الكَذِبُ مِهْنَةٌ مُرْبِحَةٌ بقَلَمِ: فُؤادٍ زاديكي لَمْ يَعُدِ الكَذِبُ في هٰذَا ال
الكَذِبُ مِهْنَةٌ مُرْبِحَةٌ
بقَلَمِ: فُؤادٍ زاديكي
لَمْ يَعُدِ الكَذِبُ في هٰذَا العَصْرِ خُلُقًا مَذْمُومًا فَحَسْبُ، بَلْ تَحَوَّلَ عِنْدَ بَعْضِ النّاسِ إِلَى حِرْفَةٍ مُتْقَنَةٍ، تُدِرُّ الأَرْباحَ، وَتَفْتَحُ الأَبْوابَ المُغْلَقَةَ، وَتُنَجِّي أَصْحابَها مِنَ المَآزِقِ كَما يُنْقَذُ الغَرِيقُ بِلَوْحِ خَشَبٍ مَكْسُورٍ. وَلَعَلَّ الكَذّابَ المُحْتَرِفَ اليَوْمَ لا يَحْتاجُ إِلَى شَهادَةٍ جامِعِيَّةٍ بِقَدْرِ حاجَتِهِ إِلَى ذاكِرَةٍ قَوِيَّةٍ وَلِسانٍ مَرِنٍ وَوَجْهٍ لا يَعْرِفُ الحَياءَ.
وَالكَذِبُ ـ كَما يُعَرِّفُهُ الحُكَماءُ ـ هُوَ قَوْلُ ما لا يُطابِقُ الحَقيقَةَ، أَمّا عِنْدَ مُحْتَرِفِيهِ فَهُوَ «فَنُّ إِعادَةِ تَرْتِيبِ الوَقائِعِ بِما يُناسِبُ المَصْلَحَةَ». فَالتّاجِرُ الكاذِبُ لا يَغُشُّ النّاسَ، بَلْ «يُحَسِّنُ صُورَةَ البِضاعَةِ»، وَالسِّياسِيُّ لا يَعِدُ بِما لا يَسْتَطِيعُ، بَلْ «يَرْسُمُ آمالًا مُسْتَقْبَلِيَّةً»، وَالطّالِبُ الَّذِي لَمْ يَدْرُسْ لا يَخْدَعُ أُسْتاذَهُ، بَلْ «يُعانِي ظُرُوفًا نَفْسِيَّةً قاهِرَةً» ظَهَرَتْ فَجْأَةً لَيْلَةَ الامْتِحانِ.
وَلِلْكَذِبِ أَنْواعٌ وَأَسالِيبُ تَكادُ تَفُوقُ أَنْواعَ الشِّعْرِ العَرَبِيِّ. فَهُناكَ الكَذِبُ الأَبْيَضُ، وَهُوَ ذٰلِكَ الكَذِبُ اللَّطِيفُ الَّذِي يُقالُ مُجامَلَةً، كَأَنْ تُخْبِرَ صَدِيقَكَ أَنَّ صَوْتَهُ جَمِيلٌ وَهُوَ يُغَنِّي كَصافِرَةِ إِنْذارٍ قَدِيمَةٍ. وَهُناكَ الكَذِبُ الأَسْوَدُ، وَهُوَ الكَذِبُ الخَبِيثُ الَّذِي يُسْتَعْمَلُ لِلسَّرِقَةِ وَالخِداعِ وَأَكْلِ حُقُوقِ النّاسِ. أَمّا الكَذِبُ الرَّمادِيُّ فَهُوَ أَعْجَبُها، إِذْ لا يَعْرِفُ صاحِبُهُ أَهُوَ صادِقٌ أَمْ كاذِبٌ؛ فَهُوَ يَخْلِطُ الحَقيقَةَ بِالوَهْمِ كَما يَخْلِطُ الطّاهِي الرَّدِيءُ المِلْحَ بِالسُّكَّرِ.
وَمِنْ أَسالِيبِ الكَذّابِينَ أَنَّهُمْ لا يَكْذِبُونَ دَفْعَةً واحِدَةً، بَلْ بِالتَّقْسِيطِ المُرِيحِ. يَبْدَأُ أَحَدُهُمْ بِجُمْلَةٍ صَغِيرَةٍ بَرِيئَةٍ، ثُمَّ يُضِيفُ إِلَيْها تَفْصِيلًا بَعْدَ تَفْصِيلٍ حَتّى تَتَحَوَّلَ القِصَّةُ إِلَى مَلْحَمَةٍ تارِيخِيَّةٍ. وَقَدْ يَسْتَعِينُ الكَذّابُ بِتَعابِيرِ الوَجْهِ وَحَرَكاتِ اليَدَيْنِ، فَيَتَنَهَّدُ تارَةً، وَيُطْرِقُ بِرَأْسِهِ حُزْنًا تارَةً أُخْرَى، حَتّى يُخَيَّلَ إِلَيْكَ أَنَّهُ بَطَلٌ تَراجِيدِيٌّ خَرَجَ لِتَوِّهِ مِنْ رِوايَةٍ رُوسِيَّةٍ حَزِينَةٍ.
وَالعَجِيبُ أَنَّ بَعْضَ النّاسِ اتَّخَذُوا الكَذِبَ مِهْنَةً يَوْمِيَّةً. فَهُناكَ مَنْ يَكْذِبُ مِنْ أَجْلِ الرِّبْحِ، فَيَبِيعُكَ ساعَةً مُقَلَّدَةً عَلَى أَنَّها «تُحْفَةٌ سُوِيسْرِيَّةٌ نادِرَةٌ»، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكْذِبُ لِلنَّجاةِ مِنَ العُقُوبَةِ، فَيُقْسِمُ أَغْلَظَ الأَيْمانِ أَنَّ القِطَّةَ هِيَ الَّتِي كَسَرَتِ النّافِذَةَ، مَعَ أَنَّ آثارَ الحِذاءِ ما تَزالُ واضِحَةً فَوْقَ الطّاوِلَةِ. وَهُناكَ مَنْ يَكْذِبُ طَلَبًا لِلشُّهْرَةِ، فَتَراهُ يَرْوِي مُغامَراتِهِ البُطُولِيَّةَ الَّتِي تَبْدَأُ عادَةً بِعِبارَةِ: «فِي أَحَدِ الأَيّامِ عِنْدَما كُنْتُ فِي بارِيسَ...» بَيْنَما هُوَ لَمْ يُغادِرْ حارَتَهُ مُنْذُ عَشْرِ سَنَواتٍ.
وَقَدْ بَلَغَ بَعْضُ الكَذّابِينَ دَرَجَةً مِنَ الاحْتِرافِ تَجْعَلُهُمْ يُصَدِّقُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَتَراهُمْ يَرْوُونَ الأَكاذِيبَ بِثِقَةِ الأَنْبِياءِ، وَيَغْضَبُونَ إِنْ شَكَكْتَ فِي رِواياتِهِمْ. وَهٰؤُلاءِ أَخْطَرُ مِنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّ الكاذِبَ العادِيَّ قَدْ يَتَراجَعُ، أَمّا الكاذِبُ المُؤْمِنُ بِكَذِبَتِهِ فَيَراكَ أَنْتَ المُخْطِئَ وَالحَقيقَةُ هِيَ المُتَّهَمَةُ!
وَمَعَ ذٰلِكَ، فَإِنَّ لِلْكَذِبِ عُمْرًا قَصِيرًا مَهْما طالَ. فَالحَقيقَةُ تُشْبِهُ الشَّمْسَ؛ قَدْ تَحْجُبُها الغُيُومُ ساعاتٍ، لٰكِنَّها لا تَخْتَفِي إِلَى الأَبَدِ. وَالكَذّابُ، وَإِنْ رَبِحَ مالًا أَوْ نَجا مِنْ مَأْزِقٍ، يَعِيشُ مُطارَدًا بِخَوْفِ الانْكِشافِ، يُراجِعُ أَقْوالَهُ كَما يُراجِعُ المُحاسِبُ دَفاتِرَ الضَّرائِبِ آخِرَ الشَّهْرِ.
وَهٰكَذا يَبْقَى الكَذِبُ مِهْنَةً مُرْبِحَةً عِنْدَ البَعْضِ، لٰكِنَّها مِهْنَةٌ خَطِيرَةٌ؛ رَأْسُ مالِها الوَقاحَةُ، وَأَداتُها المُبالَغَةُ، وَنِهايَتُها فِي الغالِبِ خَسارَةُ الثِّقَةِ، وَهِيَ أَثْمَنُ ما يَمْلِكُهُ الإِنْسانُ. فَمَنِ اعْتادَ الكَذِبَ لِيَكْسَبَ الدُّنْيا، قَدْ يَخْسَرُ نَفْسَهُ فِي الطَّرِيقِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|