![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
انفجارات مستودعات السلاح في سوريا: تحقيقات معلنة ونتائج غائبة
الباحث: فؤاد زادبكى تثير سلسلة الانفجارات التي طالت مستودعات ومواقع تحتوي على الأسلحة والذخائر في سوريا، منذ عام 2025 وحتى أيلول/سبتمبر 2026، أسئلة متزايدة حول أسبابها الحقيقية، ومدى سلامة آليات تخزين ونقل الذخائر والتعامل مع مخلفات الحرب، والأهم حول نتائج التحقيقات التي أعلنت السلطات السورية فتحها في عدد من هذه الحوادث. ولا تكمن المشكلة في وقوع انفجار هنا أو هناك في بلد خرج من حرب طويلة وخلّف وراءه كميات هائلة من الذخائر ومخلفات الحرب، وإنما في تكرار الحوادث وتوزعها جغرافياً وتقارب بعضها زمنياً، في مقابل محدودية المعلومات الرسمية المنشورة عن أسبابها النهائية. ومن المهم، قبل إطلاق أي استنتاج، التفريق بين ما ثبت رسمياً وما بقي مجهولاً. فقد أعلنت السلطات السورية في إحدى أهم الحالات، وهي انفجار مستودع الذخيرة في محيط معرة مصرين بريف إدلب في 24 تموز/يوليو 2025، فتح تحقيق عاجل وشامل لمعرفة ملابسات الانفجار وأسبابه. وبعد نحو شهرين، أعلنت وزارة الدفاع في 22 أيلول/سبتمبر 2025 أن التحقيق خلص إلى أن سبب الانفجار هو سوء تخزين الأسلحة والذخائر. وأسفر ذلك الحادث، وفق بيان وزارة الدفاع اللاحق، عن مقتل 11 شخصاً وإصابة عدد من الأشخاص، كما أعلنت الوزارة تقديم تعويضات للضحايا والمتضررين تجاوز مجموعها مليون دولار. وهذه الحالة مهمة لأنها تثبت أن فتح التحقيقات لم يكن في كل الحالات مجرد إعلان إعلامي، وأن السلطات استطاعت في حالة واحدة على الأقل أن تعلن نتيجة محددة بعد فترة زمنية ليست قصيرة. لكن حادثة معرة مصرين لا تقدم تفسيراً تلقائياً لبقية الانفجارات. ففي النيرب بريف حلب، وفي حوادث أخرى مرتبطة بذخائر ومخلفات حرب، أعلنت السلطات أو الجهات الرسمية أن التحقيقات جارية أو أن المواقع تحتوي على ذخائر قديمة، من دون نشر نتائج تفصيلية تحدد في كل مرة ما الذي أشعل الانفجار تحديداً. كما شهدت كفرتخاريم بريف إدلب في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2025 انفجاراً أدى إلى مقتل خمسة أشخاص بحسب التقارير المنشورة، بينما بقيت التفاصيل النهائية بشأن سبب الحادث محدودة في المصادر الرسمية المتاحة. وتوثق منصة «تأكد» مساراً أوسع من الحوادث التي شملت أيضاً جوسية والعباسية والأتارب ومجمع الغزالي في درعا والهبيط وبنش، وهي حوادث اختلفت ظروفها بين التعامل مع ذخائر قديمة، ومخلفات حرب، والنقل والتخزين، ولم تنته جميعها إلى نتائج تحقيق معلنة ومفصلة. ووفق قاعدة البيانات التي أعدتها «تأكد»، جرى توثيق عشرة حوادث أساسية مرتبطة بانفجارات مخازن ومواقع الأسلحة والذخائر، خلفت 41 قتيلاً و82 مصاباً وفق آخر الحصائل التي أمكن توثيقها، مع وجود حوادث أخرى مرتبطة بالنقل أو التعامل مع المتفجرات أُبقيت خارج العينة الأساسية بسبب اختلاف طبيعتها. وفي أيلول/سبتمبر 2026 أخذت الظاهرة منحى أكثر إثارة للقلق، إذ وقعت عدة حوادث خلال فترة زمنية قصيرة وفي مناطق متباعدة. ففي الأول من أيلول/سبتمبر انفجرت سيارة محملة بالذخيرة أثناء نقلها عند المدخل الغربي لمدينة بنش بريف إدلب، ما أدى، وفق توثيق المرصد السوري لحقوق الإنسان، إلى مقتل خمسة أشخاص وإصابة أكثر من خمسة آخرين، بينما صنفت «تأكد» هذا الحادث ضمن وقائع النقل وليس ضمن عينة انفجارات المستودعات. وبعد ثمانية أيام، في التاسع من أيلول/سبتمبر، وقع انفجار كبير في مخزن مؤقت للأسلحة ومخلفات الحرب قرب سرمدا شمالي إدلب، وارتفعت حصيلته الرسمية إلى 14 قتيلاً و11 مصاباً، بينهم مدنيون. وأعلنت وزارة الدفاع السورية في حينه أن الجهات المختصة تواصل التحقيق لمعرفة أسباب الحادث وملابساته، وأكدت تحملها المسؤولية الكاملة عنه، لكنها لم تعلن حتى الآن نتيجة تحدد ما الذي أدى إلى انفجار المخزن. وبعد ثلاثة أيام، في 12 أيلول/سبتمبر، وقع انفجار شمال غربي مدينة الضمير بريف دمشق. وهنا قدمت السلطات تفسيراً أولياً واضحاً نسبياً، إذ قالت إن ذخائر تالفة انفجرت بعدما نُقلت وخُزنت في مستودع ناءٍ تمهيداً لإبطالها، وأكدت أن الحادث لم يسفر عن خسائر أو إصابات. لكن حتى في هذه الحالة لا نملك تقرير تحقيق منشوراً يشرح الشرارة أو العامل المباشر الذي أدى إلى انفجار الذخائر؛ فالسلطات حددت طبيعة المواد وظروف وجودها، لكنها لم تقدم للرأي العام تحقيقاً فنياً مفصلاً يبين سبب الانفجار في تلك اللحظة. ثم جاء انفجار عياش في ريف دير الزور الغربي في 18 أيلول/سبتمبر، داخل مستودع للذخيرة في موقع تابع لوزارة الدفاع. ووفق آخر الحصائل التي أوردها المرصد السوري لحقوق الإنسان، أدى الحادث إلى مقتل 11 عسكرياً وإصابة نحو عشرة آخرين، مع ورود معلومات عن مفقودين وأشلاء. وفي هذه الحالة أعلنت وزارة الدفاع التحقيق في الأسباب، لكنها لم تقدم، حتى نهاية فترة الرصد، تفسيراً رسمياً نهائياً يوضح ما إذا كان الانفجار ناجماً عن خلل في الذخائر أو ظروف التخزين أو سبب آخر. وبعد ثلاثة أيام فقط، في 21 أيلول/سبتمبر، جاءت انفجارات العيس في ريف حلب الجنوبي لتضيف حلقة جديدة إلى السلسلة. بدأت الانفجارات فجراً داخل مستودع للذخيرة واستمرت قرابة ساعة بحسب التقارير المنشورة، فيما تطايرت المقذوفات والذخائر إلى مسافات بعيدة، واضطرت عائلات إلى مغادرة منازلها وأُغلقت طرق مؤدية إلى المنطقة. وأفادت التقارير بإصابة أربعة أشخاص، بينما لم تُسجل في المصادر التي راجعتها حصيلة قتلى مؤكدة للحادث. وفي أعقاب ذلك أعلنت وزارة الدفاع أنها تواصل التحقيق في الانفجارات التي شهدتها بعض المواقع العسكرية، وربطت نتائج التحقيق بتحديد المسؤوليات واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرار الحوادث، لكن لم تنشر حتى الآن نتيجة تفصيلية تحدد سبب انفجار العيس أو ما إذا كان مرتبطاً بحوادث سرمدا وعياش. وبذلك، فإن تسلسل أيلول/سبتمبر وحده يكشف المشكلة بوضوح: انفجار ذخائر أثناء النقل في بنش، ثم انفجار مخزن مؤقت في سرمدا أدى إلى 14 قتيلاً و11 مصاباً، ثم انفجار ذخائر تالفة في الضمير من دون ضحايا، ثم انفجار مستودع في عياش أدى إلى مقتل 11 عسكرياً وإصابة نحو عشرة، ثم انفجارات العيس التي أدت إلى إصابات وإجلاء عائلات وانتشار ذخائر غير منفجرة. وخلال فترة قصيرة جداً، كانت هذه الحوادث موزعة بين إدلب وريف دمشق ودير الزور وريف حلب، الأمر الذي جعل التساؤل عن وجود خلل مشترك أو صلة بين بعضها أمراً طبيعياً، وإن كان لا يثبت بحد ذاته وجود صلة سببية بينها. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن هناك بالفعل تفسيراً واقعياً ومهماً لجزء من هذه الظاهرة، يتمثل في وجود كميات كبيرة من الذخائر القديمة ومخلفات الحرب التي يجري جمعها ونقلها وتفكيكها وتخزينها مؤقتاً قبل إتلافها. وهذا المسار ظهر في الضمير، وظهر في مواقع أخرى مثل الأتارب ومجمع الغزالي، كما ارتبطت بعض الحوادث بعملية النقل نفسها، كما حدث في بنش والهبيط. ومن ثم فإن القول إن حالة الذخائر القديمة وسوء التخزين قد تكون عاملاً رئيسياً ليس افتراضاً بلا أساس؛ بل توجد حادثة معرة مصرين التي أعلنت وزارة الدفاع أن التحقيق فيها انتهى إلى سوء التخزين، كما توجد حادثة الضمير التي ربطت السلطات انفجارها بذخائر تالفة. لكن المشكلة تبدأ عندما يُراد استخدام هذا التفسير لتغطية جميع الحوادث. فمعرفة أن المستودع يحتوي على ذخائر قديمة أو مخلفات حرب لا تعني بالضرورة معرفة سبب انفجارها. هناك فرق بين السؤال: «ماذا كان موجوداً في الموقع؟» والسؤال: «ما الذي أدى إلى الانفجار؟». ففي سرمدا، أعلنت وزارة الدفاع أن الموقع كان مخزناً مؤقتاً للأسلحة ومخلفات الحرب، لكنها لم تعلن ما الذي أشعل الانفجار. وفي عياش والعيس لم تقدم السلطات، حتى نهاية فترة الرصد، تفسيراً نهائياً مماثلاً لما قدمته في معرة مصرين. وهذا تحديداً هو الفراغ المعلوماتي الذي يجعل فرضيات متعددة تستمر في التداول. وقد ظهرت بالفعل تفسيرات وفرضيات تتراوح بين سوء التخزين وتدهور الذخائر من جهة، وبين احتمال التخريب أو الاستهداف الخارجي من جهة أخرى. كما طُرحت فرضية ارتباط بعض الحوادث بجهات مسلحة، لكن لا توجد في المعلومات الرسمية المنشورة التي راجعتها نتيجة تحقيق تثبت أن سرمدا أو عياش أو العيس كانت عمليات تخريب متعمد، كما لا توجد نتيجة رسمية تثبت أنها كانت ضربات خارجية. ولذلك فإن تحويل أي من هذه الفرضيات إلى حقيقة سيكون تجاوزاً لما تسمح به الأدلة المنشورة حالياً. وقد خلصت «تأكد» إلى أن غياب النتائج الرسمية هو الذي أبقى هذه الروايات المتنافسة قائمة، لا وجود دليل معلن يحسم إحداها. ومن هنا يعود السؤال الأساسي: هل من الطبيعي أن تستغرق التحقيقات كل هذا الوقت؟ الجواب هو أن التحقيق الفني في انفجار مستودع ذخيرة يمكن أن يستغرق أسابيع أو أشهراً، خصوصاً إذا أدى الانفجار إلى تدمير الأدلة المادية أو كانت هناك ذخائر متعددة الأنواع والمصادر، وإذا كان على المحققين استبعاد احتمالات التخزين السيئ والخلل الفني والتخريب والاستهداف الخارجي. وحالة معرة مصرين تقدم مثالاً على أن التحقيق قد يستغرق نحو شهرين قبل إعلان النتيجة. لكن طول المدة وحده لا يثبت أن السلطات عاجزة عن معرفة الحقيقة، ولا يثبت في المقابل أنها لا تخفي شيئاً. ما يمكن قوله استناداً إلى الوقائع هو أن هناك فرقاً واضحاً بين «إعلان فتح التحقيق» و«إعلان نتيجة التحقيق». السلطات السورية أعلنت فتح تحقيقات في سرمدا وعياش والعيس، وأعلنت أنها ستحدد الأسباب والمسؤوليات وتتخذ إجراءات لمنع تكرار الحوادث، لكن النتائج النهائية لهذه الحوادث لم تُنشر حتى نهاية فترة الرصد التي وصلت إلى 29 أيلول/سبتمبر 2026. وتؤكد منصة «تأكد» أن أسباب أبرز حوادث أيلول بقيت خارج البيانات الرسمية المنشورة، رغم معرفة طبيعة المواقع وحصيلة الضحايا في عدد منها. وهنا لا بد من الحذر في تفسير الصمت الرسمي. فعدم نشر النتائج يمكن أن يعني أن التحقيقات لم تصل بعد إلى نتيجة قاطعة، ويمكن أن يعني أن السلطات تتحفظ عن نشر معلومات قد تكشف نقاط ضعف أمنية أو عسكرية، ويمكن أيضاً أن يعني وجود اعتبارات مؤسسية أو سياسية تتعلق بطريقة إدارة الملف والإعلان عنه. لكن لا توجد، في المعلومات المنشورة التي أمكن التحقق منها، أدلة كافية تسمح بالجزم بأن السلطات تعرف الحقيقة كاملة وتتعمد إخفاءها عن الشعب. وبالمثل لا يمكن الجزم بأنها عاجزة عن الوصول إلى الحقيقة. ما يمكن إثباته هو أن المعلومات المتاحة للجمهور لا تزال ناقصة، وأن السلطات مطالبة، من منظور الشفافية والسلامة العامة، بتقديم نتائج واضحة عندما تكتمل التحقيقات. وتزداد أهمية هذا الأمر لأن ضحايا هذه الحوادث ليسوا مجرد أرقام في بيانات عسكرية. فقد قتل في معرة مصرين 11 شخصاً، وفي سرمدا 14 شخصاً وأصيب 11، وفي عياش قتل 11 عسكرياً وأصيب نحو عشرة آخرين، وفي بنش قتل خمسة وأصيب آخرون، بينما وقعت إصابات في حوادث أخرى، واضطرت عائلات في محيط العيس إلى إخلاء منازلها بسبب الانفجارات والذخائر المتطايرة. وفي بعض المواقع كانت مخازن الأسلحة قريبة من مناطق مأهولة، ما يجعل معرفة سبب الحادث جزءاً من حق السكان في معرفة مستوى الخطر الذي يحيط بهم، وليس مجرد شأن عسكري مغلق. وتشير الصورة الإجمالية التي وثقتها المصادر إلى أن المسألة ليست حادثاً منفرداً. فقد وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان 17 حادثة انفجار في مستودعات ومخازن ومواقع تحتوي على أسلحة وذخائر منذ مطلع 2025 وحتى 21 أيلول/سبتمبر 2026، فيما أحصت «تأكد» مجموعة أضيق من الحوادث وفق منهجية مختلفة. وهذا الاختلاف في أعداد الحوادث لا يغير جوهر المسألة: هناك تكرار موثق لحوادث مرتبطة بالأسلحة والذخائر في مناطق سورية متعددة، وهناك في الوقت نفسه تفاوت كبير في مقدار المعلومات الرسمية المنشورة حول أسبابها. إن أكثر ما يحتاجه هذا الملف اليوم ليس بالضرورة الكشف عن كل التفاصيل العسكرية الحساسة، وإنما نشر نتائج التحقيقات بالحد الأدنى الذي يسمح للسوريين بفهم ما حدث: هل كان السبب سوء التخزين؟ هل كانت الذخائر تالفة؟ هل وقع خطأ أثناء النقل أو التفكيك؟ هل توجد شبهة تخريب؟ هل ثبت وجود استهداف خارجي؟ وهل هناك مسؤولية إدارية أو أمنية أو فنية؟ وإذا كانت التحقيقات لم تحسم أياً من هذه الأسئلة بعد، فإن قول ذلك بوضوح للرأي العام سيكون أكثر شفافية من ترك فراغ المعلومات مفتوحاً أمام عشرات الروايات. وبناءً على ما هو متاح حتى 29 أيلول/سبتمبر 2026، يمكن تثبيت حقيقة واحدة بوضوح: السلطات السورية لم تنشر نتائج نهائية لجميع التحقيقات التي أعلنت فتحها بشأن سلسلة الانفجارات الأخيرة، وإن كانت قد أعلنت نتيجة تحقيق واضحة في حادثة معرة مصرين، كما قدمت تفسيرات أولية لبعض الحوادث الأخرى، مثل انفجار الذخائر التالفة في الضمير. أما سرمدا وعياش والعيس، وهي من أكثر حوادث أيلول/سبتمبر دموية وإثارة للتساؤلات، فما زالت أسباب انفجاراتها النهائية غير معلنة رسمياً حتى الآن. ولذلك فإن الحديث عن وجود تستر متعمد يبقى استنتاجاً غير مثبت، كما أن اعتبار كل هذه الانفجارات مجرد حوادث ناجمة عن سوء التخزين يبقى هو الآخر غير مثبت. الحقيقة الوحيدة التي يمكن قولها بثقة هي أن الفجوة بين إعلان التحقيقات وإعلان نتائجها ما زالت قائمة، وأن استمرار هذه الفجوة، مع تكرار الحوادث وسقوط الضحايا، يجعل نشر نتائج التحقيقات أمراً بالغ الأهمية للسلامة العامة ولثقة السوريين بالمؤسسات التي تتولى إدارة هذه الذخائر ومواقع تخزينها. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|