![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ مِنَ التَّعَدُّدِ الدِّينِيِّ إِلَى الأُحَادِيَّةِ العَقَدِيَّةِ
بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي لَمْ تَكُنِ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ قُبَيْلَ ظُهُورِ الإِسْلَامِ أَرْضًا لِدِينٍ وَاحِدٍ أَوْ هُوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ كَانَتْ فَضَاءً وَاسِعًا لِتَعَدُّدٍ دِينِيٍّ وَثَقَافِيٍّ غَنِيٍّ، تَعَايَشَتْ فِيهِ مُعْتَقَدَاتٌ وَأَدْيَانٌ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى مَدَى قُرُونٍ طَوِيلَةٍ. فَإِلَى جَانِبِ العِبَادَاتِ العَرَبِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالأَصْنَامِ المُنْتَشِرَةِ فِي أَرْجَاءِ كَثِيرَةٍ مِنَ الجَزِيرَةِ، وُجِدَتْ جَمَاعَاتٌ يَهُودِيَّةٌ وَمَسِيحِيَّةٌ أَصْبَحَتْ جُزْءًا أَصِيلًا مِنَ النَّسِيجِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالِاقْتِصَادِيِّ وَالثَّقَافِيِّ لِلْمِنْطَقَةِ. فِي الحِجَازِ اسْتَقَرَّتْ جَمَاعَاتٌ يَهُودِيَّةٌ مُنْذُ أَزْمِنَةٍ سَابِقَةٍ، وَأَقَامَتْ فِي يَثْرِبَ وَخَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الوَاحَاتِ، وَعُرِفَ مِنْهَا بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهَا دَوْرٌ مُهِمٌّ فِي الزِّرَاعَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ. أَمَّا المَسِيحِيَّةُ فَقَدِ انْتَشَرَتْ بَيْنَ قَبَائِلَ عَرَبِيَّةٍ عِدَّةٍ فِي الشَّمَالِ وَالجَنُوبِ وَالشَّرْقِ، وَازْدَهَرَتْ مَرَاكِزُهَا فِي نَجْرَانَ وَفِي مَنَاطِقَ مِنَ الخَلِيجِ العَرَبِيِّ، وَاعْتَنَقَتْهَا قَبَائِلُ مَعْرُوفَةٌ سَنَأْتِي عَلَى ذِكْرِهَا وَأَمَاكِنِ تَوَاجُدِهَا: قَبْلَ الإِسْلَامِ، شَهِدَتْ شِبْهُ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ انْتِشَارًا وَاسِعًا لِلدِّيَانَةِ المَسِيحِيَّةِ، وَلَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى مِنْطَقَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلِ امْتَدَّتْ مِنَ الشَّمَالِ المُتَاخِمِ لِلشَّامِ وَالعِرَاقِ إِلَى الشَّرْقِ (إِقْلِيمِ البَحْرَيْنِ التَّارِيخِيِّ) وَالجَنُوبِ (نَجْرَانَ وَاليَمَنِ). وَتَنَوَّعَتْ هَذِهِ القَبَائِلُ فِي أُصُولِهَا العِرْقِيَّةِ وَمَوَاطِنِهَا. هُنَا اسْتِعْرَاضٌ لِأَبْرَزِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ الَّتِي اعْتَنَقَتِ المَسِيحِيَّةَ أَوْ كَانَ فِيهَا تَوَاجُدٌ مَسِيحِيٌّ كَبِيرٌ قَبْلَ الإِسْلَامِ: ١. قَبَائِلُ الشَّمَالِ وَالأَطْرَافِ (مَشَارِفُ الشَّامِ وَالعِرَاقِ) كَانَتْ هَذِهِ القَبَائِلُ الأَكْثَرَ تَأَثُّرًا بِالدَّوْلَتَيْنِ البِيزَنْطِيَّةِ وَالسَّاسَانِيَّةِ (المَنَاذِرَةِ وَالغَسَاسِنَةِ)، وَلَعِبَتْ دَوْرًا سِيَاسِيًّا وَعَسْكَرِيًّا كَبِيرًا: • الغَسَاسِنَةُ (بَنُو جَفْنَةَ): مِنْ أَشْهَرِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ المَسِيحِيَّةِ، اسْتَوْطَنُوا مَشَارِفَ الشَّامِ وَأَسَّسُوا دَوْلَةً حَلِيفَةً لِلإِمْبِرَاطُورِيَّةِ البِيزَنْطِيَّةِ، وَكَانُوا عَلَى المَذْهَبِ اليَعْقُوبِيِّ (المُونُوفِيزِيِّ/الطَّبِيعَةِ الوَاحِدَةِ). • المَنَاذِرَةُ (لَخْمٌ): أَسَّسُوا مَمْلَكَةَ الحِيرَةِ فِي العِرَاقِ وَكَانُوا حُلَفَاءَ لِلْفُرْسِ السَّاسَانِيِّينَ. وَرَغْمَ أَنَّ مُلُوكَهُمُ الأَوَائِلَ كَانُوا وَثَنِيِّينَ، إِلَّا أَنَّ المَسِيحِيَّةَ (عَلَى المَذْهَبِ النَّسْطُورِيِّ) انْتَشَرَتْ بِقُوَّةٍ بَيْنَ سُكَّانِ الحِيرَةِ (العِبَادِ)، وَاعْتَنَقَ مَلِكُهُمُ النُّعْمَانُ بْنُ المُنْذِرِ المَسِيحِيَّةَ فِي أَوَاخِرِ عَهْدِهِ. • قُضَاعَةُ: وَهِيَ اتِّحَادٌ قَبَلِيٌّ كَبِيرٌ انْتَشَرَ فِي شَمَالِ وَغَرْبِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَضَمَّتْ قَبَائِلَ مَسِيحِيَّةً بَارِزَةً مِثْلَ: - بَنِي تَنُوخٍ: مِنْ أَقْدَمِ القَبَائِلِ الَّتِي تَنَصَّرَتْ فِي شَمَالِ الجَزِيرَةِ وَالعِرَاقِ. - بَلِيٍّ وَعُذْرَةَ وَبَهْرَاءَ: انْتَشَرَتِ المَسِيحِيَّةُ بَيْنَ بُطُونِهِمْ فِي شَمَالِ الحِجَازِ وَمَشَارِفِ الشَّامِ. • إِيَادٌ: قَبِيلَةٌ عَدْنَانِيَّةٌ انْتَشَرَتْ فِي أَطْرَافِ العِرَاقِ وَالجَزِيرَةِ الفُرَاتِيَّةِ، وَكَانَ مُعْظَمُهُمْ عَلَى المَسِيحِيَّةِ. ٢. قَبَائِلُ وَسَطِ وَشَمَالِ شَرْقِ الجَزِيرَةِ (نَجْدٌ وَاليَمَامَةُ وَالبَحْرَيْنُ) رَغْمَ البُعْدِ الجُغْرَافِيِّ عَنِ الإِمْبِرَاطُورِيَّاتِ الكُبْرَى، إِلَّا أَنَّ الإِرْسَالِيَّاتِ الرَّهْبَانِيَّةَ وَالتِّجَارَةَ نَقَلَتَا المَسِيحِيَّةَ إِلَى قَلْبِ الجَزِيرَةِ: • تَغْلِبُ بْنُ وَائِلٍ: مِنْ أَشْهَرِ القَبَائِلِ الرَّبِيعِيَّةِ العَدْنَانِيَّةِ الَّتِي اعْتَنَقَتِ المَسِيحِيَّةَ وَظَلَّتْ مُتَمَسِّكَةً بِهَا لِزَمَنٍ طَوِيلٍ حَتَّى بَعْدَ ظُهُورِ الإِسْلَامِ. وَكَانَتْ دِيَارُهُمْ تَمْتَدُّ مِنْ نَجْدٍ إِلَى أَطْرَافِ الجَزِيرَةِ الفُرَاتِيَّةِ. • بَنُو حَنِيفَةَ: اسْتَوْطَنُوا إِقْلِيمَ اليَمَامَةِ (وَسَطَ نَجْدٍ)، وَكَانَ فِيهِمْ تَنَصُّرٌ كَبِيرٌ، وَمِنْ أَشْهَرِ مَسِيحِيِّيهِمْ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ (قَبْلَ إِسْلَامِهِ) وَجَارِيَةُ بْنُ مُرٍّ. • بَنُو عَبْدِ القَيْسِ: اسْتَوْطَنُوا إِقْلِيمَ البَحْرَيْنِ التَّارِيخِيَّ (شَرْقَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ المُمتَدَّ مِنَ البَصْرَةِ إِلَى عُمَانَ)، وَاعْتَنَقَ قِطَاعٌ وَاسِعٌ مِنْهُمُ المَسِيحِيَّةَ النَّسْطُورِيَّةَ، وَكَانَ مِنْهُمُ الشَّاعِرُ الشَّهِيرُ المُثَقَّبُ العَبْدِيُّ. ٣. قَبَائِلُ الجَنُوبِ (نَجْرَانُ وَاليَمَنُ) شَكَّلَتْ نَجْرَانُ المَعْقِلَ الأَبْرَزَ لِلْمَسِيحِيَّةِ فِي جَنُوبِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، وَكَانَتْ مَرْكَزًا ثَقَافِيًّا وَدِينِيًّا هَامًّا: • بَنُو الحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ (بَلْحَارِثِ): القَبِيلَةُ الحَاكِمَةُ وَالمُسْتَوْطِنَةُ فِي نَجْرَانَ. تَحَوَّلَتْ نَجْرَانُ عَلَى أَيْدِيهِمْ إِلَى كَعْبَةٍ لِلْمَسِيحِيَّةِ فِي الجَنُوبِ بَعْدَ قِصَّةِ «أَصْحَابِ الأُخْدُودِ» الشَّهِيرَةِ وَتَأْثِيرِ المُبَشِّرِ «فَيْمِيُونَ». وَكَانَ لَهُمْ كَعْبَةٌ مَشْهُورَةٌ تُعْرَفُ بِـ«كَعْبَةِ نَجْرَانَ» أَوْ «دَيْرِ نَجْرَانَ»، تُدَارُ مِنْهَا الشُّؤُونُ الدِّينِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ، وَكَانَ وَفْدُ نَجْرَانَ الَّذِي زَارَ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا فِي المَدِينَةِ يَنْتَمِي إِلَى هَذِهِ القَبِيلَةِ. • كِنْدَةُ: رَغْمَ أَنَّ أُصُولَهُمْ مِنْ وَسَطِ وَجَنُوبِ الجَزِيرَةِ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَ بُطُونِهِمُ المُتَاخِمَةَ لِلْعِرَاقِ وَالشَّامِ تَنَصَّرَتْ، وَكَانَ لِلْمَسِيحِيَّةِ وُجُودٌ بَيْنَ أَفْرَادٍ مِنْ بَيْتِ مُلُوكِهِمْ (مِثْلَ عَائِلَةِ الشَّاعِرِ امْرِئِ القَيْسِ). • حِمْيَرُ: فِي اليَمَنِ، اعْتَنَقَ بَعْضُ مُلُوكِ وَبُطُونِ حِمْيَرَ المَسِيحِيَّةَ، خَاصَّةً خِلَالَ فَتَرَاتِ النُّفُوذِ الحَبَشِيِّ وَالبِيزَنْطِيِّ فِي الجَنُوبِ، وَرَغْمَ الصِّرَاعِ الدِّينِيِّ الشَّهِيرِ مَعَ اليَهُودِيَّةِ هُنَاكَ، إِلَّا أَنَّ الوُجُودَ المَسِيحِيَّ ظَلَّ قَائِمًا حَتَّى ظُهُورِ الإِسْلَامِ. خُلَاصَةٌ وَثَائِقِيَّةٌ: المَسِيحِيَّةُ العَرَبِيَّةُ قَبْلَ الإِسْلَامِ لَمْ تَكُنْ مُتَجَانِسَةً مَذْهَبِيًّا، فَقَدِ انْقَسَمَتْ قَبَائِلُ الشَّمَالِ وَالشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ عُمُومًا بَيْنَ النَّسْطُورِيَّةِ (السَّائِدَةِ فِي الحِيرَةِ وَالشَّرْقِ بِتَأْثِيرٍ سَاسَانِيٍّ) وَاليَعْقُوبِيَّةِ (الأُرثُوذُكسِيَّة) (السَّائِدَةِ فِي الشَّامِ وَنَجْرَانَ بِتَأْثِيرٍ بِيْزَنْطِيٍّ وَحَبَشِيٍّ). وَهَكَذَا بَدَتِ الجَزِيرَةُ قُبَيْلَ الإِسْلَامِ أَقْرَبَ إِلَى فُسَيْفِسَاءَ دِينِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ مِنْهَا إِلَى كِيَانٍ ذِي هُوِيَّةٍ عَقَدِيَّةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ ظَهَرَ الإِسْلَامُ فِي القَرْنِ السَّابِعِ المِيلَادِيِّ حَامِلًا مَشْرُوعًا دِينِيًّا وَسِيَاسِيًّا جَدِيدًا سَعَى إِلَى تَوْحِيدِ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ تَحْتَ سُلْطَةٍ وَاحِدَةٍ وَعَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي سِيَاقِ هَذَا التَّحَوُّلِ وَقَعَتْ غَزَوَاتٌ وَسَرَايَا وَمَعَارِكُ عِدَّةٌ تَرِدُ فِي المَصَادِرِ الإِسْلَامِيَّةِ ذَاتِهَا، وَكَانَتْ أَدَاةً مِنْ أَدَوَاتِ بِنَاءِ النِّظَامِ الجَدِيدِ وَفَرْضِ سُلْطَتِهِ عَلَى القَبَائِلِ وَالمُجْتَمَعَاتِ المُخْتَلِفَةِ. وَمَعَ أَنَّ النُّصُوصَ القُرْآنِيَّةَ تَحْتَوِي عَلَى عِبَارَاتٍ مِثْلَ: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وَ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، فَإِنَّ التُّرَاثَ الإِسْلَامِيَّ نَفْسَهُ يَحْفَظُ أَيْضًا نُصُوصًا أُخْرَى تَتَحَدَّثُ عَنْ عُقُوبَةِ الرِّدَّةِ، وَأَشْهَرُهَا الحَدِيثُ المَنْسُوبُ إِلَى النَّبِيِّ: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ»، وَهُوَ مَا جَعَلَ مَسْأَلَةَ حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ وَحُرِّيَّةِ تَرْكِ الإِسْلَامِ مَوْضِعَ جَدَلٍ مُسْتَمِرٍّ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. وَعِنْدَمَا تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ، وَجَدَتْ قَبَائِلُ عِدَّةٌ فِي ذَلِكَ فُرْصَةً لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الرَّابِطَةِ الدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا بِالمَدِينَةِ، فَرَفَضَتْ سُلْطَةَ الدَّوْلَةِ النَّاشِئَةِ أَوْ تَرَكَتِ الإِسْلَامَ أَوِ امْتَنَعَتْ عَنْ أَدَاءِ الزَّكَاةِ. وَهُنَا انْدَلَعَتْ مَا عُرِفَ فِي التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ بِحُرُوبِ الرِّدَّةِ، وَهِيَ تَسْمِيَةٌ تَعْكِسُ وَجْهَةَ نَظَرِ السُّلْطَةِ المُنْتَصِرَةِ الَّتِي رَأَتْ فِي تِلْكَ القَبَائِلِ مُرْتَدَّةً عَنِ الإِسْلَامِ. وَسَوَاءٌ نُظِرَ إِلَيْهَا كَحُرُوبٍ دِينِيَّةٍ أَوْ كَحُرُوبِ تَوْحِيدٍ سِيَاسِيٍّ، فَإِنَّهَا أَدَّتْ إِلَى إِعَادَةِ إِخْضَاعِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ بِقُوَّةِ السَّيْفِ لِلدَّوْلَةِ المَرْكَزِيَّةِ الجَدِيدَةِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يَرِدُ اسْمُ خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وَغَيْرِهِ مِنَ القَادَةِ العَسْكَرِيِّينَ الَّذِينَ اضْطَلَعُوا بِدَوْرٍ حَاسِمٍ فِي إِخْمَادِ المُقَاوَمَةِ وَفَرْضِ السُّلْطَةِ الجَدِيدَةِ. وَتَحْفَظُ كُتُبُ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ وَالأَخْبَارِ رِوَايَاتٍ كَثِيرَةً عَنْ مَعَارِكِ دَمَوِيَّةٍ وَعَمَلِيَّاتِ قَتْلٍ وَأَسْرٍ وَتَهْجِيرٍ رَافَقَتْ تِلْكَ المَرْحَلَةَ المُضْطَرِبَةَ مِنْ تَارِيخِ الجَزِيرَةِ. وَمَعَ تَرَسُّخِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ تَدْرِيجِيًّا، تَقَلَّصَ الوُجُودُ اليَهُودِيُّ وَالمَسِيحِيُّ فِي الحِجَازِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَنَاطِقِ الجَزِيرَةِ، وَانْتَقَلَتْ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ إِلَى بِلَادِ الشَّامِ وَالعِرَاقِ وَمَنَاطِقَ أُخْرَى، فِي حِينِ انْدَمَجَ بَعْضُهُمْ فِي المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ الجَدِيدِ. وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ التَّفْسِيرِ الَّذِي يُقَدِّمُهُ كُلُّ طَرَفٍ لِهَذِهِ التَّحَوُّلَاتِ، فَإِنَّ النَّتِيجَةَ التَّارِيخِيَّةَ الوَاضِحَةَ هِيَ أَنَّ الجَزِيرَةَ العَرَبِيَّةَ انْتَقَلَتْ خِلَالَ قُرُونٍ قَلِيلَةٍ مِنْ وَاقِعٍ يَتَّسِمُ بِالتَّعَدُّدِ الدِّينِيِّ إِلَى وَاقِعٍ ذِي أَغْلَبِيَّةٍ إِسْلَامِيَّةٍ كَاسِحَةٍ، بَلْ وَإِلَى فَضَاءٍ أُحَادِيِّ الهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِي مُعْظَمِ أَرْجَائِهِ. وَمِنْ هُنَا يَبْقَى السُّؤَالُ التَّارِيخِيُّ مَطْرُوحًا: هَلْ كَانَ هَذَا التَّحَوُّلُ ثَمَرَةَ اقْتِنَاعٍ دِينِيٍّ حُرٍّ، أَمْ نَتِيجَةَ تَدَاخُلِ العَقِيدَةِ بِالسُّلْطَةِ وَالسَّيْفِ وَالمَصْلَحَةِ السِّيَاسِيَّةِ؟ إِنَّهُ سُؤَالٌ مَا زَالَ يَشْغَلُ المُؤَرِّخِينَ وَالبَاحِثِينَ إِلَى اليَوْمِ، وَيَظَلُّ فَهْمُهُ رَهْنًا بِقِرَاءَةٍ نَقْدِيَّةٍ لِلتَّارِيخِ بَعِيدًا عَنِ التَّقْدِيسِ مِنْ جِهَةٍ وَعَنِ التَّشْوِيهِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|