![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الشوفينية القومية بين الاعتزاز المشروع بالهُوِيّة ومخاطر التطرّف
بقلم: الباحث فؤاد زاديكي تُعدّ ظاهرة الشوفينية القومية من الظواهر، التي رافقت التاريخ الإنساني منذ القِدَم، وإنِ اختلفت أشكالها وتجلّياتها باختلاف الأزمنة والظروف السياسية والاجتماعية. ومِنَ المُهِمّ، ابتداءً، التمييز بين الاعتزاز المشروع بالهُوِيّة القومية وبين الشوفينية القومية، فالاعتزاز بالهُوِيّة هو تعبير طبيعي عن الانتماء إلى اللغة والثقافة والتاريخ والتراث، وهو شعور إيجابي ما دام لا يقوم على إنكار حقوق الآخرين أو الانتقاص من قيمتهم. أمّا الشوفينية القومية فهي انتقال من الاعتزاز المشروع إلى الاعتقاد بتفوّق جماعة قومية على غيرها، وما يرافق ذلك من نزعات الإقصاء أو الازدراء أو السعي إلى الهيمنة. وفي كثير من الأحيان تُطرَح تساؤلات حول الأسباب، التي تدفع بعض أبناء القوميّات إلى تبنّي هذا الخطاب المتطرف، وما إذا كانت لهذه الظاهرة أسباب موضوعية أو مبرّرات واقعية. وإذا كان الحديث يدور عن شعوب ترزح تحت الاحتلال أو تعاني من استعمار أو اضطهاد ممنهج، فإنّ تصاعُد الحس القومي قد يكون مفهومًا بوصفه وسيلةً للدفاع عن الهُوِيّة والوجود والحقوق. غير أنّ الأمر يختلف عندما نتحدّث عن مجتمع لا يعيش حالة احتلال أو استعمار، وتتمتّع مكوناته، بدرجات متفاوتة، بحقوق المواطنة والعيش المشترك. في مثل هذه الحالات، يصعُب اعتبار الشوفينية القومية استجابة موضوعية لتهديد وجودي، بل تبدو في الغالب نتاجًا لتفاعل عوامل سياسية ونفسية واجتماعية وثقافية. فقد تنشأ نتيجة تضخيم الإحساس بالمنافسة على النفوذ أو الموارد، أو بفعل خطاب تعبوي تتبنّاه بعض النُّخب السياسية والثقافية بهدف حشد الأنصار وتعزيز نفوذها. كما قد تنمو في بيئات يسود فيها ضعف الثقافة المدنية، فتتراجع فكرة المواطنة الجامعة لصالح الانتماءات الضيّقة، ويُنظَر إلى بقيّة المكوّنات بوصفها منافسين لا شركاء في الوطن. ومن العوامل التي تُسهِم أيضًا في تغذية هذه النّزعة استحضار المظالم التاريخية بصورة انتقائية، أو المبالغة في تصوير الأخطار، التي تهدّد الهُوِيّة القومية، فضلًا عن الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم الخطابات المتشدّدة، وخلق فضاءات مُغلقة يتبادل فيها الأفراد الأفكار ذاتها، بما يعزّز الاستقطاب ويقلّل فرص الحوار العقلاني. ولا يعني ذلك إنكار حقّ أيّ جماعة قومية في الدفاع عن لغتها وثقافتها وتراثها، أو المطالبة بحقوقها المشروعة، فهذه حقوق كفلتها المبادئ الإنسانية والقوانين الحديثة. غير أنّ الدفاع عن الحقوق يختلف جوهريًّا عن تبنّي خطاب يقوم على التفوّق القومي أو التقليل من شأن الآخرين أو التشكيك في انتمائهم وحقوقهم. فالانتقال من المطالبة بالحقوق إلى ادعاء الأفضلية ليس نتيجة حتمية، بل هو خيار فكري وسياسي له انعكاساته السلبية. ومن الطبيعي أن يترك الخطاب الشوفيني أثرًا مباشرًا في طبيعة العلاقة بين المكونات الاجتماعية المختلفة. فحين يجري تمجيد جماعة قومية بصورة مُفرِطة، أو تصويرها على أنّها أكثر استحقاقًا من غيرها، تتراجع الثقة المتبادلة، وتتّسع مساحة الشكوك والأحكام المسبقة، وتنشأ ردود فعل قومية مُضادّة لدى المكوّنات الأخرى، الأمر الذي يُحَوِّل الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات هُوِيّاتية أكثر تعقيدًا وأشدّ صعوبة في المعالجة. واللافت أنّ الشوفينية لا تضرّ بالمكونات الأخرى فحسب، بل قد تضرّ أيضًا بالجماعة، التي تتبنّاها. فعندما يُصبح التشدّد القومي مِعيارًا للولاء والانتماء، تَضيق مساحة النقد الذاتي، وتتراجع القُدرة على معالجة المشكلات الداخلية بموضوعية، ويجري تحميل "الآخر" مسؤولية الإخفاقات، بدل البحث عن حلول واقعية لها. وهكذا تتحوّل القومية من عامل يوحّد أبناءها حول مشروع حضاري وثقافي إلى أداة لتبرير الأزمات وإدامتها. أمّا من الناحية التاريخية، فإنّ الشوفينية القومية قد حقّقت في بعض المراحل مكاسب سياسية مؤقتة، كالوصول إلى السلطة أو تعبئة الجماهير أو تعزيز التماسك الداخلي لفترة محدودة. غير أنّ التجربة الإنسانية الطويلة تكشف أنّ هذه النجاحات كانت غالبًا آنية، بينما كانت نتائجها بعيدة المدى باهظة الثّمن، إذ أسهمت في إذكاء الصراعات، وتعميق الانقسامات المجتمعية، وتهميش الأقليّات، وإضعاف الاستقرار الداخلي، بل وقادت في حالات عديدة إلى الحروب والعزلة والانهيار. وفي المُقابل، تُثبِت تجارب الدول المستقرة والمتعدّدة القوميات أنّ النجاح الحقيقي لم يتحقّق عبر سياسات التفوّق والإقصاء، وإنّما من خلال الاعتراف بالتعدّدية، وصيانة الحقوق المتساوية، وترسيخ مفهوم المواطنة، بحيث يشعر جميع أفراد المجتمع بأنّهم شركاء في الوطن، مهما اختلفت انتماءاتهم القومية أو الثقافية أو الدينية. إنّ الاعتزاز بالهُوِيّة القومية قيمة إنسانية مشروعة، بل إنّه يُسهِم في الحفاظ على اللغة والثقافة والذاكرة التاريخية، لكنّه يفقد معناه الأخلاقي والسياسي عندما يتحوّل إلى شُوفينيّة تقوم على فكرة التفوّق وإقصاء الآخرين. فالمجتمعات لا تُبنَى على الشعور بالاستعلاء، وإنّما على التوازن بين الاعتزاز بالذات واحترام الآخر، وبين صَون الخصوصية القومية والالتزام بالمواطنة المشتركة. وهذا التوازن هو الذي أثبتت التجربة الإنسانية أنه الأساس الأكثر رُسوخًا لتحقيق الاستقرار والتعايش والتنمية، بينما أثبتت الشوفينية، مهما اختلفت شعاراتها، أنّها قد تمنح أصحابها شعورًا مؤقتًا بالقوة، لكنّها نادرًا ما تنتج مجتمعًا أكثر عدالة أو استقرارًا أو ازدهارًا. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|