الْمَسِيحِيَّةُ كَعَصَبٍ لِلْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ الْبَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي ي
الْمَسِيحِيَّةُ كَعَصَبٍ لِلْحَيَاةِ الْبَشَرِيَّةِ
الْبَاحِثُ: فُؤَاد زَادِيكِي
يُمْكِنُ النَّظَرُ إِلَى الْمَسِيحِيَّةِ عَلَى أَنَّهَا تُشَكِّلُ مِحْوَرًا أَسَاسِيًّا فِي حَيَاةِ الْإِنْسَانِ الْمُؤْمِنِ بِهَا، إِذْ تَمْنَحُهُ مَعْنًى وَدَفْعَةً رُوحِيَّةً وَأَخْلَاقِيَّةً وَاجْتِمَاعِيَّةً، وَتُوَجِّهُهُ فِي مَسِيرَةِ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ. عِبَارَةُ "عَصَبِ الْحَيَاةِ" تَعْنِي هُنَا الْعُنْصُرَ الْمِحْوَرِيَّ الَّذِي يُعْطِي لِلْإِنْسَانِ مَعْنًى وَهَدَفًا، سَوَاءً مِنْ مَنْظُورٍ رُوحِيٍّ، أَخْلَاقِيٍّ، أَوْ اجْتِمَاعِيٍّ ثَقَافِيٍّ. فَهِيَ تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ عَلَاقَةً مُبَاشِرَةً بِاللَّهِ، وَتَزْرَعُ فِيهِ الْإِيمَانَ وَالثِّقَةَ فِي خُطَطِ الْحَيَاةِ، وَتَمْنَحُهُ الْأَمَلَ فِي مُوَاجَهَةِ الصِّعَابِ وَالْمِحَنِ. الْإِيمَانُ الْمَسِيحِيُّ يُوَفِّرُ شُعُورًا بِالطُّمَأْنِينَةِ الدَّاخِلِيَّةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَجَاوُزِ الْأَزَمَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالْوُجُودِيَّةِ، وَهُوَ بِذَلِكَ يُشَكِّلُ عُنْصُرًا أَسَاسِيًّا يَمْنَحُ الْحَيَاةَ مَعْنًى وَدَفْعَةً مُسْتَمِرَّةً.
كَمَا أَنَّ تَعَالِيمَ الْمَسِيحِ تَدْعُو إِلَى الْحُبِّ، التَّسَامُحِ، الرَّحْمَةِ، وَالْعَدَالَةِ، وَهَذِهِ الْقِيَمُ الْأَخْلَاقِيَّةُ تُشَكِّلُ أَسَاسًا لِلسُّلُوكِ الْفَرْدِيِّ، وَتُسَاعِدُ عَلَى بِنَاءِ شَخْصِيَّةٍ مُتَّزِنَةٍ وَمَسْؤُولَةٍ، وَتُوَجِّهُ الْإِنْسَانَ نَحْوَ الْخَيْرِ فِي تَفَاعُلَاتِهِ مَعَ الْآخَرِينَ، مِمَّا يُعَزِّزُ شُعُورَ الْإِنْسَانِ بِالْقِيمَةِ وَالْهَدَفِ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ. إِضَافَةً إِلَى ذَلِكَ، تُسَاهِمُ الْمَسِيحِيَّةُ فِي تَشْكِيلِ الْمُجْتَمَعِ مِنْ خِلَالِ التَّعْلِيمِ، الْخِدْمَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، الْعَمَلِ الْخَيْرِيِّ، وَتَعْزِيزِ الرَّوَابِطِ الْأُسَرِيَّةِ وَالْمُجْتَمَعِيَّةِ. وُجُودُ إِطَارٍ دِينِيٍّ مُشْتَرَكٍ يَرْبِطُ النَّاسَ بِالْقِيَمِ وَالتَّقَالِيدِ يُعَزِّزُ الِانْتِمَاءَ وَالِاسْتِقْرَارَ الِاجْتِمَاعِيَّ، مِمَّا يَجْعَلُ الْإِيمَانَ الْمَسِيحِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مُعْتَقَدٍ فَرْدِيٍّ، بَلْ قُوَّةً مُؤَثِّرَةً فِي الْحَيَاةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ.
مِنْ هَذَا الْمَنْظُورِ، يُمْكِنُ الْقَوْلُ إِنَّ الْمَسِيحِيَّةَ تَعْمَلُ كَعَصَبٍ لِلْحَيَاةِ بِالنسبَةِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ وَفْقَ تَعَالِيمِهَا، إِذْ تُوَفِّرُ لَهُمْ مَعْنًى لِلْوُجُودِ وَفَهْمًا لِدَوْرِهِمْ فِي الْحَيَاةِ وَالْعَالَمِ، وَإِطَارًا أَخْلَاقِيًّا لِتَوْجِيهِ خِيَارَاتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمُ الْيَوْمِيَّةِ، وَشُعُورًا بِالِانْتِمَاءِ وَالْأَمَانِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ خِلَالِ شَبَكَةِ دَعْمٍ مَعْنَوِيٍّ وَمُجْتَمَعِيٍّ. وَمَعَ ذَلِكَ، مِنَ الْمُهِمِّ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ هَذَا الْعَصَبَ لَيْسَ عَالَمِيًّا لِكُلِّ الْبَشَرِ، فَالْبَشَرِيَّةُ مُتَنَوِّعَةٌ فِي مُعْتَقَدَاتِهَا وَمَصَادِرِ قِيَمِهَا، وَقَدْ يَجِدُ غَيْرُ الْمَسِيحِيِّينَ مَعْنَى حَيَاتِهِمْ فِي دِيَانَاتٍ أَوْ فَلسَفَاتٍ أُخْرَى. لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَسِيحِيِّينَ، تَظَلُّ الْمَسِيحِيَّةُ مَرْكَزًا أَسَاسِيًّا يُشَكِّلُ مِحْوَرَ حَيَاتِهِمْ وَيَمْنَحُهَا الْإِيمَانَ، الْأَمَلَ، وَالْقِيَمَ الرَّاسِخَةَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|