![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
«اللباس المحتشم» على الشواطئ السورية: حين تتحوّل العبارات الفضفاضة إلى قيود على الحرية
بقلم: فؤاد زاديكي إنجازٌ غير مسبوق لحكومة الجولاني، إذا كان المقصود بالإنجاز أن تنشغل الحكومة بتحديد ما ينبغي للمواطن أن يرتديه على الشاطئ وفي المسبح، بدلًا من التركيز على القضايا الأكثر إلحاحًا التي تمسّ حياة السوريين ومستقبلهم. فقد أثارت التعليمات المنسوبة إلى وزارة السياحة السورية، في عهد وزير السياحة مازن الصالحاني، بشأن ما سُمّي «اللباس المحتشم» تساؤلات مشروعة عن حدود الحرية الشخصية، وعن المعايير التي تريد السلطة فرضها على المواطنين في أماكن خُصّصت أصلًا للسباحة والاستجمام. فماذا يعني تحديدًا تعبير «اللباس المحتشم»؟ هل المقصود به منع لبس الشورت القصير أو المايوه الذي يكشف أجزاء من الجسم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تُعلن هذه القيود بوضوح وصراحة بدلًا من استخدام تعبيرات فضفاضة تحتمل تفسيرات متعدّدة، وتترك المجال أمام الاجتهادات الشخصية والتطبيق الانتقائي؟ إنّ وصف اللباس بأنّه محتشم أو غير محتشم ليس معيارًا موضوعيًّا ثابتًا، بل يتأثّر بالعادات الاجتماعية والثقافية والقناعات الدينية والفردية. وما يراه شخص غير محتشم قد يراه آخر لباسًا طبيعيًّا ومناسبًا للسباحة. من حقّ كلّ إنسان أن يختار اللباس الذي يتوافق مع قناعاته، فمن أراد ارتداء ملابس سباحة تغطّي معظم جسده، فله كامل الحرية في ذلك، ومن أراد ارتداء الشورت أو المايوه المعتاد، فله الحرية نفسها، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين ولا يخلّ بقواعد السلامة. أمّا أن تتحوّل قناعات فئة اجتماعية معيّنة إلى قواعد مُلزمة للجميع، فذلك لا يُسمّى احترامًا للتنوّع، بل فرضًا لنمط حياة واحد على مجتمع متنوّع في ثقافاته وتوجّهاته. أليس من المفترض أن يأخذ المواطن راحته على الشاطئ وفي المسبح؟ أليست هذه الأماكن مخصّصة للرّاحة والسّباحة والاستمتاع، لا لإخضاع أجساد الناس لرقابة المسؤولين وتصوّراتهم الأخلاقية؟ ولماذا يُطلَب من المواطنين أن يتكيّفوا مع تصوّرات السلطة عن الاحتشام، بدلًا من أن تضمن السلطة للجميع حقّهم في الاستمتاع بالأماكن العامّة في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين؟ إنّ المشكلة لا تكمن في تشجيع اللباس المحافظ، فهذا حقّ شخصي لا يجوز الانتقاص منه، بل في تحويله إلى معيار إلزامي يُفرَض على الآخرين. فاحترام المحافظين لا يتحقّق بإجبار غير المحافظين على تقليدهم، كما أنّ احترام حرية الفرد لا يعني إجبار أحد على ارتداء لباس لا يُريده. الحرية الحقيقية هي أن تتّسع الشواطئ للجميع، وأن يستطيع كلّ شخص اختيار لباسه دون خوف من المنع أو التوبيخ أو التعرّض لإجراءات تعسفيّة. وإذا كانت الحكومة تتحدّث عن مُراعاة مشاعر مختلف فئات المجتمع، فمن حقّنا أن نسأل: لماذا تُعطَى مشاعر الفئة الأكثر مُحافظةً الأولويّة على حرّية بقيّة المواطنين؟ أليست مشاعر الذين يُريدون السباحة بملابسهم المعتادة جديرة بالاحترام أيضًا؟ وهل يُعقَل أن يُصبح الحلّ للتنوّع الاجتماعي هو فرض تصوّر واحد على الجميع، بدلًا من ترسيخ ثقافة التعايش وقبول الاختلاف؟ ثمّ إنّ استخدام عبارة «الذّوق العامّ» أو «اللباس المُحتشم» دون تعريف دقيق وواضح يفتح الباب أمام تطبيقات مُتباينة، قد تختلف باختلاف المكان والمسؤول والمزاج الشخصي لمن يتولّى التنفيذ. فهل يُترَك تحديد المَسموح والمَمنوع لتقدير موظّف أو مسؤول؟ وهل ينبغي أن يشعر المواطن بالقلق من أن يُصبح لباسه سببًا لمنعه من دخول شاطئ أو مسبح عام؟ إنّ مهمّة الدولة ليست إدارة تفاصيل الحياة الشخصية للمواطنين أو فرض الوصاية على أجسادهم، بل حماية حقوقهم وحرياتهم، وضمان سلامتهم، وتطبيق قواعد واضحة وعادلة على الجميع. وإذا كانت هناك متطلّبات تتعلّق بالسلامة أو طبيعة منشأة خاصّة، فينبغي أن تكون مُحدّدة ومُعلَنة ومُتناسبة مع الغرض منها، لا أن تتحوّل العبارات الغامضة إلى وسيلة لتقييد الحريات. السوريون الذين عانوا طويلًا من القمع والتدخّل في حياتهم يستحقّون دولة تحترم خياراتهم الشخصية وتتعامل معهم بوصفهم مواطنين أحرارًا، لا رَعايا ينبغي تلقينهم كيف يلبسون وكيف يعيشون وكيف يستمتعون بأوقاتهم. فبناء دولة حديثة لا يبدأ بفرض المزيد من القيود على لباس الناس، بل بإرساء سيادة القانون، وصون الحريات الفردية، واحترام التنوع الاجتماعي والثقافي. فالاحتشام، إن كان خيارًا شخصيًّا، يستحقّ الاحترام، أمّا حين يتحوّل إلى إلزام تفرضه السلطة على الجميع، فإنّه يُصبح قيدًا على الحرية. والشاطئ الذي لا يتّسع لاختلاف الناس في لباسهم، لا يعكس مجتمعًا يحترم التنوّع، بل مجتمعًا يُطلَب من أفراده أن يتشابهوا حتى في أبسط خياراتهم الشخصيّة. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
«اللباس المحتشم» على الشواطئ السورية: حين تتحوّل العبارات الفضفاضة إلى قيود على الحرية
«اللباس المُحتشِم» على الشواطئ السورية: حين تتحوّل العبارات الفضفاضة إلى قُيود على الحرية بقلم: فؤاد زاديكي إنجازٌ غير مَسبوق لحكومة الجولاني، إذا كان المقصود بالإنجاز أن تنشغل الحكومة بتحديد ما ينبغي للمواطن أن يرتديه على الشاطئ وفي المسبح، بدلًا من التركيز على القضايا الأكثر إلحاحًا التي تمسّ حياة السوريين ومستقبلهم. فقد أثارت التعليمات المَنسوبة إلى وزارة السياحة السورية، في عهد وزير السياحة مازن الصالحاني، بشأن ما سُمّي ب«اللباس المُحتشِم» تساؤلات مشروعة عن حدود الحرية الشخصية، وعن المعايير التي تُريد السلطة فرضَها على المواطنين في أماكن خُصّصت أصلًا للسباحة والاستجمام. فماذا يعني تَحديدًا تعبير «اللباس المُحتشِم»؟ هل المقصود به مَنع لبس الشورت القصير أو المايوه الذي يكشف أجزاء من الجسم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تُعلَن هذه القيود بوضوح وصراحة بدلًا من استخدام تعبيرات فضفاضة تحتمل تفسيرات مُتعدّدة، وتترك المجال أمام الاجتهادات الشخصية والتطبيق الانتقائي؟ إنّ وصف اللباس بأنّه مُحتشِم أو غير مُحتشِم ليس مِعيارًا موضوعيًّا ثابتًا، بل يتأثّر بالعادات الاجتماعية والثقافية والقناعات الدينية والفردية. وما يراه شخص غير مُحتشِم قد يراه آخر لباسًا طبيعيًّا ومناسبًا للسباحة. من حقّ كلّ إنسان أن يَختار اللباس الذي يتوافق مع قناعاته، فَمَن أراد ارتداء ملابس سباحة تُغطّي مُعظم جسده، فله كامل الحرية في ذلك، ومَن أراد ارتداء الشورت أو المايوه المُعتاد، فله الحرية نفسها، ما دام لا يَعتدي على حقوق الآخرين ولا يُخِلّ بقواعد السلامة. أمّا أن تتحوّل قناعات فِئة اجتماعية مُعيّنة إلى قواعد مُلزِمة للجميع، فذلك لا يُسمّى احترامًا للتنوّع، بل فرضًا لنمط حياة واحد على مُجتمع مُتنوّع في ثقافاته وتوجّهاته. أليس من المُفترض أن يأخذ المواطن راحته على الشاطئ وفي المسبح؟ أليست هذه الأماكن مُخصّصة للرّاحة والسّباحة والاستمتاع، لا لإخضاع أجساد الناس لرقابة المسؤولين وتصوّراتهم الأخلاقية؟ ولماذا يُطلَب من المواطنين أن يَتكيّفوا مع تصوّرات السلطة عن الاحتشام، بدلًا من أن تضمن السلطة للجميع حقّهم في الاستمتاع بالأماكن العامّة في إطار القانون واحترام حقوق الآخرين؟ إنّ المشكلة لا تكمن في تشجيع اللباس المُحافظ، فهذا حقّ شخصي لا يَجوز الانتقاص منه، بل في تحويله إلى مِعيار إلزامي يُفرَض على الآخرين. فاحترام المُحافظين لا يتحقّق بإجبار غير المُحافظين على تقليدهم، كما أنّ احترام حرية الفرد لا يعني إجبار أحد على ارتداء لباس لا يُريده. الحرية الحقيقية هي أن تتّسع الشواطئ للجميع، وأن يستطيع كلّ شخص اختيار لباسه دون خوف من المَنع أو التوبيخ أو التعرّض لإجراءات تعسفيّة. وإذا كانت الحكومة تتحدّث عن مُراعاة مشاعر مختلف فئات المجتمع، فَمِن حقّنا أن نسأل: لماذا تُعطَى مشاعر الفئة الأكثر مُحافظةً الأولويّة على حرّية بقيّة المواطنين؟ أليست مشاعر الذين يُريدون السباحة بملابسهم المُعتادة جديرة بالاحترام أيضًا؟ وهل يُعقَل أن يُصبح الحلّ للتنوّع الاجتماعي هو فرض تصوّر واحد على الجميع، بدلًا من تَرسيخ ثقافة التعايش وقُبول الاختلاف؟ ثمّ إنّ استخدام عبارة «الذّوق العامّ» أو «اللباس المُحتشِم» دون تعريف دقيق وواضح يفتح الباب أمام تطبيقات مُتباينة، قد تختلف باختلاف المكان والمسؤول والمزاج الشخصي لِمَن يَتولّى التّنفيذ. فهل يُترَك تحديد المَسموح والمَمنوع لتقدير موظّف أو مسؤول؟ وهل ينبغي أن يشعر المواطن بالقلق من أن يُصبح لباسُه سببًا لمنعه من دُخول شاطئ أو مسبح عامّ؟ إنّ مهمّة الدولة ليست إدارة تفاصيل الحياة الشخصية للمواطنين أو فرض الوصاية على أجسادهم، بل حماية حقوقهم وحرياتهم، وضمان سلامتهم، وتطبيق قواعد واضحة وعادلة على الجميع. وإذا كانت هناك مُتطلّبات تَتعلّق بالسلامة أو طبيعة مُنشأة خاصّة، فينبغي أن تكون مُحدّدة ومُعلَنة ومُتناسبة مع الغرَض منها، لا أن تتحوّل العبارات الغامضة إلى وسيلة لتقييد الحريات. السوريون الذين عانوا طويلًا من القمع والتدخّل في حياتهم يستحقّون دولة تحترم خياراتهم الشخصية وتتعامل معهم بوصفهم مواطنين أحرارًا، لا رَعايا ينبغي تلقينهم كيف يلبسون وكيف يَعيشون وكيف يستمتعون بأوقاتهم. فبناء دولة حديثة لا يبدأ بفرض المزيد من القيود على لباس الناس، بل بإرساء سيادة القانون، وصون الحريات الفردية، واحترام التنوّع الاجتماعي والثقافي. فالاحتشام، إن كان خيارًا شخصيًّا، يستحقّ الاحترام، أمّا حين يتحوّل إلى إلزام تفرضه السلطة على الجميع، فإنّه يُصبح قيدًا على الحرية. والشاطئ الذي لا يتّسع لاختلاف الناس في لباسهم، لا يعكس مجتمعًا يحترم التنوّع، بل مجتمعًا يُطلَب من أفراده أن يتشابهوا حتى في أبسط خياراتهم الشخصيّة. «اللباس المحتشم» على الشواطئ السورية: حين تتحوّل العبارات الفضفاضة إلى قيود على الحرية |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|