![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
سِيرَةُ القِدِّيسِ مَار دُودُو (529م – 609م)
جمع وتحقيق ومراجعة وإضافة فؤاد زاديكي وُلِدَ القِدِّيسُ مَار دُودُو فِي بَيْتٍ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ، لِأَبَوَيْنِ فَاضِلَيْنِ هُمَا شِمْعُونُ وَهِيلَانَةُ، اللَّذَانِ عُرِفَا فِي أَرْجَاءِ المِنْطَقَةِ بِالإِيمَانِ الصَّادِقِ وَالتَّقْوَى وَالصَّلَاحِ. وَكَانَ ذَلِكَ فِي قَرْيَةِ سِيدُوسَ التَّابِعَةِ لِمِنْطَقَةِ مَنَازْكِرْد قُرْبَ بُحَيْرَةِ وَان. وَإِذْ حُرِمَ الزَّوْجَانِ مِنَ الذُّرِّيَّةِ زَمَنًا طَوِيلًا، لَمْ يَفْتُرْ إِيمَانُهُمَا، بَلْ ثَابَرَا عَلَى الصَّلَاةِ وَالرَّجَاءِ، حَتَّى افْتَقَدَهُمَا الرَّبُّ بِنِعْمَتِهِ، فَحَمَلَتْ هِيلَانَةُ وَوَلَدَتْ صَبِيًّا جَمِيلًا سَنَةَ 529م. وَمَا إِنْ وُلِدَ الطِّفْلُ، حَتَّى حَمَلَهُ وَالِدَاهُ إِلَى دَيْرِ القِدِّيسِ مَار دَاوُد، مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الأَقَارِبِ وَالأَصْدِقَاءِ، حَيْثُ نَالَ سِرَّ المَعْمُودِيَّةِ عَلَى يَدِ رَئِيسِ الدَّيْرِ، وَدُعِيَ بِاسْمِ دَاوُد. نَشَأَ الطِّفْلُ فِي كَنَفِ وَالِدَيْهِ عَلَى التَّقْوَى وَالعِلْمِ، فَتَعَلَّمَ القِرَاءَةَ وَالكِتَابَةَ، وَحَفِظَ الكِتَابَ المُقَدَّسَ، وَتَشَرَّبَ صَلَوَاتِ الكَنِيسَةِ وَطُقُوسَهَا. وَلَمَّا بَلَغَ سِنَّ الشَّبَابِ، أَرَادَ وَالِدَاهُ أَنْ يُزَوِّجَاهُ، لَكِنَّهُ أَبَى ذَلِكَ، إِذْ كَانَ قَلْبُهُ قَدِ امْتَلَأَ بِحُبِّ المَسِيحِ، وَآثَرَ طَرِيقَ العِلْمِ وَالنُّسْكِ عَلَى رَوَابِطِ العَالَمِ الفَانِي. وَبَعْدَ رُقَادِ وَالِدَيْهِ، وَزَّعَ أَمْوَالَهُ كُلَّهَا عَلَى الفُقَرَاءِ، وَمَضَى إِلَى الدَّيْرِ الَّذِي تَعَمَّدَ فِيهِ، فَاسْتُقْبِلَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ. وَتَتَلْمَذَ عَلَى يَدَيْ مَار دَاوُد، وَنَذَرَ نُذُورَ الرَّهْبَنَةِ، وَانْضَمَّ إِلَى الرُّهْبَانِ المُتَوَحِّدِينَ. وَمِنْ شِدَّةِ تَوَاضُعِهِ، طَلَبَ أَنْ يُدْعَى “دُودُو”، أَيْ “الدُّودَة”، إِشَارَةً إِلَى احْتِقَارِهِ لِنَفْسِهِ أَمَامَ اللهِ، لَكِنَّ المُؤْمِنِينَ حَوَّلُوا اللَّفْظَةَ تَكْرِيمًا لَهُ إِلَى مَعْنًى يُفِيدُ التَّبْجِيلَ. وَبِغَيْرَةٍ رُوحِيَّةٍ، ارْتَحَلَ سَيْرًا عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الأَرَاضِي المُقَدَّسَةِ فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَبَارَكَ مِنَ الأَمَاكِنِ الَّتِي تَقَدَّسَتْ بِحُضُورِ السَّيِّدِ المَسِيحِ، وَزَارَ بَيْتَ لَحْمٍ وَالجَسِيمَانِيَّةَ، ثُمَّ مَضَى إِلَى مِصْرَ، إِلَى بَرِّيَّةِ إِسْقِيطِي، يَطْلُبُ عُمقَ الحَيَاةِ النُّسْكِيَّةِ. وَعِنْدَ عَوْدَتِهِ، اخْتَارَ وَادِيًا مَهْجُورًا كَانَ يُعْرَفُ بِـ “وَادِي جَهَنَّمَ”، في قَرْيَةِ إسْفِس، فَأَقَامَ فِيهِ مَسْكَنًا لِلصَّلَاةِ وَالعِبَادَةِ. وَسُرْعَانَ مَا اجْتَمَعَ حَوْلَهُ أَرْبَعُونَ رَاهِبًا، عَاشُوا فِي مَغَائِرَ وَكُهُوفٍ، مُنْقَلِبِينَ بِذَلِكَ الوَادِي مِنْ مَأْوًى لِلصُّوصِ إِلَى مَنْبَعٍ لِلصَّلَوَاتِ وَالتَّسَابِيحِ. وَفِي سَنَةِ 589م، زَارَ البَطْرِيَرْكُ مَار بُطْرُس المِنْطَقَةَ، وَرَغِبَ فِي رَفْعِ دُودُو إِلَى دَرَجَةِ الأُسْقُفِيَّةِ، فَرَفَضَ أَوَّلًا تَوَاضُعًا، ثُمَّ قَبِلَ طَاعَةً، وَسُمِّيَ “مَار غْرِيغُورِيُوس”. وَقَدْ عُرِفَ بِغَيْرَتِهِ الرَّعَوِيَّةِ، فَرَسَمَ مِئَاتِ الكَهَنَةِ وَآلَافَ الشَّمَامِسَةِ، وَبَنَى كَنَائِسَ وَأَدْيِرَةً عِدَّةً، جَاعِلًا مِنَ المِنْطَقَةِ مَرْكَزًا رُوحِيًّا زَاهِرًا. وَفِي سَنَةِ 609م، رَقَدَ بِسَلَامٍ بَعْدَ حَيَاةٍ مَلِيئَةٍ بِالجِهَادِ الرُّوحِيِّ، وَدُفِنَ فِي تَكْرِيتَ بِاحْتِفَالٍ مَهِيبٍ، وَقُلُوبُ المُؤْمِنِينَ مُمْتَلِئَةٌ حُزْنًا وَرَجَاءً بِشَفَاعَتِهِ. وَبَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، نُقِلَتْ هَامَتُهُ إِلَى إِحْدَى القُرَى تَكْرِيمًا لَهُ وهِيَ قَريةِ بَاسبرِين السّريانيّةُ، وَظَلَّتْ ذِكْرَاهُ حَيَّةً فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، يَسْتَحْضِرُونَهُ فِي صَلَوَاتِهِمْ وَأَقْسَامِهِمْ، مُؤْمِنِينَ بِشَفَاعَتِهِ وَبَرَكَتِهِ. وَتَحْتَفِلُ الكَنِيسَةُ السُّرْيَانِيَّةُ بِعِيدِ القِدِّيسِ مَار دُودُو فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ بَعْدَ عِيدِ القِيَامَةِ المَجِيدِ، إِكْرَامًا لِذِكْرَاهُ وَتَخْلِيدًا لِسِيرَتِهِ الزَّاهِرَةِ. وَقَدِ اسْتُنِدَ فِي هَذِهِ السِّيرَةِ إِلَى مَصْدَرَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ، هُمَا: كِتَابُ «سِيرَةُ حَيَاةِ القِدِّيسِ مَار دُودُو» لِلشَّمَّاسِ يُوسُفَ جَبْرَائِيلَ جُمُعَة، وَكِتَابُ «سِيرَةُ حَيَاةِ القِدِّيسِ مَار دُودُو» لِأَفْرَام شَاهِين. لَهُ دَيرٌ عرِيقٌ في باسبرِينَة ودَيرٌ في قَريَةِ إسفِس في تُركيا، كَما بُنِيَتْ في ديريك (المالِكِيّة) في سوريّة كَنِيسةٌ على اسمِهِ. هَكَذَا بَقِيَ القِدِّيسُ مَار دُودُو مِثَالًا لِلتَّوَاضُعِ وَالنُّسْكِ وَالإِيمَانِ الحَيِّ، وَنُورًا يَتَلَأْلَأُ فِي تَارِيخِ الكَنِيسَةِ وَفِي ذَاكِرَةِ شَعْبِهِ إِلَى اليَوْم. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|