التَّبْشِيرُ وَالدَّعْوَةُ الدِّينِيَّةُ: دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ نَقْدِيَّةٌ البَاحِ
التَّبْشِيرُ وَالدَّعْوَةُ الدِّينِيَّةُ: دِرَاسَةٌ مُقَارَنَةٌ نَقْدِيَّةٌ
البَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي
تُعَدُّ المَسِيحِيَّةُ دِيَانَةً تَبْشِيرِيَّةً بِطَبِيعَتِهَا، وَهُوَ مَا يَتَّضِحُ مِنْ نُصُوصِهَا وَتَعَالِيمِهَا الأَسَاسِيَّةِ. فَقَدْ أَمَرَ يَسُوعُ المَسِيحُ فِي الوَصِيَّةِ العُظْمَى قَائِلاً: «اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ»، مِمَّا يُوَضِّحُ التَّوْجِيهَ الصَّرِيحَ لِنَشْرِ الإِيمَانِ. وَرَغْمَ أَنَّ التَّارِيخَ المَسِيحِيَّ شَهِدَ فَتَرَاتٍ مِنَ العُنْفِ، إِلَّا أَنَّ المَسِيحِيَّةَ تَخَلَّتْ عَنْهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، حَيْثُ حَدَثَ تَحَوُّلٌ جَذْرِيٌّ نَحْوَ الفَصْلِ بَيْنَ الدِّينِ وَالدَّوْلَةِ، وَأَصْبَحَ التَّبْشِيرُ يَرْتَكِزُ عَلَى الجَوَانِبِ الرُّوحِيَّةِ، التَّعْلِيمِيَّةِ، وَالإِنْسَانِيَّةِ عَبْرَ المَدَارِسِ وَالمُسْتَشْفَيَاتِ، بَعِيداً عَنِ الإِكْرَاهِ المَادِّيِّ أَوِ السِّيَاسِيِّ.
تَارِيخُ التَّبْشِيرِ المَسِيحِيِّ تَقَلَّبَ بَيْنَ العَصْرِ الرَّسُولِيِّ وَالتَّوَسُّعِ الرُّومَانِيِّ بَعْدَ مَرْسُومِ مِيلَانُو (313م)، ثُمَّ عُصُورِ الاِسْتِكْشَافِ. وَلَكِنَّ الفَارِقَ الجَوْهَرِيَّ يَتَجَلَّى فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، حَيْثُ أَعَادَتِ المَسِيحِيَّةُ صِيَاغَةَ ذَاتِهَا كَقِيَمٍ رُوحِيَّةٍ عَالَمِيَّةٍ، مُتَجَاوِزَةً صِرَاعَاتِ المَاضِي، بَيْنَمَا يَبْقَى المَشْهَدُ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ مُخْتَلِفاً وَمُثِيراً لِلْجَدَلِ العَمِيقِ.
فَفِي حِينِ تَتَحَدَّثُ بَعْضُ النُّصُوصِ الإِسْلَامِيَّةِ عَنِ الدَّعْوَةِ بِالحُسْنَى وَقَاعِدَةِ «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، يَرَى البَاحِثُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ عُطِّلَ العَمَلُ بِهَا أَوْ اعْتُبِرَتْ مَنْسُوخَةً فِعْلِيّاً لِصَالِحِ آيَاتِ القِتَالِ وَالعُنْفِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى الخِطَابِ الدِّينِيِّ. فَالإِسْلَامُ قَامَ عَلَى مَبْدَأِ أَنَّ «الإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ»، مَعَ فَرْضِ سِيَادَةٍ دِينِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ تَجَلَّتْ فِي مَقُولَةِ «لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ». هَذِهِ النُّصُوصُ، مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ»، وَ«إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ»، تُعَزِّزُ فِكْرَةَ إِلْغَاءِ الآخَرِ وَعَدَمِ قَبُولِ التَّعَدُّدِيَّةِ.
وَيَتَّضِحُ هَذَا التَّوَجُّهُ العَنِيفُ بِشَكْلٍ جَلِيٍّ فِي العَصْرِ الرَّاهِنِ؛ فَالإِسْلَامُ لَمْ يَتَخَلَّ عَنِ العُنْفِ كَمَا فَعَلَتِ المَسِيحِيَّةُ، وَالدَّلِيلُ القَاطِعُ هُوَ بِيئَةُ التَّنْظِيمَاتِ الجِهَادِيَّةِ الَّتِي تَمْلأُ العَالَمَ، مِثْلَ: الإِخْوَانِ المُسْلِمُونَ، تَنْظِيمُ القَاعِدَةِ، طَالِبَان، جَيْشُ الصُّومَالِ، جَمَاعَةُ أَبُو سَيَّاف، دَاعِش، وَجَبْهَةُ النُّصْرَةِ. هَذِهِ الجَمَاعَاتُ لَا تَعْمَلُ مِنْ فَرَاغٍ، بَلْ تَسْتَنِدُ إِلَى آيَاتٍ وَاضِحَةٍ وَتَفْسِيرَاتٍ جَرَى العَمَلُ بِهَا مُنْذُ نَشْأَةِ الدِّينِ وَلِغَايَةِ اليَوْمِ، مِمَّا يَجْعَلُ عَمَلِيَّاتِ الإِرْهَابِ العَالَمِيَّةِ مَرَدُّهَا إِلَى دَوَافِعَ وَنُصُوصٍ دِينِيَّةٍ تَسْعَى لِلْقَضَاءِ عَلَى الآخَرِ، بِمَا فِي ذَلِكَ تَشْرِيعُ قَتْلِ المُرْتَدِّ بِمُوجِبِ نَصِّ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ».
أَمَّا اليَهُودِيَّةُ، فَتَبْقَى دِيَانَةً غَيْرَ تَبْشِيرِيَّةٍ، تَنْكَفِئُ عَلَى ذَاتِهَا لِلْحِفَاظِ عَلَى الهُوِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُ الصِّرَاعَ الكَبِيرَ يَنْحَصِرُ بَيْنَ مَنْظُومَةٍ مَسِيحِيَّةٍ تَعَصْرَنَتْ وَتَخَلَّتْ عَنِ القُوَّةِ، وَمَنْظُومَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ لَا تَزَالُ تَتَمَسَّكُ بِنُصُوصِ القِتَالِ كَأَدَاةٍ لِلتَّغْيِيرِ وَالفَرْضِ.
بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الحَقِيقَةَ وَالوَاقِعَ يُثْبِتَانِ تَبَايُناً هَائِلاً؛ فَبَيْنَمَا تَقُومُ المَسِيحِيَّةُ عَلَى نَشْرِ الإِيمَانِ رُوحِيّاً، يَبْدُو أَنَّ التَّبْشِيرَ وَالدَّعْوَةَ فِي المَنْظُورِ الإِسْلَامِيِّ المُرْتَبِطِ بِهَذِهِ النُّصُوصِ لَا يَقْبَلَانِ الشَّرَاكَةَ، بَلْ يَعْمَلَانِ عَلَى إِلْغَاءِ كُلِّ مَا هُوَ غَيْرُ إِسْلَامِيٍّ، وَهُوَ مَا تُؤَكِّدُهُ الشَّوَاهِدُ التَّارِيخِيَّةُ وَالدَّمَوِيَّةُ لِلْحَرَكَاتِ الجِهَادِيَّةِ المُعَاصِرَةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|