قِرَاءَةٌ فِي مَثَلٍ آزَخِيٍّ: [أَرَيْنَاكْ فَوْقْ لِسْطُوحْ وَتَحْتْ لِسْطُوحْ] ب
قِرَاءَةٌ فِي مَثَلٍ آزَخِيٍّ:
[أَرَيْنَاكْ فَوْقْ لِسْطُوحْ وَتَحْتْ لِسْطُوحْ]
بِقَلَمِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تَخْتَزِلُ الذَّاكِرَةُ الشَّعْبِيَّةُ الآزَخِيَّةُ فِي ثَنَايَاهَا إِرْثًا بَاذِخًا مِنَ الحِكْمَةِ، صَاغَتْهُ التَّجَارِبُ وَصَقَلَتْهُ الأَيَّامُ، لِيَخْرُجَ لَنَا فِي صُوَرٍ تَعْبِيرِيَّةٍ جَامِعَةٍ، وَمِنْ بَيْنِ هَذِهِ الدُّرَرِ يَبْرُزُ مَثَلُنَا القَائِلُ: "أَرَيْنَاكْ فَوْقْ لِسْطُوحْ وَتَحْتْ لِسْطُوحْ". هُوَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَوْصِيفٍ لِمَكَانٍ، بَلْ هُوَ مِشْرَطٌ لُغَوِيٌّ يَنْفُذُ إِلَى جَوْهَرِ الحَقِيقَةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَيَكْشِفُ مَسْتُورَهَا.
فِي هَذَا المَثَلِ، تَتَجَلَّى فَلْسَفَةُ "الاِنْكِشَافِ التَّامِّ"، حَيْثُ تَمَّ رَصْدُ المَعْنِيِّ فِي مَيَادِينِهِ كَافَّةً. فَـ "فَوْقَ السُّطُوحِ" رَمْزٌ لِلظَّاهِرِ العَلَنِيِّ، لِلأَقْنِعَةِ الَّتِي يَرْتَدِيهَا المَرْءُ أَمَامَ العَامَّةِ، وَلِلمِثَالِيَّةِ، الَّتِي يَدَّعِيهَا فَوْقَ مَنَصَّاتِ المُجْتَمَعِ. أَمَّا "تَحْتَ السُّطُوحِ"، فَهِيَ عُمْقُ الخَفَاءِ، وَالكَوَالِيسُ المُظْلِمَةُ، وَالحَقِيقَةُ العَارِيَةُ، الَّتِي يَظُنُّ صَاحِبُهَا أَنَّهَا بِمَنْأًى عَنْ عُيُونِ الرُّقَبَاءِ.
إِنَّ قَوْلَ هَذَا المَثَلِ يَأْتِي كَلَحْظَةِ حَسْمٍ حِينَ تَسْقُطُ الحُجُبُ، فَيُقَالُ لِمَنْ حَاوَلَ التَّدَلُّسَ أَوِ التَّكَبُّرَ: "لَقَدْ أَبْصَرْنَاكَ بِبَصِيرَةِ الخِبْرَةِ قَبْلَ بَصَرِ العَيْنِ، فَلَمْ تَعُدْ خَافِيَةً عَلَيْنَا تَنَاقُضَاتُكَ". هِيَ صَرْخَةُ الصِّدْقِ فِي وَجْهِ الزَّيْفِ، تُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ عَرَفَ الجُذُورَ لَا يَغُرُّهُ بَرِيقُ الأَوْرَاقِ.
وَبِصِفَتِي بَاحِثًا وَمُؤَرِّخًا فِي هَذَا التُّرَاثِ العَرِيقِ، أَرَى أَنَّ هَذَا المَثَلَ يَعْكِسُ مَنَاعَةَ الوجْدَانِ الآزَخِيِّ وَقُدْرَتَهُ عَلَى نَقْدِ الذَّاتِ وَالآخَرِ بِذَكَاءٍ فِطْرِيٍّ، مُعْلِنًا أَنَّ الوُضُوحَ هُوَ سَيِّدُ المَوْقِفِ، وَأَنَّ الحَقِيقَةَ – مَهْمَا تَوَارَتْ تَحْتَ السُّقُوفِ – فَلَا بُدَّ أَنْ تَلْتَقِيَ يَوْمًا بِمَا هُوَ فَوْقَهَا، لِيَصْبِحَ المَرْءُ كِتَابًا مَفْتُوحًا لَا سِتْرَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|