في نقد التفكير الثنائي وصناعة الإدراك بين الشرق والغرب الباحث: فؤاد زاديكي ليس من ا
في نقد التفكير الثنائي وصناعة الإدراك بين الشرق والغرب
الباحث: فؤاد زاديكي
ليس من الصّواب النّظر إلى العالم عبر عدسة القطعيات المطلقة، حيث تُختزَل الظواهر الإنسانية المعقّدة في ثنائيات حادّة من قبيل الخير والشرّ، أو التقدّم والانحطاط، أو الأصالة والتغريب. فمثل هذا النّمط من التّفكير لا يعكس الواقع بقدر ما يعكس حاجة نفسية ومَعرِفية إلى تبسيط عالم شديد التعقيد. إنّ المجتمعات، أيًّا كانت جغرافيتها أو ثقافتها، تميل بطبيعتها إلى بناء صور ذهنية عن “الآخر” تُعرّف من خلالها ذاتها، غير أنّ هذه الصُّوَر كثيرًا ما تنزلق إلى التعميم المُخِلّ حين تتحوّل إلى أحكام نهائية لا تقبل المراجعة.
في السّياق العربي المعاصر، يمكن ملاحظة هذا التوتّر بوضوح في العلاقة مع النموذج الغربي. فمن جهة، يُنظر إلى الغرب أحيانًا بوصفه مصدرًا للانحلال الأخلاقي والتفكّك القيمي، ومن جهة أخرى يُستفاد منه عمليًا في مجالات العلم والطبّ والتعليم والتكنولوجيا. هذا التناقض الظاهري ليس حكرًا على مجتمعات بعينها، بل هو نتيجة طبيعية للفصل بين القبول العملي والرّفض القيمي، غير أنّ الإشكال الحقيقي يكمن في تحويل هذا الفصل إلى خطاب مُطلَق لا يعترف بالتعقيد. فبينما يسافر آلاف الطلاب من العالم العربي إلى الجامعات الغربية، ويعتمد المرضى على أنظمتها الصحية المتقدمة، يستمرّ في الخطاب العامّ تعميم صورة نمطية تختزل هذه المجتمعات في صورة أخلاقية سلبية أو إيجابية مُطلقة.
وفي المقابل، لا يخلو الواقع العربي ذاته من تناقضات داخلية تُخفيها أحيانًا قوّة العادات والتقاليد وسلطة الأعراف الاجتماعية، حيث قد توجد أشكال من الانحراف أو الخلل الاجتماعي لكنّها لا تُناقش دائمًا بالوضوح نفسه، الذي تُناقش به الظواهر في مجتمعات أخرى. غير أنّ المُقارنة هنا لا ينبغي أن تُفهم كإدانة لطرف أو تبرئة لآخر، بل كدعوة إلى رؤية أوسع تتجاوز منطق “المثالية المطلقة” أو “التجريم الشامل”.
إنّ هذا الميل إلى الأحكام المُطلقة يجد جذوره في طبيعة الإدراك البشري ذاته، إذ يميل العقل إلى تصنيف العالم في قوالب بسيطة لتسهيل الفهم، كما تغذّيه الخطابات الإعلامية والرمزية التي تفضّل الصّور الحادّة على التحليل المركّب. ومع تكرار هذه الصّور، تتحوّل إلى ما يُشبه البداهات غير القابلة للنقاش، فيُختزل الغرب في كونه نموذجًا واحدًا، كما يُختزل الشرق في صورة مقابلة، بينما الواقع أكثر تداخُلًا وتنوّعًا من أن يُحصر في ثنائية واحدة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى تفكير نقدي يتأسّس على التّفكيك لا التّعميم، وعلى التّحليل لا الحكم المُسبق. فالمعرفة الرصينة لا تقوم على رفض الآخر أو تقديسه، بل على فهمه ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي، مع الاعتراف بأنّ كلّ مجتمع يحمل عناصر قوّة وضعف في آن واحد. إنّ التقدّم العلمي والتكنولوجي في بعض المجتمعات الغربية لا ينفي وجود مشكلات اجتماعية وأخلاقية فيها، كما أنّ التماسك القيمي في بعض المجتمعات العربية لا يلغي وجود تحديات بنيوية تحتاج إلى نقد ومراجعة.
وهكذا، فإنّ تَجاوُز وهم القطعيات لا يعني السّقوط في النّسبية المُطلقة، بل يعني تبنّي معيار أكثر توازنًا في الحكم، يقوم على المقارنة والفهم بدل الإدانة أو التمجيد. فالحقيقة الاجتماعية ليست لونًا واحدًا، بل هيَ طيفٌ واسعٌ من التّداخلات، التي لا تُفهم إلا بعين نقدية واعية، قادرة على رؤية ما وراء الشّعارات والصّور الجاهزة، نحو إدراك أكثر عمقًا وإنصافًا للإنسان ومجتمعاته.
__________________
fouad.hanna@online.de
|