهَا، بَلْ لِأَنَّهُ أَحْسَنَ اسْتِثْمَارَ الوَقْتِ فِي إِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَوَاقِعِهِ.
إنَّ المَقُولَةَ الأَدَقَّ وَالأَقْرَبَ إِلَى مَنْطِقِ الحَيَاةِ هِيَ: «لَيْسَ الوَقْتُ هُوَ، الَّذِي يُصْلِحُ كُلَّ شَيْءٍ، بَلِ الإِنْسَانُ بِمَا يَفْعَلُهُ خِلَالَ الوَقْتِ، مُسْتَعِينًا بِالأَمَلِ وَالصَّبْرِ وَالعَمَلِ». فَالزَّمَنُ لَا يَصْنَعُ المُعْجِزَاتِ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَحُ الإِنْسَانَ الفُرْصَةَ لِيَصْنَعَهَا بِنَفْسِهِ.
بقلم الباحث فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de
|