المثل الشامي (حَكَى بدري) بقلم: فؤاد زاديكي تُعدّ عبارة «حكى بدري» من الأمثال الشع
المثل الشامي (حَكَى بدري)
بقلم: فؤاد زاديكي
تُعدّ عبارة «حكى بدري» من الأمثال الشعبية الشامية التي شهدت تحوّلًا دلاليًا لافتًا عبر الزمن، إذ تعود في أصلها إلى توصيف الطفل الذي يبدأ النطق قبل أوانه الطبيعي، فيأتي كلامه متعثّرًا وغير واضح المعالم، فكانت «بدري» هنا دلالة على البكور لا على الاسم العلم، ومعنى العبارة أنّ الكلام خرج قبل نضجه. ومن هذا المعنى الأول تسلّلت العبارة إلى الاستعمال المجازي، فأصبحت تُقال لكلّ من يتكلّم بكلام يشبه كلام الأطفال في هشاشته وسذاجته واضطرابه، كلام لا يحمل فكرة مكتملة ولا يعكس وعيًا بما يُقال أو بما يقتضيه المقام. ثم اتّسعت الدلالة أكثر، فصارت العبارة تُطلق أيضًا على مَن يخرج عن صمته الطويل ليقول ما لا يُنتظر منه، فيُخيّب التوقّع ويبدّد الإصغاء، حتى كأنّ صمته كان أبلغ من كلامه. ومع شيوع الاستعمال الشعبي، تحوّل لفظ «بدري» من دلالته الزمنية إلى رمز إنساني ساخر، يُشار به إلى الشّخص الذي لا يُحسن التعبير، أو يخلط بين الأساليب واللغات بارتباك، أو يتكلّم بلا نُضج فكري ولا إدراك لحساسية الواقع من حوله، فغدا الاسم توصيفًا لا شخصًا، وحكمًا على الخطاب لا على المتكلم وحده. ولم يبقَ هذا المثل حبيس البيئة الشامية التي وُلد فيها، بل سرعان ما تجاوز حدودها إلى مناطق أخرى من سورية، وانتقل معها إلى فضاءات أوسع بفعل التداول اليومي ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، حتى غدا مفهومًا متداولًا يفهمه ويستعمله من لم ينشأ في بيئته الأولى. وفي الاستعمال المعاصر، ولا سيما في المجال العامّ، لم تَعُد العبارة مقتصرةً على السلوك الفردي، بل أضحت أداة نقد لاذعة تُوجَّه إلى كلّ خطاب فارغ أو تصريح منفصل عن وعي الناس ومعاناتهم، فتُقال «حكى بدري» اختزالًا لحالة كاملة من الرّفض والسخرية والاستخفاف بما قِيل، وكأنّها تلخّص في كلمتين أنّ الكلام قِيل، نعم، لكنّه لم يبلغ بعد حدّ المعنى، وتُضاف أحيانًا إليه عبارة (وانشرحَ صدري) لتأكيد جانب السّخرية من الموقف أو الشّخص الذي تُقال له.
__________________
fouad.hanna@online.de
|