التّوزّع السكّاني القومي والدّيني في الدّولة العثمانيّة (١٨٠٠-١٩٢٠) فؤاد زاديكي كثي
التّوزّع السكّاني القومي والدّيني في الدّولة العثمانيّة (١٨٠٠-١٩٢٠)
فؤاد زاديكي
كثيرًا ما يُسْتَشْهَدُ بالعدد السُّكّاني الكبير بوصفه دليلًا على قوّة الجماعة أو عمقها التّاريخي، غير أنّ هذا الاستدلال ليس بالضّرورة صحيحًا. فازديادُ عدد أفراد أيّ شعب قد يكون نتيجة عوامل ديموغرافيّة واجتماعية معاصرة، مثل ارتفاع معدّلات الإنجاب عبر أجيال متعاقبة، ولا يدلّ في حدّ ذاته على قِدم الوُجود التاريخي أو أصالة الانتماء إلى منطقة معيّنة.
ومن هنا فإنّ الاحتجاج بالكثرة العدديّة لإثبات الحقوق التّاريخيّة أو الجذور الحضاريّة يبقى حجّة ضعيفة، لأنّ التّاريخ يُثبَتُ بالوثائق والآثار واللغات والمَصادر المَوثوقة، لا بعدد السّكّان في الزّمن الحاضر. فهناك شعوبٌ قديمةٌ جدًّا لم يزدْ عددها كثيرًا، كما تُوجد جماعات ازداد حجمها السُّكّاني بسرعة خلال قرون قليلة لأسباب اجتماعيّة واقتصاديّة مُختلفة.
كما أنّ التّركيز المُفرط على زيادة النّسل بوصفها غايةً في ذاتها قد يُثير تساؤلات حول العلاقة بين الكمّ والنّوع، إذ إنّ قوّة المجتمع لا تُقاس بعدد أفراده فقط، بل بِمستوَى تَعليمهم وتَأهيلهم وإسهامهم في التّنمية والثّقافة والاقتصاد. ولذلك فإنّ بناءَ الإنسانِ وتَطويرَ قُدراتِه يظلّ أكثرَ أهميّة من مُجرّد السّعي إلى تَضخيمِ الأعداد.
وعليه، فإنّ أيّ نقاشٍ حول مَكانة شعبٍ أو جماعةٍ ينبغي أنْ يَستندَ إلى المَعايير التّاريخيّة والعِلميّة الموضوعيّة، لا إلى المُقارنات العَدديّة وحدها، لأنّ الكَثرَة السُّكّانية قد تكون حقيقةً دِيموغرافيّةً، لكنّها ليستْ بُرهانًا تاريخيًّا بِحدّ ذَاتها.
__________________
fouad.hanna@online.de
|