![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
بَيْنَ الحِوَارِ وَالجِدَال
بقلم: فؤاد زاديكي في زَمَنٍ أَصْبَحَتْ فِيهِ مَنَصَّاتُ التَّوَاصُلِ سَاحَاتٍ مَفْتُوحَةً لِلنِّقَاشِ وَتَبَادُلِ الآرَاءِ، لَمْ يَعُدِ الإِنْسَانُ يُواجِهُ الاخْتِلَافَ فِي الرَّأْيِ فَحَسْب، بَلْ أَصْبَحَ يُواجِهُ أَيْضًا أَنْوَاعًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الجِدَالِ العَبَثِيِّ، وَالاسْتِفْزَازِ المُتَعَمَّدِ، وَمُحَاوَلَاتِ تَشْوِيهِ الحَقَائِقِ، وَالتَّقْلِيلِ مِنْ قِيمَةِ الطَّرْحِ وَصَاحِبِهِ. وَكَثِيرًا مَا يَجِدُ الكَاتِبُ أَوِ المُشَارِكُ نَفْسَهُ أَمَامَ أَشْخَاصٍ لَا يَدْخُلُونَ النِّقَاشَ بِنِيَّةِ الفَهْمِ أَوِ الوُصُولِ إِلَى الحَقِيقَةِ، بَلْ بِنِيَّةِ المُشَاكَسَةِ، أَوِ التَّشْوِيشِ، أَوِ الانْتِصَارِ لِلذَّاتِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ المَنْطِقِ وَالوَاقِعِ. وَهُنَا يَبْرُزُ السُّؤَالُ المُهِمُّ: كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَ هَؤُلَاءِ؟ وَهَلْ يَنْبَغِي أَنْ نَرُدَّ عَلَى كُلِّ مَا يُقَالُ؟ وَمَا الحُدُودُ الفَاصِلَةُ بَيْنَ الحِوَارِ الرَّاقِي وَالجِدَالِ الَّذِي لَا طَائِلَ مِنْهُ؟ إِنَّ أَوَّلَ خَطَأٍ يَقَعُ فِيهِ الكَثِيرُونَ هُوَ افْتِرَاضُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُعَلِّقُ أَوْ يُعَارِضُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِحُسْنِ نِيَّةٍ، وَأَنَّهُ يَبْحَثُ فِعْلًا عَنِ الحَقِيقَةِ. وَالحَقُّ أَنَّ النَّاسَ فِي النِّقَاشَاتِ لَيْسُوا سَوَاءً. فَهُنَاكَ مَنْ يُخَالِفُكَ لِأَنَّهُ يَرَى الأُمُورَ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى، وَهَذَا يُمْكِنُ الحِوَارُ مَعَهُ بِهُدُوءٍ وَاحْتِرَامٍ. وَهُنَاكَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لِفِكْرَةٍ أَوْ مُعْتَقَدٍ، فَيَرْفُضُ التَّرَاجُعَ وَلَوْ ظَهَرَتِ الحَقَائِقُ أَمَامَهُ. وَهُنَاكَ صِنْفٌ آخَرُ، وَهُوَ الأَخْطَرُ، يَدْخُلُ النِّقَاشَ لَا لِيُحَاوِرَ، بَلْ لِيَسْتَفِزَّ وَيُشَوِّشَ وَيُحَوِّلَ المَوْضُوعَ إِلَى فَوْضَى وَمُشَادَّاتٍ شَخْصِيَّةٍ. وَمِنَ المُهِمِّ جِدًّا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ تَعْلِيقٍ يَسْتَحِقُّ رَدًّا مُطَوَّلًا، وَلَا كُلُّ مُسْتَفِزٍّ يَسْتَحِقُّ أَنْ نَمْنَحَهُ مِنْ وَقْتِنَا وَأَعْصَابِنَا مَا يُرِيدُهُ. فَبَعْضُ الأَشْخَاصِ يَعِيشُونَ عَلَى “تَغْذِيَةِ الانْفِعَالِ”، وَكُلَّمَا رَأَوْكَ غَاضِبًا أَوْ مُنْفَعِلًا شَعَرُوا أَنَّهُمْ حَقَّقُوا غَايَتَهُمْ. لِذَلِكَ فَإِنَّ أَفْضَلَ الرُّدُودِ أَحْيَانًا هُوَ الرَّدُّ المُخْتَصَرُ، أَوِ التَّوْضِيحُ الهَادِئُ، أَوْ حَتَّى التَّجَاهُلُ الكَامِلُ. وَمِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهَا أَيْضًا أَنَّكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَحْيَانِ لَا تُنَاقِشُ الشَّخْصَ المُقَابِلَ فَقَطْ، بَلْ تُخَاطِبُ جُمْهُورًا وَاسِعًا مِنَ القُرَّاءِ الصَّامِتِينَ الَّذِينَ يُرَاقِبُونَ طَرِيقَةَ الحِوَارِ وَأُسْلُوبَ التَّعَامُلِ. فَقَدْ لَا يَقْتَنِعُ المُشَاغِبُ أَوِ المُرَاوِغُ أَبَدًا، لَكِنَّ القَارِئَ المُنْصِفَ يُدْرِكُ جَيِّدًا مَنْ يَتَحَدَّثُ بِمَنْطِقٍ، وَمَنْ يَهْرُبُ مِنَ الحَقِيقَةِ، وَمَنْ يَلْجَأُ إِلَى السُّخْرِيَةِ وَالتَّقْلِيلِ عِنْدَمَا يَعْجِزُ عَنِ الحُجَّةِ. إِنَّ المُرَاوِغِينَ يَعْتَمِدُونَ فِي الغَالِبِ عَلَى أَسَالِيبَ مَعْرُوفَةٍ، مِنْهَا تَغْيِيرُ مَسَارِ الحَدِيثِ، وَالقَفْزُ مِنْ نُقْطَةٍ إِلَى أُخْرَى، وَتَجَاهُلُ الأَجْوِبَةِ الوَاضِحَةِ، وَطَلَبُ أَدِلَّةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَإِعَادَةُ صِيَاغَةِ كَلَامِكَ بِشَكْلٍ مُشَوَّهٍ لِيَبْدُو أَنَّكَ قُلْتَ مَا لَمْ تَقُلْهُ. وَهُنَا تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ أَنْ تُعِيدَ النِّقَاشَ دَائِمًا إِلَى النُّقْطَةِ الأَسَاسِيَّةِ، بِهُدُوءٍ وَوُضُوحٍ، دُونَ أَنْ تَنْجَرَّ إِلَى الفَوْضَى الَّتِي يُرِيدُونَهَا. وَمِنْ أَقْوَى الأَسَالِيبِ فِي مُوَاجَهَةِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الجِدَالِ: اسْتِخْدَامُ الأَسْئِلَةِ الهَادِئَةِ وَالدَّقِيقَةِ. فَالسُّؤَالُ الذَّكِيُّ يَكْشِفُ التَّنَاقُضَ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْعَلُ الغَضَبُ وَالصُّرَاخُ. حِينَ تَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: “مَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا تَقُولُ؟” أَوْ “كَيْفَ تُوَفِّقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ذَكَرْتَهُ سَابِقًا؟” فَإِنَّكَ تَدْفَعُهُ لِمُوَاجَهَةِ ضَعْفِ مَنْطِقِهِ، بَدَلًا مِنْ تَحْوِيلِ النِّقَاشِ إِلَى مُشَادَّةٍ عَاطِفِيَّةٍ. وَمِنَ الحِكْمَةِ أَيْضًا أَلَّا نَسْمَحَ لِأَحَدٍ بِفَرْضِ نَبْرَةِ الحِوَارِ عَلَيْنَا. فَبَعْضُ المُسْتَفِزِّينَ يَتَعَمَّدُونَ الاسْتِهْزَاءَ وَالتَّقْلِيلَ الشَّخْصِيَّ؛ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ إِخْرَاجَكَ مِنْ هُدُوئِكَ، وَنَقْلَ النِّقَاشِ مِنْ سَاحَةِ الفِكْرِ إِلَى سَاحَةِ الانْفِعَالِ. وَالحَقُّ أَنَّ الإِنْسَانَ كُلَّمَا حَافَظَ عَلَى اتِّزَانِهِ وَاحْتِرَامِهِ لِنَفْسِهِ، ازْدَادَتْ قُوَّةُ مَوْقِفِهِ، حَتَّى وَلَوْ كَانَ الطَّرَفُ الآخَرُ يَصْرُخُ أَوْ يَسْخَرُ. وَلَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ ذَلِكَ مَعْرِفَةُ الوَقْتِ الَّذِي يَنْبَغِي فِيهِ إِنْهَاءُ النِّقَاشِ. فَلَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يَسْتَنْزِفَ الإِنْسَانُ وَقْتَهُ وَجُهْدَهُ فِي جِدَالٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ، خُصُوصًا إِذَا اتَّضَحَ أَنَّ الطَّرَفَ المُقَابِلَ لَا يُرِيدُ الفَهْمَ أَصْلًا. وَأَحْيَانًا يَكُونُ الانْسِحَابُ الأَدِيبُ أَكْثَرَ قُوَّةً مِنَ الاسْتِمْرَارِ فِي نِقَاشٍ عَبَثِيٍّ. فَأَنْ تَقُولَ: “قَدَّمْتُ مَا لَدَيَّ بِوُضُوحٍ، وَمَنْ أَرَادَ النِّقَاشَ المَوْضُوعِيَّ فَأَهْلًا بِهِ”، خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدُورَ فِي حَلَقَاتٍ مُفْرَغَةٍ مِنَ المِرَاءِ وَالمُكَابَرَةِ. إِنَّ أَعْظَمَ انْتِصَارٍ فِي الحِوَارِ لَيْسَ أَنْ تُسْكِتَ الجَمِيعَ، بَلْ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى رُقِيِّكَ وَوُضُوحِكَ وَاتِّزَانِكَ، وَأَنْ تَعْرِضَ الحَقِيقَةَ بِأُسْلُوبٍ يَلِيقُ بِهَا. فَالحَقُّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى ضَجِيجٍ كَيْ يَثْبُتَ، وَالأَفْكَارُ القَوِيَّةُ لَا تَسْقُطُ أَمَامَ الاسْتِفْزَازِ وَالصَّخَبِ، بَلْ تَزْدَادُ قُوَّةً كُلَّمَا قُدِّمَتْ بِهُدُوءٍ وَثِقَةٍ وَاحْتِرَامٍ. وَلْنُدْرِكْ دَائِمًا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَرْفُضُونَ الحَقِيقَةَ لَيْسَ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ، بَلْ لِأَنَّ قَبُولَهَا يَهْزِمُ أَوْهَامًا اعْتَادُوا العَيْشَ فِيهَا. وَهُنَا يَكُونُ الوَعْيُ وَالحِلْمُ وَحُسْنُ التَّصَرُّفِ أَرْقَى مِنْ أَيِّ جِدَالٍ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|