المُوسِيقَى لُغَةُ الرُّوحِ وَنَبْضُ الحَيَاةِ بقلم: فؤاد زاديكي لَمْ تَكُنِ المُوس
المُوسِيقَى لُغَةُ الرُّوحِ وَنَبْضُ الحَيَاةِ
بقلم: فؤاد زاديكي
لَمْ تَكُنِ المُوسِيقَى يَوْمًا مُجَرَّدَ أَلْحَانٍ تَعْبُرُ الآذَانَ، بَلْ هِيَ لُغَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ خَالِدَةٌ تَخْتَرِقُ أَعْمَاقَ الرُّوحِ وَتُحَرِّكُ مَكَامِنَ الشُّعُورِ فِي الإِنْسَانِ. فَبِهَا تَنْتَعِشُ النُّفُوسُ، وَتَسْكُنُ الهَوَاجِسُ، وَتَنْفَتِحُ النَّوَافِذُ عَلَى عَوَالِمَ مِنَ الجَمَالِ وَالإِبْدَاعِ. وَمَهْمَا اخْتَلَفَتِ اللُّغَاتُ وَالثَّقَافَاتُ، تَبْقَى المُوسِيقَى قَادِرَةً عَلَى تَوْحِيدِ المَشَاعِرِ وَبِنَاءِ جُسُورِ التَّوَاصُلِ بَيْنَ البَشَرِ.
وَلَقَدْ أَدْرَكَتِ الحَضَارَاتُ المُتَعَاقِبَةُ قِيمَةَ المُوسِيقَى فَجَعَلَتْهَا جُزْءًا مِنْ هُوِيَّتِهَا الثَّقَافِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ. فَهِيَ لَيْسَتْ وَسِيلَةً لِلتَّرْفِيهِ فَحَسْبُ، بَلْ أَدَاةٌ لِتَهْذِيبِ الذَّوْقِ وَتَرْقِيَةِ الوِجْدَانِ وَتَعْمِيقِ الإِحْسَاسِ بِالجَمَالِ. وَمِنْ خِلَالِهَا يَتَعَلَّمُ الإِنْسَانُ الإِنْصَاتَ وَالتَّنَاغُمَ وَتَقَدِيرَ الإِبْدَاعِ، وَهِيَ قِيَمٌ تُسْهِمُ فِي بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ أَكْثَرَ رُقِيًّا وَتَوَازُنًا.
وَعِنْدَمَا تَعُمُّ الأَلْحَانُ أَرْجَاءَ المَكَانِ، يَشْعُرُ المَرْءُ بِأَنَّ العَالَمَ أَصْبَحَ أَكْثَرَ اتِّسَاعًا وَرَحَابَةً. فَالمُوسِيقَى تُخَفِّفُ مِنْ وَطْأَةِ التَّعَبِ، وَتُضَمِّدُ جِرَاحَ النَّفْسِ، وَتُضْفِي عَلَى الحَيَاةِ مَسْحَةً مِنَ الأَمَلِ وَالتَّفَاؤُلِ. وَكَثِيرًا مَا كَانَتْ رَفِيقَةَ الإِنْسَانِ فِي أَفْرَاحِهِ وَأَحْزَانِهِ، تُشَارِكُهُ لَحَظَاتِ البَهْجَةِ وَتُؤَانِسُهُ فِي أَوْقَاتِ الوَحْدَةِ وَالتَّأَمُّلِ.
إِنَّ الشُّعُوبَ، الَّتِي تَحْتَرِمُ الفُنُونَ وَتَرْعَى الإِبْدَاعَ هِيَ شُعُوبٌ تُؤْمِنُ بِقِيمَةِ الإِنْسَانِ وَحَقِّهِ فِي الجَمَالِ. فَالفَنُّ عُمُومًا، وَالمُوسِيقَى خُصُوصًا، يُشَكِّلَانِ مِرْآةً لِرُقِيِّ الأُمَمِ وَمِقْيَاسًا لِمَدَى انْفِتَاحِهَا عَلَى الحَيَاةِ وَقُدْرَتِهَا عَلَى الإِنْتَاجِ الثَّقَافِيِّ وَالحَضَارِيِّ. أَمَّا الدَّعَوَاتُ، الَّتِي تَسْعَى إِلَى مُحَارَبَةِ الفُنُونِ وَتَجْرِيمِ الجَمَالِ، فَإِنَّهَا تُفْضِي إِلَى تَضْيِيقِ آفَاقِ الإِنْسَانِ وَحِرْمَانِهِ مِنْ أَحَدِ أَنْبَلِ مَصَادِرِ الإِلْهَامِ وَالإِبْدَاعِ.
وَأَنَا أَرَى فِي المُوسِيقَى فَضَاءً رُوحِيًّا رَحْبًا، أُحَلِّقُ فِيهِ بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ الوَاقِعِ وَضَغُوطِ الحَيَاةِ. فَهِيَ تُطْلِقُ العِنَانَ لِلخَيَالِ، وَتَمْنَحُ الرُّوحَ قُدْرَةً عَلَى التَّجَدُّدِ، وَتُغْرِقُ القَلْبَ فِي أَنْهَارٍ مِنَ السَّكِينَةِ وَالطَّرَبِ. وَمَهْمَا تَعَاقَبَتِ الأَزْمِنَةُ وَتَبَدَّلَتِ الظُّرُوفُ، سَتَبْقَى المُوسِيقَى صَوْتًا لِلجَمَالِ، وَرِسَالَةً لِلمَحَبَّةِ، وَنَبْضًا خَالِدًا فِي وِجْدَانِ الإِنْسَانِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|