![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مَعْنَى تَعْبِيرِ «يَصْطَفِل» وَدَلالَاتُهُ فِي اللَّهْجَاتِ الشَّامِيَّةِ
بِقَلَمِ فُؤَاد زَادِيكي يُعَدُّ تَعْبِيرُ "يَصْطَفِل" و " تِصْطِفِلْ" مِنَ التَّعابِيرِ الشَّفَوِيَّةِ الحَيَّةِ، الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِي بَعْضِ اللَّهْجَاتِ الشَّامِيَّةِ وَالآزَخِيَّةِ وَالْفُرَاتِيَّةِ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ ذُو حُمُولَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ وَدَلَالِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةٍ، يَدُورُ فِي جَوْهَرِهِ حَوْلَ مَعْنَى التَّرْكِ وَالتَّفْوِيضِ وَعَدَمِ الِاكْتِرَاثِ بَعْدَ مَرْحَلَةٍ مِنَ النِّقَاشِ أَوِ الْيَأْسِ مِنَ التَّأْثِيرِ. يُرَى فِي بَعْضِ التَّحْلِيلَاتِ اللُّغَوِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ مُشْتَقَّةٌ، عَلَى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ، مِنَ الْفِعْلِ «اصْطَفَى» وَمِنَ الجَذْرِ «ص ف و»، الَّذِي يَدُلُّ فِي اللُّغَةِ الْفُصْحَى عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالاجْتِبَاءِ وَالتَّنْقِيَةِ. وَقَدْ يَكُونُ التَّحَوُّلُ فِي الصِّيغَةِ قَدْ جَرَى بِسَبَبِ التَّطَوُّرِ الصَّوْتِيِّ وَالتَّبَسُّطِ الشَّفَوِيِّ فِي اللُّغَةِ الْمَحْكِيَّةِ، حَيْثُ تَتَغَيَّرُ بَعْضُ الْأَبْنِيَةِ لِتُصْبِحَ أَكْثَرَ سُهُولَةً فِي الِاسْتِعْمَالِ الْيَوْمِيِّ. وَمِنْ هُنَا، يَتَحَوَّلُ الْمَعْنَى مِنْ دَلالَةِ «الِاصْطِفَاءِ» فِي الفُصْحَى إِلَى دَلالَةٍ عَامِّيَّةٍ تَدُورُ حَوْلَ التَّرْكِ وَالتَّفْوِيضِ، حَتَّى يُقَالَ: «كُلُّ مَنْ يَصْطَفِلْ بِحَالِهِ»، أَيْ يَتْرُكُ كُلُّ شَخْصٍ يَخْتَارُ طَرِيقَهُ وَيَتَحَمَّلُ نَتَائِجَهُ. وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ يَعْكِسُ بُعْدًا اجْتِمَاعِيًّا يُشِيرُ إِلَى مَرْحَلَةِ الِاسْتِسْلَامِ أَوِ التَّخَلِّي عَنِ التَّدَخُّلِ بَعْدَ نَفَادِ الصَّبْرِ أَوِ الحِوَارِ. وَإِذَا اقْتَرَنَ التَّعْبِيرُ بِذِكْرِ الجَلَالَةِ، كَأَنْ يُقَالَ: «اللَّهُ يَصْطَفِلْ فِيكَ»، فَإِنَّ دَلالَتَهُ تَنْتَقِلُ إِلَى مَعْنًى أَقْرَبَ إِلَى التَّفْوِيضِ الإِلَهِيِّ، أَيْ تَرْكُ الأَمْرِ لِحُكْمِ اللَّهِ بَعْدَ الْعَجْزِ عَنِ التَّأْثِيرِ أَوِ الإِصْلَاحِ، وَقَدْ يَحْمِلُ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ نُبْرَةَ عِتَابٍ أَوْ زَجْرٍ خَفِيٍّ. وَتَتَعَدَّدُ اسْتِعْمَالَاتُ هَذَا التَّعْبِيرِ فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ، فَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي سِيَاقٍ عَادِيٍّ بِلَا شِدَّةٍ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ التَّخَلِّي عَنِ التَّدَخُّلِ، وَقَدْ يَرِدُ فِي سِيَاقٍ حَادٍّ يُشِيرُ إِلَى غَضَبٍ مَكْبُوتٍ أَوْ يَأْسٍ مِنْ تَغْيِيرِ رَأْيِ الطَّرَفِ الآخَرِ. وَفِي سِيَاقٍ آخَرَ ذِي طَابِعٍ أَشَدَّ وَأَكْثَرَ مَرَارَةً، يُسْتَعْمَلُ التَّعْبِيرُ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الِاسْتِنْكَارِ وَعَدَمِ الرِّضَا بَعْدَ نَصِيحَةٍ لَمْ تُؤْخَذْ بَعْيْنِ الِاعْتِبَارِ، حَيْثُ يَقُولُ الْمُتَكَلِّمُ بِصِيغَةٍ تَحْمِلُ مَعْنَى الِازْدِرَاءِ وَالتَّعَجُّبِ: «نَصَحْتُكَ وَلَمْ تَعْمَلْ بِنَصِيحَتِي، فَافْعَلْ مَا تَشَاءُ، وَلَكِنَّكَ أَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ نَتِيجَةِ مَا سَيَحْدُثُ». وَهُنَا يَظْهَرُ التَّعْبِيرُ كَشَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ رَفْعِ الْيَدِ مِنَ الْمَسْؤُولِيَّةِ، مَعَ تَوْجِيهِ لَوْمٍ غَيْرِ مُبَاشِرٍ يَحْمِلُ شُعُورًا بِالْمَرَارَةِ وَالِاسْتِغْرَابِ مِنْ عَدَمِ الِاسْتِجَابَةِ. وَبِهَذَا يَغْدُو «يَصْطَفِل» تَعْبِيرًا مُرَكَّبًا يَتَرَدَّدُ بَيْنَ التَّفْوِيضِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالِانْفِصَالِ النَّفْسِيِّ عَنِ الْمَوْقِفِ، وَيُجَسِّدُ فِي آنٍ وَاحِدٍ حَرَكَةَ اللُّغَةِ الشَّعْبِيَّةِ وَقُدْرَتَهَا عَلَى تَحْمِيلِ الْمَعَانِي الإِنْسَانِيَّةِ المُعَقَّدَةِ فِي صِيغَةٍ وَاحِدَةٍ مُكْثَّفَةٍ وَحَيَّةٍ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|