من كتابي (هوامش) سيرة ذاتية - دراسة سيكولوجية ملحق شبابنا (٣) تَسيرُ بِنا الحَياةُ ف
من كتابي (هوامش) سيرة ذاتية - دراسة سيكولوجية
ملحق شبابنا
(٣)
تَسيرُ بِنا الحَياةُ في مَساراتٍ قَد لا نَختارُها بِمَحضِ إرادَتِنا، وَلٰكِنَّها تَرسُمُ خُطوطَها بِثَباتٍ، وَتَفرِضُ اتِّجاهاتِها عَلَينا كَأَنَّها قَدَرٌ لا مَفرَّ مِنه. وَفي كُلِّ مَرحَلَةٍ عُمُرِيَّةٍ تَتَجَلّى فُروضُها وَواجباتُها وَخَصائِصُها؛ فَلِلطُّفولَةِ بَراءتُها وَعَفَوِيَّتُها، وَلِلرُّجولَةِ مَسؤوليّاتُها وَأَعباؤُها، أَمّا الشَّيخوخَةُ فَلَها وَقارُها وَاتِّزانُها. وَتَبقى مَرحَلَةُ الشَّبابِ هِيَ الأَكثَرُ انطِلاقًا وَحَيَوِيَّةً، حَيثُ تَتَّسِعُ الآفاقُ، وَتَشتَدُّ نَبَضاتُ الحَياةِ في العُروقِ، وَتَتَفَتَّحُ الرُّوحُ عَلى صَداقاتٍ تَمتَدُّ عُمقًا وَشُمولًا.
في تِلكَ السِّنِينَ الزَّاهِيَةِ، نَسَجَتِ الأيّامُ بَيني وَبَينَ كُلٍّ مِن عيسى موسى عوري وَميخائيل موسى دوري خُيوطَ صَداقةٍ عَميقَةٍ، صَداقةٍ لَم تَكُن مُجرَّدَ لِقاءاتٍ عابِرَةٍ، بَل كانَت عَلاقَةً مَفعَمَةً بِالصِّدقِ وَالمَوَدَّةِ. اِمتَدَّت تِلكَ الصِّلَةُ مُنذُ أَيّامِ فَريقِ نِينَوَى (أشبالُ الرّافِدَين) لِكُرَةِ القَدَم، حَيثُ كُنّا جُزءًا مِن تَشكيلَتِهِ، نَتقاسَمُ الحُلمَ وَاللَّعبَ وَحَماسَ البِداياتِ. وَبَقِيَت تِلكَ الصَّداقةُ تَكبُرُ مَعَنا، حَتّى فَرَّقَت بَينَنا طُرُقُ الدِّراسَةِ، فَسارَ كُلٌّ مِنّا في اتِّجاهٍ مُختَلِفٍ، حامِلًا ذِكرياتٍ لا تَذبُل.
ثُمَّ جَمَعَتني مَرحَلَةٌ أُخرى بِصَداقَةٍ لا تَقِلُّ رَسوخًا مَعَ أفرام كوركيس شيعا وَنعيم حنّا رشكو، حَيثُ شَكَّلنا ثُلاثيًّا مُتآلِفًا، تَسودُ بَينَنا المَحبَّةُ وَالتَّفاهمُ وَالتَّناغُمُ. وَفي لَحظَةٍ مِن لَحظاتِ الشَّبابِ المُفعَمَةِ بِالخَيالِ، خَطَرَت لَنا فِكرَةٌ طَريفَةٌ، بَسيطَةٌ في شَكلِها، عَميقَةٌ في مَعناها؛ أَن نَبتَكِرَ اِسمًا يَجمَعُنا نَحنُ الثَّلاثَةُ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ. فَوُلِدَ الاِسمُ (شي كو كي): “شي” مِن شيعا، وَ“كو” مِن رشكو، وَ“كي” مِن زاديكي. وَكَأَنَّنا بِهٰذا الاِسمِ قَد صَهَرنا أَسماءَنا في وَحدَةٍ وَجْدانِيَّةٍ، تَحمِلُ بَينَ حُروفِها صِدقَ صَداقَتِنا وَنَقاءَها.
وَلَم يَكُن ذٰلِكَ الاِسمُ مُجرَّدَ لُعبَةِ أَلفاظٍ، بَل أَصبَحَ ذِكرى حَيَّةً تَسري فينا، نَستَحضِرُها كُلَّما اِلتَقَينا أَو تَواصَلنا. وَقَد أَعادَت لي الأيّامُ تِلكَ اللَّحَظاتِ حينَ تَحادَثتُ هاتِفيًّا مَعَ الدُّكتورِ نعيمٍ في أَلمانيا، فَتَذَكَّرنا مَعًا تِلكَ الأيّامَ وَأَحيَينا الاِسمَ مِن جَديد. وَكَذٰلِكَ حِينَ اتَّصَلَت بي الصَّديقَةُ نَجاة هِندو، زَوجَةُ الصَّديقِ أفرام، مِن سويسرا، لِتَجمَعَني بِصَوتِهِ بَعدَ غِيابٍ طَويلٍ، أَخبَرَتني أَنَّهُ لا يَزالُ يَروي قِصَّةَ ذٰلِكَ الاِسمِ، وَكَأَنَّهُ جُزءٌ مِن رُوحِنا المُشتَرَكَةِ الَّتي لَم تَذوِ.
وَتَوالَتِ الصَّداقاتُ في مَسيرَةِ حَياتي، كَأَنَّها مَحَطّاتٌ تُضيءُ الدَّربَ وَتُغنيه؛ فَفي مَرحَلَةٍ صادَقتُ المُحِبَّ بَهيجَ يُوسُف القسّ، وَدامَت صِلتُنا زَمَنًا طَويلًا، وَفي أُخرى جَمَعَتني الأيّامُ مَعَ عيسى عوري وَبَهنان ملكي زيني، وَفي مَرحَلَةٍ لاحِقَةٍ تَشارَكتُ الذِّكرياتِ مَعَ كريم موسى شمو وَخالي كَبرو قرياقس، وَغَيرِهِم كَثيرون مِمَّن تَركوا في النَّفسِ أَثَرًا لا يُمحى.
هٰكَذا كانَتِ الصَّداقاتُ في شَبابي: لَيسَت مُجرَّدَ أَسماءٍ تَمرُّ في ذاكِرَةِ الأيّامِ، بَل حِكاياتٌ نَسَجَتها القُلوبُ، وَحَفَرَتها اللَّحَظاتُ في أَعماقِ الرُّوحِ. وَإِذا كانَتِ الحَياةُ تَفرِضُ عَلَينا الفِراقَ أَحيانًا، فَإِنَّها لا تَستَطيعُ أَن تَنتَزِعَ مِنّا جَمالَ ما عِشناهُ، وَلا صِدقَ ما شَعَرنا بِهِ، فَتَبقى تِلكَ الذِّكرياتُ نُورًا خافِتًا يُرافِقُنا، كُلَّما تَقَدَّمَ بِنا العُمرُ، وَنَظَرنا خَلفَنا بِشَوقٍ وَامتِنان.
__________________
fouad.hanna@online.de
|