Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 03:21 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,085
افتراضي نصيبين: مدينةٌ عبرت الإمبراطوريات ونجت من الخراب دراسة تاريخية إعداد: فؤاد زاديكي

نصيبين: مدينةٌ عبرت الإمبراطوريات ونجت من الخراب

دراسة تاريخية

إعداد: فؤاد زاديكي

تقف مدينة نصيبين على تخوم التاريخ مثل شاهدٍ حيٍّ على تعاقب الحضارات وصراع الإمبراطوريات وتبدل الأمم. فهي ليست مجرد مدينة حدودية في جنوب شرقي تركيا الحديثة، بل واحدة من أقدم مدن بلاد ما بين النهرين وأكثرها حضورًا في الذاكرة السياسية والدينية والثقافية للشرق القديم. وعلى امتداد آلاف السنين، ظلت نصيبين نقطة التقاء بين الشرق والغرب، ومسرحًا للحروب الكبرى، ومركزًا للتجارة والعلم واللاهوت، حتى غدت مدينة تختصر في سيرتها جانبًا واسعًا من تاريخ المنطقة بأسرها.

تقع نصيبين اليوم على الحدود التركية السورية مقابل مدينة القامشلي، في سهل الجزيرة الخصيب الذي شكّل منذ أقدم الأزمنة ممرًا للقوافل والجيوش والثقافات. وقد منحها موقعها الجغرافي أهمية استثنائية، لكنه جعلها في الوقت نفسه عرضة متواصلة للغزو والدمار والنزاعات.

يرجع تاريخ الاستيطان في المنطقة إلى عصور موغلة في القدم، وربما إلى الألف الرابع أو الثالث قبل الميلاد، وإن كان من الصعب تحديد تاريخ دقيق لنشأة المدينة الأولى. أما اسمها فقد ورد بأشكال متعددة عبر التاريخ؛ ففي السريانية والآرامية عُرفت باسم “نصيبين” أو “نصيبينا”، وفي المصادر اليونانية والرومانية باسم “Nisibis”، بينما أطلق عليها السلوقيون اسم “Antiochia Mygdonia”. ويرى عدد من الباحثين أن أصل الاسم آرامي أو أكدي، ويرتبط بمعاني الخصب والاستقرار والزراعة، وهي دلالات تنسجم مع طبيعة المنطقة الزراعية الغنية.

لا توجد رواية تاريخية مؤكدة حول مؤسس المدينة الأول، وإن كانت بعض الروايات السريانية القديمة تنسب تأسيسها إلى نمرود الجبار، في إطار الأساطير الدينية المرتبطة ببدايات المدن الكبرى في المشرق. أما أول ذكر تاريخي واضح لنصيبين فيظهر في النصوص الآشورية خلال الألف الأول قبل الميلاد، حين كانت المنطقة خاضعة لنفوذ الممالك الآرامية التي انتشرت في شمال بلاد الرافدين.

في القرنين العاشر والتاسع قبل الميلاد، كانت نصيبين جزءًا من المجال الآرامي، قبل أن تتعرض لحملات الإمبراطورية الآشورية الساعية إلى التوسع غربًا. وقد خضعت المدينة بعد سلسلة من الحملات العسكرية للإدارة الآشورية، وتحولت إلى مركز حدودي وتجاري مهم يربط بين آشور والأناضول وسوريا. ومنذ تلك الحقبة بدأت نصيبين تكتسب دورها الاستراتيجي بوصفها عقدة طرق وممرًا للقوافل والجيوش.

ومع سقوط الإمبراطورية الفارسية على يد الإسكندر الأكبر، دخلت المدينة في العصر الهلنستي تحت حكم الدولة السلوقية. أعاد السلوقيون تنظيمها ومنحوها اسمًا يونانيًا جديدًا، وظهرت فيها ملامح العمران والثقافة اليونانية ممزوجة بالطابع الشرقي المحلي. لكن أهميتها الحقيقية بلغت ذروتها في العهدين الروماني والساساني، حين تحولت إلى واحدة من أعظم المدن الحصينة على حدود الإمبراطوريتين.

خلال القرنين الثالث والرابع الميلاديين أصبحت نصيبين ساحةً للصراع الكبير بين روما وفارس الساسانية. وكانت المدينة بالنسبة للرومان حصنًا دفاعيًا بالغ الأهمية، ولذلك حصّنوا أسوارها وأقاموا فيها الحاميات الضخمة. وقد تعرضت لعدة حصارات شهيرة قادها الملك الساساني شابور الثاني الذي حاول اقتحامها مرارًا في أعوام 338 و346 و350 ميلادية. وتصف المصادر التاريخية تلك الحصارات بأنها من أعنف معارك العصر القديم؛ إذ استخدمت فيها المجانيق العملاقة، وحاول الفرس تحويل مجاري المياه لإغراق أسوار المدينة، فيما عانى السكان من الجوع والحصار والخراب.

وبرغم صمود نصيبين طويلًا، فإن التحول الأخطر في تاريخها وقع سنة 363م بعد مقتل الإمبراطور الروماني يوليانوس خلال حملته على فارس. فقد اضطر الرومان إلى توقيع معاهدة قاسية تنازلوا بموجبها عن المدينة للساسانيين، وأُجبر السكان الرومان والمسيحيون على الرحيل الجماعي عنها. وقد شكّل هذا الحدث نكبة كبرى في تاريخ نصيبين، إذ تبدلت هويتها السياسية والديموغرافية بصورة عميقة.

ورغم الحروب، ازدهرت نصيبين في المجال الديني والفكري، خاصة في العصر المسيحي المبكر. فقد أصبحت مركزًا رئيسيًا للمسيحية السريانية ومقرًا لأسقفية مهمة، واشتهرت بمدرسة نصيبين التي عُدت واحدة من أعظم مدارس الشرق القديم، حتى لُقبت بـ”أم المدارس”. وفيها دُرست الفلسفة واللاهوت والطب واللغة السريانية، وخرج منها علماء كبار كان لهم أثر واسع في الفكر المسيحي الشرقي. ومن أبرز الأسماء المرتبطة بها القديس مار أفرام السرياني الذي يُعد من أهم أعلام الأدب واللاهوت السرياني.

وفي القرن السابع الميلادي دخلت نصيبين تحت الحكم الإسلامي خلال الفتوحات الإسلامية، وأصبحت جزءًا من الدولة الأموية ثم العباسية. وقد احتفظت خلال تلك الفترة بأهميتها التجارية والثقافية، وظلت مدينة متعددة الأديان والأعراق، يعيش فيها السريان والعرب والأكراد وغيرهم. وذكرها الجغرافيون والمؤرخون المسلمون بوصفها مدينة عامرة ذات أسواق وزراعة ومكانة علمية.

لكن العصور الوسطى حملت معها موجات متتالية من الاضطراب. فقد تعاقبت على المدينة قوى متعددة كالحمدانيين والسلاجقة والأيوبيين، ثم تعرضت لغزوات المغول التي اجتاحت مدن الجزيرة الفراتية وألحقت بها خرابًا واسعًا. وتكررت في نصيبين الكوارث الطبيعية من فيضانات وأوبئة وزلازل، مما أدى في فترات مختلفة إلى تراجع عدد سكانها وضعف دورها الاقتصادي.

وفي العصر العثماني أصبحت نصيبين جزءًا من المناطق القريبة من جبهة الصراع بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية الإيرانية، فتأثرت بالحروب الطويلة والاضطرابات العسكرية وتراجع النشاط التجاري. ومع ذلك استمرت مدينةً ذات تنوع قومي وديني، يعيش فيها السريان والأكراد والعرب والأرمن.

أما القرن العشرون فقد حمل لنصيبين إحدى أكبر مآسيها التاريخية. ففي أثناء الحرب العالمية الأولى شهدت المنطقة أحداث “سيفو” سنة 1915، وهي المجازر التي تعرض لها السريان والأرمن والمسيحيون الشرقيون داخل الدولة العثمانية. وقد شهدت نصيبين ومحيطها عمليات قتل وتهجير واسعة أدت إلى انهيار الوجود المسيحي التاريخي الذي استمر فيها قرونًا طويلة، وهُجرت قرى وأديرة وكنائس، وتغيرت البنية السكانية للمدينة بصورة جذرية.

وبعد سقوط الدولة العثمانية ورسم الحدود الحديثة بين تركيا وسوريا، فقدت نصيبين كثيرًا من دورها التاريخي. إذ انفصلت عن امتدادها الطبيعي في الجزيرة السورية، وأصبحت مدينة حدودية تواجه مباشرة مدينة القامشلي. وقد أدى هذا التقسيم إلى انقطاع طرق التجارة التقليدية وتشتت العائلات والعشائر بين الدولتين الجديدتين.

وفي العقود الأخيرة دخلت المدينة مرحلة جديدة من الاضطراب بسبب الصراع بين الدولة التركية وحزب العمال الكردستاني. وكانت أحداث 2015 و2016 من أكثر الفترات قسوة على نصيبين الحديثة، حيث شهدت اشتباكات عنيفة داخل الأحياء السكنية، وفُرض حظر تجول طويل، وتعرضت مناطق واسعة من المدينة القديمة للدمار، كما نزح آلاف السكان من بيوتهم.

وهكذا تبدو نصيبين مدينةً كُتب عليها أن تعيش دائمًا على تخوم النار؛ مدينةً تتبدل فيها الرايات والإمبراطوريات، لكن اسمها يبقى حاضرًا في صفحات التاريخ. فمنذ العصور الآشورية والآرامية مرورًا بالرومان والفرس والعرب والعثمانيين وحتى العصر الحديث، ظلت نصيبين مرآةً لتحولات الشرق كله. ورغم ما تعرضت له من حصارات ومجازر وزلازل وحروب، فإنها ما تزال تحتفظ ببقايا عظمتها القديمة في أسوارها وآثارها وكنائسها وتراثها السرياني والعربي والكردي العريق، شاهدةً على مدينة لم يمت تاريخها رغم كل ما مرّ بها من خراب.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:11 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke