![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مَلْحَمَةُ النَّدَى وَالهَجِيرِ: عِشْقٌ مَنْحُورٌ عَلَى صَخْرَةِ التَّقَالِيدِ (1946-1951م)
بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالمُؤَرِّخِ: فُؤَاد زَادِيكِي «كَانَتْ بَلْدَةُ "آزَخَ" (بَايْتُ زَبْدَايَ) السِّرْيَانِيَّةُ، المَعْرُوفَةُ بِاسْمِ (إِيدِيلَ)، تَبْدُو فِي إِشْرَاقَةِ الرَّبِيعِ كَعَرُوسٍ تَتَجَلَّى بَيْنَ أَحْضَانِ "الجَبَلِ الأَبْيَضِ" الشَّامِخِ، الَّذِي احْتَضَنَهَا مُنْذُ فَجْرِ التَّارِيخِ كَأُمٍّ رَؤُومٍ. فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، كَانَ النَّدَى يَهْبِطُ سَحَرًا لِيُكَلِّلَ وُجُوهَ الأَشْجَارِ، وَيُرَصِّعَ الزُّرُوعَ كَأَكَالِيلَ مِنْ مَاسٍ نَقِيٍّ، حَيْثُ تَلْتَفُّ الكُرُومُ مَرَامِيَ الأُفُقِ، تَعْرِيشَاتٌ خَضْرَاءُ تُظَلِّلُ السُّفُوحَ وَالوِدْيَانَ. وَكَانَ الأَزْخِيُّونَ يَمْضُونَ إِلَى حُقُولِهِمْ مَعَ بَوَاكِيرِ الفَجْرِ، فَيَغْسِلُونَ وُجُوهَهُمْ بِذَلِكَ النَّدَى المُقَدَّسِ، تَبَرُّكًا بِنِعْمَةِ الرَّبِّ، الَّتِي انْسَكَبَتْ سِحْرًا عَلَى رَوَابِيهِمْ. وَمَا إِنْ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ، حَتَّى تَنْبِضَ البَيَادِرُ بِحَيَاةٍ صَاخِبَةٍ، فَتَعْلُو أَصْوَاتُ "الجَرَاجِرِ" وَهِيَ تَدْرُسُ الذَّهَبَ المَنْثُورَ، وَتَتَصَاعَدُ أَهَازِيجُ الحَصَادِ الشَّجِيَّةِ، يَمْتَزِجُ فِيهَا عَرَقُ الجَبِينِ بِبَهْجَةِ العَطَاءِ. وَمِنْ بَعِيدٍ، كَانَ "السَّقَلَانُ" يَنْسَابُ كَوَرِيدِ حَيَاةٍ يَمْدُّ الأَرْضَ بِالخُصُوبَةِ لِيَرْوِيَ الحَدَائِقَ "البُقَچَ" وَبَسَاتِينَ الخُضْرَاوَاتِ، فِيمَا تَتَصَاعَدُ تَرَاتِيلُ الكَنَائِسِ وَأَصْوَاتُ الصَّلَوَاتِ مِنْ أَدْيِرَةِ آزَخَ وكَنائِسِهَا العَرِيقَةِ، لِتَمْلأَ الفَضَاءَ بِعُذُوبَةٍ تَهَزُّ الوِجْدَانَ. فِي هَذَا المِحْرَابِ الطَّبِيعِيِّ، وَفِي الحِقْبَةِ المُنْصَرِمَةِ بَيْنَ عَامَيْ (1946 - 1951م)، نَبَتَتْ قِصَّةُ حُبٍّ عَمِيقَةٍ بَيْنَ قُطْبَيْنِ مِن أَقْطَابِ المَهَابَةِ. كَانَ بَطَلُهَا الشَّابُّ المَسِيحِيُّ (ك.ح.ع)؛ ذَلِكَ السَّلِيلُ المُنْتَمِي إِلَى عَائِلَةٍ مَرْمُوقَةٍ بَسَطَتْ صِيتَهَا الطَّيِّبَ العَظِيمَ فِي أَرْجَاءِ البَلْدَةِ، فَوَالِدُهُ كَانَ أَحَدَ زُعَمَاءِ العَشِيرَةِ "العَمْنُوكِيَّةِ" الضَّارِبَةِ جُذُورُهَا فِي التَّارِيخِ. وَفِي الجَانِبِ الآخَرِ، كَانَتِ الحُسْنُ المُتَمَثِّلُ فِي الفَتَاةِ (خسرو)، ابْنَةِ الرَّجُلِ الَّذِي يَتَوَلَّى مَقَالِيدَ الحُكْمِ فِي بَلَدِيَّةِ "إِيدِيلَ" وَمُؤَسَّسَاتِهَا الحُكُومِيَّةِ، وَالَّذِي تَعُودُ أُصُولُهُ إِلَى إِحْدَى قُرَى "نَصِيبِينَ" البَعِيدَةِ، حَيْثُ نَزَحَ بِتَقَالِيدِهِ الصَّارِمَةِ وَسُلْطَتِهِ المَهِيْبَةِ. لَمْ يَكُنْ عِشْقُهُمَا سَهْلًا فِي مُجْتَمَعٍ تَحْكُمُهُ العَشَائِرِيَّةُ وَالمَفَاهِيمُ الضَّيِّقَةُ، فَقَدِ اعْتَبَرَ أَهْلُهَا تَعَلُّقَ قَلْبِهَا "عَارًا" يُهَدِّدُ سَطْوَةَ وَالِدِهَا. بَدَأَتِ المُرَاقَبَةُ اللَّصِيقَةُ، وَاسْتَحَالَ بَيْتُهَا إِلَى سِجْنٍ يَرْصُدُ أَنْفَاسَهَا. وَرَغْمَ ذَلِكَ، كَانَتْ (خسرو) تَتَحَيَّنُ فُرَصَ الإِفْلَاتِ لِتَغْمُرَ ابْنَ أَخِ حَبِيبِهَا، الصَّغِيرَ (عزيز يوسف حنّا)، بِحَنَانٍ طَافِحٍ، تَمْلأُ جُيُوبَهُ بِالتِّينِ وَالجَوْزِ، وَتَضُمُّهُ إِلَى صَدْرِهَا وَهِيَ تَهْمِسُ بِشَجَنٍ: "رَائِحَةُ عَمِّكَ (كريم) فِيكَ". بَلْ بَلَغَ بِهَا الوَجْدُ أَنْ كَانَتْ تَتَسَلَّلُ خِلْسَةً لِتَدْخُلَ الكَنِيسَةَ، تَنْدَسُّ بَيْنَ النِّسَاءِ السِّرْيَانِيَّاتِ لِتَرْفَعَ صَلَوَاتِهَا بَيْنَ عَبِيقِ البَخُورِ، بَاحِثَةً عَنْ مَلَاذٍ رُوحِيٍّ يَجْمَعُهُمَا. لَمْ تَخْلُ هَذِهِ الحِكَايَةُ الحَقِيقِيَّةُ مِنْ وَجَعٍ، فَفِي لَحْظَةِ فَرَحٍ بَرِيئَةٍ وَهِيَ عَلَى "الزَّمْزِيلُوقِ" (المُرْجُوحَةِ) بَيْنَ جِذْعَيِ الشَّجَرَتَيْنِ، يَهُزُّهَا حَبِيبُهَا (كريم) أَوْشَتْ بِهِمَا "ابْنَةُ خَالِهَا"، فَنَالَتْ (خسرو) مِنَ الضَّرْبِ المُبَرِّحِ قَسْوَةً، وَسِيْقَتْ كَأَسِيرَةٍ إِلَى دَارِهَا. وَتَكَرَّرَتِ المَأْسَاةُ فِي البَيَادِرِ حِينَ كَانَا جَالِسَيْنِ فَوْقَ "الجَرْجَرِ" يَدْرُسَانِ سَنَابِلَ القَمْحِ، فَانْتُزِعَتْ عَنْوَةً أَمَامَ الأَشْهَادِ. وَحَتَّى فِي شِتَاءِ آزَخَ القَارِسِ، حِينَ كَانَ الجَلِيدُ يُغَطِّي "بَيْرَمَةَ آزَخَ" وَالشَّبَابُ يَلْعَبُونَ "الهُولَ" قُرْبَ دَيْرِ مَارِ يَعْقُوبَ، هَجَمَ أَخُوهَا وَابْنُ عَمِّهَا لِيَنْتَزِعَاهَا بِوَحْشِيَّةٍ مِنْ بَيْنَ رِفَاقِهَا، حينَ قَرَّرَتِ النَّومَ فِي الدَّيرِ المَذكُورِ. أَمَامَ جَوْرِ المَحَاكِمِ التُّرْكِيَّةِ المُنْحَازَةِ لِلسُّلْطَةِ، وَإِدْرَاكًا مِنْ عَائِلَةِ (كريم) أَنَّ المَوَازِينَ لَيْسَتْ لِصَالِحِهِمْ، اتُّخِذَ القَرَارُ المُرُّ. فِي لَيْلَةٍ لَيْلَكِيَّةٍ مِنْ عَامِ 1951م، هَرَبَتِ العَائِلَةُ العَمْنُوكِيَّةُ تَحْتَ جُنْحِ الظَّلَامِ نَحْوَ الحُدُودِ السُّورِيَّةِ، خَوفًا عَلَى حَيَاةِ الأبِ والإبنِ مَعًا. بَعْدَ رَحِيلِهِمْ، اسْتَحَالَتْ حَيَاةُ (خسرو) إِلَى صَمْتٍ مُطْبِقٍ فِي مَنْزِلِهَا القَرِيبِ مِنَ "السَّقَلَانِ"، تَرْقُبُ طَرِيقَ الجَبَلِ الأَبْيَضِ مِنَ النَّافِذَةِ، وَتَتَحَسَّسُ فِي جُيُوبِهَا بَقَايَا تِينٍ وَجَوْزٍ يَبِسَ كَمَا يَبِسَتْ فَرْحَتُهَا. أَمَّا فِي أَزِقَّةِ آزَخَ، فَقَدْ تَرَكَ الرَّحِيلُ غَصَّةً فِي القُلُوبِ، إِذْ بَدَتْ أَصْوَاتُ الكَنَائِسِ وَكَأَنَّهَا نَحِيبٌ مُسْتَمِرٌّ، وَظَلَّ صَوْتُ خَرِيرِ "السَّقَلَانِ" يَحْمِلُ أَصْدَاءَ ضَحَكَاتِهِمَا الغَابِرَةِ، لِتُطْوَى صَفْحَةُ عِشْقٍ عَمِيقٍ نَحَرَتْهُ التَّقَالِيدُ عَلَى مَذْبَحِ القَسْوَةِ، وَتَبْقَى الحِكَايَةُ أَمَانَةً يَرْوِيهَا التَّارِيخُ عَنْ رَائِحَةِ حُبٍّ لَمْ تُفَارِقْ ثِيَابَ الذَّاكِرَةِ.» خَاتِمَةُ مَلْحَمَةِ النَّدَى وَالهَجِيرِ: انْكِسَارُ الأَمَلِ عَلَى أَعْتَابِ القَدَرِ. لَمْ تَكُنْ نِهَايَةُ قِصَّةِ خسرو وَكريم مُجَرَّدَ فِرَاقٍ، بَلْ كَانَتْ صِرَاعًا مَرِيرًا بَيْنَ لِينِ القُلُوبِ وَقَسْوَةِ السَّائِدِ. شَاعَتْ أَحْدَاثُ عِشْقِهِمَا فِي كُلِّ أَرْجَاءِ آزخ، مِمَّا أَشْعَلَ نَارَ التَّشَدُّدِ لَدَى أَهْلِ الفَتَاةِ، لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِكَوْنِ الشَّابِّ مِنْ دِينٍ آخَرَ، حَيْثُ نُصِبَتِ الأَدْيَانُ حَوَاجِزَ بَيْنَ بَشَرٍ خَلَقَهُمُ اللهُ مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ. فِي ظِلِّ هَذَا الحِصَارِ، بَرَزَ دَوْرُ الصَّدَاقَةِ النَّبِيلَةِ فِي شَخْصِيَّةِ شوشان، مِنْ بَيْتِ اسطيفو، الَّتِي كَانَتْ لِخسرو سَنَدًا وَمَلَاذًا وَبِئْرًا لِأَسْرَارِهَا. كَانَتْ زِيَارَاتُ خسرو لِصَدِيقَتِهَا هِيَ الثُّغْرَةَ الوَحِيدَةَ لِلِقَاءِ كريم، بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ الرُّقَبَاءِ مِنْ أَبْنَاءِ عُمُومَتِهَا وَأَخْوالِهَا الَّذِينَ لَاحَقُوهَا كَظِلِّهَا. وَبِشَجَاعَةٍ نَادِرَةٍ، كَانَتْ خسرو تَعْمَدُ إِلَى تَبْدِيلِ ثِيَابِهَا لِتَرْتَدِيَ زِيًّا يُمَكِّنُهَا مِنَ التَّسَلُّلِ إِلَى الكَنِيسَةِ لِلصَّلَاةِ، كَيْ لَا يَعْرِفَهَا أَحَدٌ فَيُوشِيَ بِهَا لِأَبِيهَا. هُنَاكَ، تَحَوَّلَتِ الكَنِيسَةُ إِلَى مَلَاذٍ رُوحِيٍّ يَجْمَعُهَا بِمَنْ تُحِبُّ. بَلْ إِنَّهَا بَلَغَتْ مَبْلَغًا مِنَ الإِصْرَارِ حِينَ ذَهَبَتْ مَعَ صَدِيقَتِهَا إِلَى كَاهِنِ آزخ تَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُعَمِّدَهَا، لَكِنَّهُ رَفَضَ طَلَبَهَا خَوْفًا مِنْ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ أَوْ مَشَاكِلَ كَانَتِ البَلْدَةُ بِغِنًى عَنْهَا. وَمَعَ تَزَايُدِ الضُّغُوطِ، حَاوَلَ أَهْلُهَا تَزْوِيجَهَا مِرَارًا، لَكِنَّهَا كَانَتْ تَرْفُضُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَفَاءً لِعَهْدِهَا. وَحِينَمَا وَصَلَ الصِّرَاعُ إِلَى طَرِيقٍ مَسْدُودٍ وَأَرَادَ أَهْلُهَا قَتْلَ كريم بَعْدَ قَرَارِهِمَا بِالهُرُوبِ مَعًا، اضْطَرَّ كريم لِلتَّخَفِّي عِشْرِينَ يَوْمًا بَيْنَ الكُرُومِ، لَاجِئًا إِلَى (الكُولَّكَاتِ) وَهِيَ تِلْكَ الغُرَفُ البَسِيطَةُ المَبْنِيَّةُ مِنَ الحِجَارَةِ الَّتِي يَبْنِيهَا أَصْحَابُ الكُرُومِ لِلرَّاحَةِ وَتَنَاوُلِ الطَّعَامِ. كَانَ كريم يَنَامُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي كَرْمٍ غَيْرِ الَّذِي بَاتَ فِيهِ، مُتَّخِذًا مِنْ صَمْتِ الحِجَارَةِ حِمَايَةً لَهُ كانَ ذلكَ في سنةِ ١٩٥١م. بَلَغَتِ المَلْحَمَةُ ذُرْوَتَهَا فِي المَحْكَمَةِ، حِينَ قَدَّمَ أَهْلُ الفَتَاةِ شَكْوَى كَيْدِيَّةً ضِدَّ حنّا وَالِدِ كريم، مُدَّعِينَ أَنَّ ابْنَهُ يُرِيدُ إِكْرَاهَهَا عَلَى الهُرُوبِ. لَكِنَّ خسرو وَقَفَتْ مَوْقِفًا بُطُولِيًّا أَمَامَ القَاضِي، حَيْثُ نَفَتْ كُلَّ التُّهَمِ وَأَعْلَنَتْ بِكُلِّ جُرْأَةٍ أَنَّهَا لَمْ تَتَقَدَّمْ بِأَيِّ شَكْوَى، بَلْ أَهْلُهَا هُمْ مَنْ أَجْبَرُوهَا عَلَى قَوْلِ ذَلِكَ، مُؤَكِّدَةً أَنَّهَا وَكريم ضَحِيَّةُ تَقَالِيدَ ظَالِمَةٍ. رَغْمَ هَذَا الصُّمُودِ، جَرَتِ الأَقْدَارُ بِعَكْسِ المُرَادِ، فَرَحَلَ الوَالِدُ حنّا فِي حُزَيْرَانَ١٩٥٢، وَتَزَوَّجَ كريم وَرُزِقَ بِالذُّرِّيَّةِ ٣ أبنَاء ذُكُورٍ وأربَعَ بَنَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ عَامَ ١٩٦٩ بَعْدَ صِرَاعٍ مَعَ الشَّلَلِ. أَمَّا خسرو، فَقَدْ سِيقَتْ إِلَى حَيَاةٍ أُخْرَى وَتَزَوَّجَتْ، وَانْقَطَعَتْ أَخْبَارُهَا بَعِيدًا عَنْ رَاوِي هَذِهِ القِصَّةِ حنا دكتوريان. لَقَدْ دَوَّنْتُ هَذِهِ المَلْحَمَةَ لِتَبْقَى عِظَةً لِكُلِّ مَنْ يَقْرَأُ كَيْفَ خَنَقَتِ الأَغْلَالُ أَطْهَرَ القُلُوبِ. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|