Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الأزخيني > ازخ تركيا > من تاريخ البلدة

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم اليوم, 01:42 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,437
افتراضي عذراً منك، ها هو النص كاملاً مع العنوان الرئيسي بقلمك: نبض التاريخ في ربوع بيت زبداي:

عذراً منك، ها هو النص كاملاً مع العنوان الرئيسي بقلمك:
نبض التاريخ في ربوع بيت زبداي: الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية في بلدة آزخ قبل خمسة قرون
بقلم: الشاعر والباحث التاريخي فؤاد زاديكي
كانت بلدة «آزخ» في منطقة طور عبدين بتركيا قبل حوالي خمسمائة عام تقف شاخصة كقلعة حصينة وعريقة، تختزل في أزقتها وحقولها صورة مفعمة بالحيوية والصلابة التامة للقرى المسيحية في بيت زبداي وما حولها. جرت الحياة اليومية الاعتيادية حينها وفق نظام دقيق يكفل بقاء المجتمع واستمراره في وجه تقلبات الزمن، حيث قام بنيانها الاقتصادي على مبدأ الاقتصاد المكتفي ذاتياً، فتحول أهالي البلدة إلى مجتمع منتج بكفاءة عالية يزرع أرضه ويستخرج منها قوته اليومي. انتشرت في أنحائها زراعة القمح والشعير والشوفان والأرز، إلى جانب عناية استثنائية بشجيرات الكرمة التي اشتهرت بها آزخ شهرة واسعة، فكانت كرومها الجبلية مصدراً غنياً لصناعات غذائية محليّة متعددة كصناعة الزبيب والمربيات والنبيذ والعرق والحريرة (الحليلة) والعقود والبستيق والدبس. ولم تقتصر الزراعة على ذلك بل امتدت لتشمل أشجار التين والبلوط وعدداً من الأشجار المثمرة التي كانت تزود الأهالي بالثمار والحطب وثمار البلوط المستخدمة في جوانب مختلفة من المعيشة والطهي. كما اعتمدت البيوت على تربية الماشية والحيوانات من أغنام وأبقار وماعز لتأمين الحليب والأجبان واللحوم والبيض، مع استغلال أصوافها وجلودها، فكانت الأسر تنتج غالبية احتياجاتها داخل المنازل، ولا تلجأ للدكاكين البسيطة المتناثرة في البلدة إلا لشراء القليل من المواد التي تعذر إنتاجها محلياً كالأقمشة والملح والسكر والتوابل.
وتوازت الزراعة مع حركة حرفية وتجارية صناعية بدائية غطت مختلف متطلبات الحياة اليومية؛ فنشطت في البلدة مهن الحدادة لصنع أدوات الحراثة والأسلحة الخفيفة والحدوات، والنجارة لصنع الأبواب والصناديق والأدوات الخشبية، وصناعة الفخار والجرار لتخزين المياه والحبوب والزيت والنبيذ، والحلاقة، ودكاكين القصابين لبيع اللحوم. وإلى جانب هذه المهن، عرفت آزخ صناعة دباغة الجلود لاستخدامها في الأحذية والأحزمة والسروج، وحياكة السجاد والبُسط اليدوية من أصواف الماشية، وصناعة البارود المحلي لاستخدامه في الحماية والصيد، فضلاً عن صناعات أخرى كانت سائدة في تلك الحقبة كصناعة الصابون اليدوي من زيت الزيتون، ونسج الغزل والنسيج المنزلي، وصناعة الأدوات النحاسية وتبييضها. وكان الرجال يتوزعون بين أعمال الزراعة والرعي وتلك المهن الحرفية، بينما ينطلق بعضهم للعمل المؤقت في المدن الكبرى المجاورة، في حين تحملت المرأة الآزخية عبئاً كبيراً ومحورياً، فإلى جانب إدارة المنزل من طبخ وغسيل وكنس وتربية الأطفال، كانت شريكة أساسية للرجل في الحقول والأعمال الزراعية، وتقوم بجمع القش والحطب وتخزينهما لمدفأة الحطب (الصوپّا) لمواجهة شتاء طور عبدين القارس.
وفي قلب هذه الحياة اليومية، احتلت الحياة الدينية المكانة الأولى والركيزة الأهم في تشكيل هوية آزخ وثقافتها وسلوك أفرادها، لا سيما أنها كانت تعيش كجزيرة مسيحية ضمن محيط إسلامي كردي سادت فيه التوازنات العشائرية الصارمة. شكلت الكنيسة والمحارس الروحية المركز الذي يدور حوله الوجود الاجتماعي واليومي للأهالي؛ فصوت أجراس الكنائس (أو النواقيس الخشبية في بعض الفترات) كان يحدد إيقاع اليوم ابتداءً من صلاة الفجر قبل الانطلاق إلى الحقول وحتى صلاة المساء عند العودة منها. وكانت الأعياد الدينية والمناسبات كالظهور، والميلاد، والقيامة، وتذكارات القديسين، تمثل المحطات الأساسية التي تجمع أهالي البلدة في مظاهر فرح وتكافل اجتماعي مهيب، يُذبح فيها القربان وتُوزع اللحوم والأطعمة على الفقراء والمحتاجين. وفي ظل غياب المدارس النظامية في ذلك الزمن، تولت الكنيسة عبر القساوسة والرهبان مهمة التعليم والكتاتيب الكنسية، فكانوا يعلمون الأطفال القراءة والكتابة والحساب الأولية، بهدف أساسي يكمن في تمكينهم من قراءة الكتاب المقدس وحفظ التراتيل والصلوات السريانية، مما حافظ على اللغة والتراث والروح الإيمانية متماسكة عبر الأجيال.
فرض هذا الموقع الجغرافي والديني لآزخ في محيطها الكردي العشائري التعامل مع واقع سياسي واجتماعي دقيق ومتقلب؛ إذ خضعت المنطقة لأحكام الأعراف العشائرية والنظام القبلي السائد آنذاك. ونتيجة لذلك، مرت العلاقات بين أهالي آزخ وجيرانهم من القرى والبلدات الكردية المجاورة في ظروف متباينة جمعت بين التناقضات؛ ففي أوقات السلم ازدهرت العلاقات التجارية والتبادل الاقتصادي والجوار الحسن، وتشكّلت أحلاف عشائرية إقليمية عابرة للأديان والقوميات ضمت قرى مسيحية وكردية معاً بغرض الدفاع المشترك والتكاتف ضد الغزوات الخارجية أو المجموعات المتنقلة التي كانت تهدد استقرار المنطقة. غير أن هذه العلاقات لم تخلُ أيضاً من فترات توتر وخصومات وعداوات وصلت في بعض الأحيان إلى النزاعات والاقتتال، نتيجة الخلافات على المراعي والمياه أو الصراعات العشائرية المسلحة التي كانت تشعلها الأعراف القبلية السائدة في ذلك العصر. وفي ظل غياب مؤسسات الطب الحديثة ووسائل الاتصال والتواصل، اعتمد المجتمع الآزخي في طبابة أبنائه على الطب الشعبي والأعشاب الجبلية المجربة والكي والصلوات، بينما كانت القوافل التجارية والرعاة والمسافرون هم المصدر الوحيد لنقل الأخبار والتطورات السياسية من المدن والولايات المجاورة، لتبقى آزخ قبل خمسة قرون مثالاً حياً للبلدة الشرقية الصلبة التي زاوجت بين كفاح الأرض وحفظ الإيمان والأصالة.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:23 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke