![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
إلى متى؟ 5 لم أعد إلى رشدي إلاّ وأنا في مكان لا أعلم عنه شيئاً, لكنني لاحظت ما يدلّ على أنّه مشفى فكانت الممرّضات يذهبن ويجئن والأسرة موزّعة في الغرفة وحين فتحت عينيّ جيّداً وجدت طبيباً بالقرب من سريري وبرفقته شخص لا أعرفه وإلى جانبه ممرضتان وهنّ ينظرن إليّ ويبتسمن معي ويتحدثن بما لم أفهم منه شيئاً حيث كانت اللغة الأجنبية التي تعلّمتها في أثناء المرحلة الإعداديّة والثانوية والجامعيّة هي الإنكليزيّة ولم أكن أحب اللغة الفرنسيّة أبداً.
دنا الرجل الذي كان برفقة الطبيب منّي وسلّم عليّ وناداني باسمي فاستغربتُ وقلت في نفسي من أين يعرف هذا الرجل اسمي؟ وهل هناك معرفة مسبقة بيننا لم أعد أتذكّرها؟ قلت له: من أين عرفت اسمي؟ قال: من جواز السّفر الذي كان بحوزتك عندما شاهدك أحد المارّة وأخبر البوليس الذي قدم ومعه سيّارة الإسعاف "الأمبولانس" ونقلوك إلى هنا ولكوني مترجم محلّف للغة العربية والإفرنسيّة فإنه تم استدعائي لمعونتهم في معرفة قصّتك وما الذي حصل معك؟ وأين كنت تعيش؟ وغير ذلك من الأمور التي يريد البوليس معرفتها عنك وخاصّة أن الفيزا التي كنت حصلت عليها باتت على وشك الانتهاء ومتى لم يتمّ تمديدها من قبل مكتب الأجانب هنا فإنّه سيتمّ تسفيرك إلى بلدك هكذا هي القوانين هنا. عندما رآني والدهشة تعلو محيّا وجهي وأنا في حيرة شديدة من أمري. بادرني بالسؤال إنّهم يريدون معرفة كلّ شيء عنك منذ دخلت إلى فرنسا؟ وكيف قدمت إليها؟ ومن الذي ساعدك في ذلك؟ لكنّك الآن أنت بحاجة إلى علاج دقيق ومركّز فأنت أدمنت على نوع من المخدّرات ووقعت تحت تأثيره لكن والحمد لله فإن إدمانك لم يكن طويلا لذا فإمكانية معالجتك هي أيسر من الحالات المستعصية والتي يلزم علاجها زمناً طويلا. وكان عليّ أن أحكي قصّتي بكاملها من أول دقيقة حيث استدعاني ضابط الأمن إلى مكتبه في فرع المخابرات إلى أن صار مطافي إلى هنا مرغماً وتحت تهديد التصفية الجسدية إن لم أغادر بلدي. بكيت بكاءً مرّاً على الذي حلّ بي وتمنيت الموت ولاحظ الطبيب الذي كان استدعى رجال الشرطة للاستماع إلى إفادتي وعندما تأكدوا من حقيقة قصتي حيث سألوا أبناء حارتي ومعارفي الذين أعطيتهم اسماءهم وعناوينهم في البلد الذي كنتُ أقيم فيه. قالوا إننا سنساعدك لأننا أدركنا مدى صدقك ومأساتك وعلمنا أن عودتك إلى البلد فيها نهاية مؤكّدة لحياتك و هو ما سنسعى جاهدين إلى تداركه بطرقنا الخاصّة. أمّا أنت فسوف تظلّ مقيماً عندنا في المشفى تتلقّى العلاج الضروري للتخلّص من هذه العلّة التي أصابتك وكلّنا أمل في أن يتحقّق ذلك في القريب العاجل. لم يقولوا لي بأنّهم يفكّرون بطريقة تنقذ زوجتي وابنتي من براثن ذلك الوحش غير الآدمي, وكانوا قاموا باتصالات مع جهاتهم الخاصة في دولة أخرى غير فرنسا لكي يبعدوا شبهة رجال الأمن الذين قد يحاولون عرقلة الحصول على فيزا والذي أعان على تحقيق هذا الأمر بسرعة فائقة أن الزوجة وابنتها كانت تحملان جوازي سفر صالحين لهذا لم يصعب الحصول على فيزا لزيارة دولة أخرى وباسم عربي يعيش في تلك الدولة وكان ذلك كلّه من تدبير الجهة التي أرادت مساعدتي وهي جهة كنسيّة بذلت جهداً عظيماً في تيسير أمور خروج عائلتي وقدومها إلى فرنسا قادمة من البلد الذي حصلت على تأشيرة فيزا إليه. لم أصدّق عيني وأنا أرى زوجتي وابنتي في أحد الأيام وهما إلى جانبي في المشفى قادمتين لإحاطتي علماً بوصولهما ومن جهة أخرى للتسليم عليّ والالتقاء بي بعد هذه الفترة من الغياب. لقد شكرت تلك الجماعة المؤمنة التي مدّت لي يد العون وأدخلتني إلى المدرسة مع زوجتي وابنتي لتعلّم الفرنسيّة وقدّم لنا معاش شهري كمساعدة من الصليب الأحمر إلى أن تمكّنا من اللغة بشكل مقبول وصرنا نستطيع التفاهم والتخاطب مع الناس, عندها بدأنا بالبحث عن عمل وبمعونة هذه الجماعة المؤمنة استطعنا الحصول على مسكن وعمل وصارت أمورنا على ما يرام وأحسسنا بالأمن والأمان الذي افتقدناه في بلدنا ولزمن طويل, وقلت في نفسي يا إلهي نحن حالفنا الحظ وكان قدرنا على هذا النحو من التوفيق, وبدأت أفكّر في المئات بل الآلاف الذين لهم أوضاع شبيهة بوضعي من سيساعدهم؟ فالظروف التي توفّرت لي قد لا تتوفّر لكثيرين! إنّها مأساة بلداننا التي تحرمنا من شمّ نسيم الحريّة والديمقراطية هذا النسيم الذي هو حقّ لكلّ مخلوق على وجه الأرض. شكرتُ الربّ على جميع نعمه التي أغدق بها عليّ وحاولتُ أن أنسى الأيام السّوداء التي أكلتْ من كرامتي وشرفي وعزّة نفسي الشيء الكثير, ولم أقطع علاقتي البتة بتلك العوائل المباركة التي مدّت لي يد العون في هذه الغربة الموحشة واستطاعت أن تحوّل حياتي وحياة أسرتي من جحيم إلى نعيم. كما صرت دائم التردّد على كنيستهم والتي صارت كنيستي في جميع المناسبات وكلّ الآحاد والأعياد وبقيت تلك العوائل تقدّم لعائلتي العون كلّما لزم الأمر ولم نعد نحسّ بالغربة وصرنا جزءاً من حياة هذا الواقع الجديد نحترم عاداته وتقاليده ونعمل بما يحفظ كرامتنا كغرباء في هذا البلد الذي فتح لنا أحضانه على مصراعيها وسأبقى شاكراً لهم معونتهم ومساعداتهم لنا والتي لم تنقطع عنّا أبداً. |
|
#2
|
|||
|
|||
|
سلمت وسلمت ريشتك البارعة إلى الأبد !!! لتكتب لنا ماالذي نحس به حقيقة على هامش الحياة!!
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شكراً لك يا أم نبيل ولدعمك المعنوي الذي أستمدّ منه الكثير من القوة والصبر والإيمان.
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|