جُذُورُ الصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ فِي شِبْهِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ: مِنْ الْفُسَ
جُذُورُ الصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ فِي شِبْهِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ: مِنْ الْفُسَيْفِسَاءِ التَّعَايُشِيَّةِ إِلَى شُمُولِيَّةِ الدَّوْلَةِ الدِّينِيَّةِ
بِقَلَمِ الْبَاحِثِ وَالْمُؤَرِّخِ: فُؤَاد زَادِيكِي
الْجُزْءُ الْأَوَّلُ
تَفْكِيكُ الْبِنْيَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَتَحَوُّلُ مَنْطِقِ الْقُوَّةِ
كَانَتْ شِبْهُ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ تُمَثِّلُ فُسَيْفِسَاءَ اجْتِمَاعِيَّةً وَثَقَافِيَّةً مُنْتَظِمَةً، حَيْثُ تَعَايَشَتْ الْقَبَائِلُ الْيَهُودِيَّةُ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ مَعَ النَّصَارَى، وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، وَاللَّادِينِيِّينَ. وَرَغْمَ أَنَّ النِّزَاعَاتِ الْقَبَلِيَّةَ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ نَمَطِ الْحَيَاةِ السَّائِدِ — كَمَا تَجَلَّى فِي حُرُوبٍ طَاحِنَةٍ مِثْلَ "الْبَسُوسِ" وَ"دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ" — إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الصِّدَامَاتِ كَانَتْ تَخْضَعُ لِتَوَازُنِ قُوَى قَبَلِيٍّ مَرِنٍ، يَنْتَهِي بِالصُّلْحِ أَوِ الدِّيَةِ دُونَ مُحَاوَلَةِ طَرَفٍ إِقْصَاءَ الْآخَرِ دِينِيًّا أَوْ صَهْرِ هُوِيَّتِهِ بِالْقُوَّةِ.
مَعَ انْتِقَالِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، بَدَأَ التَّأْسِيسُ لِمَشْرُوعِ دَوْلَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ عَقَائِدِيَّةٍ شُمُولِيَّةٍ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَنْظِمَةِ النَّاشِئَةِ لَمْ يَكُنْ يَقْبَلُ التَّعَدُّدِيَّةَ السِّيَاسِيَّةَ الْمُسْتَقِلَّةَ دَاخِلَ حُدُودِهِ. وَفِي حِينِ انْصَهَرَتْ الْقَبَائِلُ الْعَرَبِيَّةُ (الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ) فِي الْكِيَانِ الْجَدِيدِ، تَمَسَّكَتْ الْقَبَائِلُ الْيَهُودِيَّةُ بِهُوِيَّتِهَا الدِّينِيَّةِ وَامْتِيَازَاتِهَا الِاقْتِصَادِيَّةِ وَحُصُونِهَا الْمَنِيعَةِ، مِمَّا جَعَلَ الصِّدَامَ حَتْمِيًّا.
إِنَّ تَحْمِيلَ السَّرْدِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ مَسْؤُولِيَّةَ الصِّدَامِ لِلْيَهُودِ بِذَرِيعَةِ "نَقْضِ الْعَهْدِ" هُوَ نِتَاجُ رِوَايَاتٍ دُوِّنَتْ بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ فِي بَلَاطِ الْخُلَفَاءِ، وَهِيَ تُمَثِّلُ وَجْهَةَ نَظَرِ الطَّرَفِ الْمُنْتَصِرِ غِيَابِيًّا. وَبِمَقَايِيسِ الْأَخْلَاقِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، فَإِنَّ غَزْوَ هَذِهِ الْجَمَاعَاتِ، وَسَبْيَ نِسَائِهَا، وَمُصَادَرَةَ أَمْوَالِهَا يَقَعُ فِي خَانَةِ التَّعَدِّي وَالظُّلْمِ الشَّدِيدِ. لَقَدْ طَبَّقَتْ الدَّوْلَةُ النَّاشِئَةُ قَاعِدَةَ "إِنْ لَمْ تَغْزُ تُغْزَ" السَّائِدَةَ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ، لَكِنَّهَا صَبَغَتْ هَذَا الْعُنْفَ السِّيَاسِيَّ بِصِبْغَةٍ أَيْدِيُولُوجِيَّةٍ دِينِيَّةٍ، حَيْثُ اسْتُخْدِمَتْ نُصُوصُ "شَيْطَنَةِ الْآخَرِ" لِتَبْرِيرِ الْإِقْصَاءِ وَالْإِجْرَامِ بِحَقِّ الْمُخَالِفِينَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|