![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
السريان والآشوريون والكلدان بين الأناضول وسورية… نزوحٌ وهجرةٌ وحدودٌ جديدة أعادت رسم خريطة المنطقة
عندما نتحدث عن السريان والآشوريين والكلدان الذين انتقلوا إلى سورية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، يجب أولاً أن ننتبه إلى حقيقة تاريخية أساسية: الحدود السورية ـ التركية التي نعرفها اليوم لم تكن موجودة عندما كانت هذه الجماعات تعيش وتتحرك في تلك المنطقة. فماردين وطور عابدين ونصيبين وجزيرة ابن عمر وأورفا وديار بكر وهكاري وعينتاب وكيليكيا وحلب والجزيرة كانت أجزاء مترابطة من المجال العثماني، وكانت بينها علاقات دينية وتجارية وعائلية وقبلية واسعة. لذلك فإن وصف كل انتقال من هذه المناطق إلى سورية الحالية بأنه "هجرة من تركيا إلى سورية" هو وصف صحيح فقط بالنسبة إلى الفترات التي تلت تشكل الحدود الحديثة، أما قبل ذلك فالأدق أن نتحدث عن انتقال بين مناطق أصبحت لاحقاً موزعة بين تركيا وسورية. كان السريان والآشوريون والكلدان منتشرين قبل الحرب العالمية الأولى في مساحة واسعة من جنوب شرقي الأناضول وشمال بلاد الرافدين، وكان لهم وجود تاريخي في ماردين، نصيبين، طور عابدين، ميديات، جزيرة ابن عمر، ديار بكر، أورفا، سعرد، هكاري ومناطق أخرى. وكانت البطريركية السريانية الأرثوذكسية في دير الزعفران قرب ماردين منذ عام 1293، الأمر الذي يوضح عمق الوجود السرياني في هذه المنطقة. كما عاش في الشرق، ولا سيما في جبال هكاري، أتباع كنيسة المشرق، وهم الذين أصبح يُشار إلى معظمهم في الأدبيات الحديثة بالآشوريين، بينما كان للكلدان وجودهم التاريخي المرتبط بالكنيسة الكلدانية الكاثوليكية. ("Syriac Heritage Project" (https://www.syriacheritageproject.or...cres-1915-1924) ) وكانت طور عابدين واحدة من أهم المراكز السريانية، وتضم ميديات وعشرات القرى والأديرة والكنائس. ومن القرى والبلدات التي ارتبطت تاريخياً بها: ميديات، آزخ/إيديل، عين وردو، أنحل، حاح، كفرو، كفرزي، كربوران، بصرينو، بنكلب، بيت قسطان، بيت إسحاق، بوتي، شوري، معصرتي، مزّيزة، أوردناس، زاز، زنگن، مرزوانية، مشتي، بالان، شاهر كان، آراناس، تمَرزة ودير قبو وغيرها. وكانت هذه القرى مرتبطة ببعضها وبماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر من خلال شبكات دينية واقتصادية واجتماعية قديمة. وفي الجهة الأخرى من هذه الجغرافيا كانت حلب والجزيرة الفراتية مناطق متصلة بهذه البلاد. ولم تكن هناك حدود دولية تمنع انتقال التجار والرهبان والفلاحين وأفراد العائلات والقبائل كما أصبحت الحدود تفعل لاحقاً. ولهذا فإن بعض العائلات السريانية والآشورية والكلدانية كانت موجودة في الأراضي التي أصبحت سورية الحديثة قبل أن تصبح تلك الأراضي دولة سورية بحدودها الحالية، كما أن بعض الأسر كانت موزعة بين ضفتي الحدود التي ستنشأ لاحقاً. ثم جاءت أواخر القرن التاسع عشر، وشهدت المنطقة موجات من العنف والاضطراب ضد المسيحيين، كان من نتائجها سقوط أعداد من الضحايا ونزوح بعض السكان. لكن التحول الأكبر جاء مع الحرب العالمية الأولى وسنة 1915، التي أصبحت في الذاكرة السريانية باسم سيفو، وشهدت مناطق واسعة من الدولة العثمانية قتل وترحيل ومصادرة ممتلكات وتدمير قرى وكنائس استهدفت السريان والآشوريين والكلدان، بالتزامن مع الكارثة التي تعرض لها الأرمن. في طور عابدين وماردين ونصيبين وديار بكر وأورفا ومناطق أخرى، قتل عدد كبير من المسيحيين، وفر آخرون من قراهم. وتعرضت قرى مثل بيت إسحاق وبنكلب ومشتي وزنگن ومرزوانية وباليان ومعصرتي وبوتي وغيرها لمآسٍ متفاوتة بين القتل الجماعي والنزوح وتدمير الممتلكات. وأصبحت قرى مثل عين وردو مراكز مقاومة ولجوء، بينما تحولت مناطق أخرى إلى محطات مؤقتة للناجين والفارين. لكن مرة أخرى، لا ينبغي تصور الأمر وكأن الجميع عبر الحدود إلى سورية سنة 1915. فقد بقيت جماعات سريانية كبيرة في موطنها، وحاول بعض الناجين العودة إلى قراهم بعد انتهاء الحرب. كما أن بعض من خرجوا اتجهوا إلى العراق، وبعضهم إلى سورية، وبعضهم إلى مناطق أخرى. ولذلك استمر النزوح على شكل موجات متتالية خلال عشرينيات القرن العشرين. وكانت أورفا/الرها من أبرز الأمثلة على هذه المرحلة. فقد بقي فيها بعد الحرب مجتمع مسيحي كبير نسبياً، لكنه تعرض لضغوط متزايدة، وفي عام 1924 غادر آخر قسم كبير من السريان الأرثوذكس المدينة باتجاه سورية، واستقر كثير منهم في حلب، مروراً بسروج وجرابلس. وهذه الهجرة كانت بالفعل هجرة عبر حدود سياسية أصبحت أكثر وضوحاً بعد الحرب، لكنها كانت في الوقت نفسه انتقالاً بين مناطق كان سكانها مرتبطين منذ قرون. ("Syriac Heritage Project" (https://www.syriacheritageproject.or...cres-1915-1924) ) وكانت ماردين حالة أخرى بالغة الأهمية. فقد بقي دير الزعفران مركز البطريركية السريانية الأرثوذكسية قروناً، لكن الظروف السياسية الجديدة جعلت استمرار المقر في تركيا أمراً شديد الصعوبة. خرج البطريرك ومؤسسات الكنيسة من المنطقة خلال العشرينيات، ثم نُقل مقر البطريركية رسمياً إلى حمص سنة 1933 في عهد البطريرك مار إغناطيوس أفرام الأول برصوم. وبعد ذلك، في عهد البطريرك يعقوب الثالث، انتقل المقر من حمص إلى دمشق سنة 1959. وبالتالي فإن سلسلة انتقال المقر كانت: دير الزعفران قرب ماردين → حمص سنة 1933 → دمشق سنة 1959. وهذا الانتقال الكنسي يعكس التحول السكاني الأوسع: فالمركز التاريخي الذي كان في ماردين وطور عابدين وجد نفسه بعد الحرب منفصلاً سياسياً عن المجتمع السرياني الذي بدأ يتشكل في سورية. وفي الوقت نفسه ظهرت مراكز جديدة للسريان في الجزيرة السورية، وخاصة الحسكة، القامشلي، المالكية/ديريك، القحطانية/قبور البيض، الدرباسية، عامودا، رأس العين وتل تمر، إضافة إلى حلب ودمشق وحمص ومدن أخرى. وقد استقبلت الجزيرة لاجئين سرياناً من طور عابدين وآزخ وماردين ومناطق أخرى، وأعيد بناء قرى وكنائس ومدارس ومؤسسات جديدة فيها. أما الآشوريون من هكاري، فكان مسارهم مختلفاً بعض الشيء. فقد شهدت المنطقة خلال الحرب العالمية الأولى نزوحاً واسعاً، واتجهت مجموعات كبيرة إلى العراق وإيران، ثم تعرضت جماعات آشورية أخرى للنزوح بعد الأحداث اللاحقة. وبعد أحداث سميل في العراق سنة 1933 وصل نحو 13 ألف آشوري إلى سورية، وأقامت سلطات الانتداب الفرنسي تجمعات لهم على نهر الخابور، وأصبح تل تمر مركزاً رئيسياً لهذه القرى. وهنا نجد مثالاً آخر على أهمية عدم اختزال التاريخ في عبارة "هجرة من تركيا إلى سورية"، لأن تاريخ آشوريي الخابور ارتبط بمسارات امتدت من هكاري إلى العراق ثم إلى سورية، وليس بانتقال مباشر واحد. أما الكلدان، فقد كان لهم وجود تاريخي في ماردين وأورفا وديار بكر وجزيرة ابن عمر ومناطق أخرى، وخرجت جماعات منهم خلال الحرب وبعدها إلى سورية والعراق ولبنان. وفي أورفا، مثلاً، كان المجتمع المسيحي المتبقي في العشرينيات يضم السريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك والكلدان والأرمن، ثم تقلص هذا الوجود مع استمرار الهجرة. ومع ذلك، يجب ألا ننسب كل الوجود السرياني والآشوري والكلداني في سورية إلى موجة 1915. فقد كانت حلب ومناطق الفرات والجزيرة مرتبطة أصلاً بالمناطق الواقعة شمالها، وكانت هناك جماعات مسيحية موجودة في سورية العثمانية قبل الحرب، كما أن بعض الأسر انتقلت قبل رسم الحدود الحديثة لأسباب اقتصادية أو دينية أو عائلية. ولذلك فإن المجتمع الذي ظهر في سورية بعد الحرب كان مزيجاً من سكان مسيحيين محليين سابقين، ونازحين وناجين من 1915، وعائلات انتقلت خلال العشرينيات والثلاثينيات، ثم مهاجرين جدد في العقود اللاحقة. وبعد اتفاقية أنقرة سنة 1921 ومعاهدة لوزان سنة 1923 أخذت الحدود التركية ـ السورية شكلها الدولي الجديد، وإن بقيت مناطق وقضايا حدودية موضع ترتيبات لاحقة. وهنا حدث التحول الأكبر: فقد أصبح كثير من السريان الذين كانت قراهم وكنائسهم ومراكزهم الدينية شمال الخط الجديد مواطنين في دولة أخرى، بينما أصبح أقاربهم ومؤسساتهم الجديدة جنوب الخط في سورية. ولذلك لا يمكن فهم النزوح السرياني من دون فهم عملية ترسيم الحدود نفسها. ولم تنته الحركة عند العشرينيات. فمنذ الستينيات بدأت موجة مختلفة من الهجرة السريانية من طور عابدين، وكانت وجهتها الأساسية أوروبا، وخاصة ألمانيا والسويد وهولندا وبلدان أخرى. وكانت أسبابها مختلفة عن أسباب سيفو: اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية، ثم تفاقمت خلال الثمانينيات والتسعينيات في سياق الصراع المسلح في جنوب شرقي تركيا. وهكذا استمر تقلص الوجود السرياني في طور عابدين حتى بعد أن كانت موجات النزوح الكبرى إلى سورية قد انتهت. ولهذا فإن قصة السريان والآشوريين والكلدان ليست ببساطة قصة "جماعات جاءت من تركيا إلى سورية"، بل قصة شعوب كانت تعيش في فضاء جغرافي متصل، ثم جاءت الحرب العالمية الأولى، وسيفو، وانهيار الدولة العثمانية، وترسيم الحدود، وقيام الدول الحديثة، فأصبحت القرى والمدن التي كانت مرتبطة ببعضها واقعة داخل دول مختلفة. ومن ماردين وطور عابدين ونصيبين وأورفا وديار بكر وجزيرة ابن عمر وهكاري خرجت موجات من السكان، بينما أصبحت حلب والحسكة والقامشلي والقحطانية والمالكية وتل تمر والدرباسية وعامودا مراكز جديدة للحياة السريانية والآشورية والكلدانية في سورية. ولهذا فإن أسماء القرى القديمة ليست مجرد قائمة جغرافية، وإنما ذاكرة لشبكة سكانية واحدة قسمت الحدود الحديثة أجزاءها بين تركيا وسورية والعراق. وبهذا المعنى، فإن 1915 لم يكن بداية الوجود السرياني والآشوري والكلداني في سورية، بل كان نقطة تحول كبرى في انتقال مركز من هذا الوجود إلى سورية، بينما كانت الحدود التي تشكلت بعد 1921–1923 هي التي جعلت هذا الانتقال يبدو في الذاكرة اللاحقة وكأنه "هجرة من تركيا إلى سورية". إن فهم هذه الحقيقة مهم جداً، لأنه يمنعنا من إسقاط خريطة الدول الحالية على خريطة السكان القديمة، ويجعل تاريخ السريان والآشوريين والكلدان أكثر دقة، كما يجعل المقارنة مع النزوح الكردي أكثر توازناً. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|