أصل كلمة "چِيمِينتو" ورحلتها التاريخية بين اللغات والألسن
أحبائي نعرض عليكم اليوم كلمة نستخدمها في لهجتنا الآزخية كثيرًا ويكاد يعرفها الجميع وهي كلمة (چِيمِينتو) والتي تعني الإسمنت الداخلة في أعمال البناء، وقد انتشر استعمالها في مناطق الجزيرة السورية أيضًا، ولمعرفة مصدرها ومدى انتشارها يتوجّب علينا تتبّع جذرها التاريخي الممتدّ عبر العصور والألسن، إذ تعود أصول هذه التسمية في مَنشئها الأول إلى اللغة اللاتينية القديمة من جذر المُفردة (Caementum)، وهو مُصطلح كان يُطلق في الثقافة المعماريّة الرومانيّة على كسّارة الحجارة، وبقايا الصّخور المَقشورة، والأجزاء الخَشِنة المُستخدَمة في وضع الأساسات والمِلاط [المِلاط (وجمعُه: أَمْلِطَة أو مُلُط) هو المادّة المائِعة أو العجينة السّائلة التي تُستخدَم في أعمال البِناء للرّبط والتّثبيت بين الحجارة أو اللِبن أو الآجر (الحديد واللبن والقرميد)، ولتعبئة الفواصل والتقاطعات بينها، إضافة إلى استخدامها في الكِساء والتّلييس (المَسح والمِلاط الخارجيّ للجدران)]، والمُشتقّة أساسًا من الفعل اللاتيني (Caedere) الذي يعني في أصله اللغوي القَطع أو الشَّقّ أو الكَسر. ومع تطوّر اللغات الأوروبيّة المُشتقّة من اللاتينيّة، انتقلت الكلمة لتُصبِح جزءًا أصيلًا من قاموس العِمارة والبناء في أوروبا، فظهرت في اللغة الإيطالية بصيغة (Cemento) وتُنطَق "تشيمنتُو"، وفي الفرنسية بصيغة (Ciment)، وفي الإسبانية بصيغة (Cemento)، لتستقرّ كمُصطلح علميّ ومِهنيّ مُعتَمَد لموادّ البناء والتثبيت.
وكان للغة التركية العثمانية الدور المِحوري والمُباشر في نقل هذه المُفردة الأوروبية إلى المَشرِق العربيّ ودعم انتشارها واسع النطاق في البيئة المحلّيّة، حيث دخلت الكلمة إلى اللسان العثماني في أواخر عهد الدولة العثمانيّة نقلاً عن الإيطاليّة، وتُكتَب في اللغة التركية الحديثة (Çimento) وتُنطَق تَمامًا بلفظ "چِيمِينْتُو" برسم حرف (Ç

الشّديد. ولمّا كانت الإدارة العثمانيّة هي المُشرفة على حركة العُمران والمَشاريع الضّخمة آنذاك — من بِناء للثّكنات العسكريّة، والمدارس الرّشديّة، والسّرايات الحكوميّة، ومَحطّات سكُة حديد الحجاز وغيرها —أصبحت المُفردات الفنيّة والهندسيّة المُستخدمة في وُرَش البناء تُتداوَل رسميًّا وشفهيًّا بين المعماريّين والبَنّائين والعُمّال. ونتيجة لهذا الاحتكاك اليوميّ والمُباشر، انتقلت الكلمة بحرفها وصوتها التركي (چ) إلى اللهجات الشّاميّة والعراقيّة، لِتَجِدَ لها مَوطئ قدم راسخ في لهجتنا الآزخيّة وفي لهجات الجزيرة السوريّة عُمومًا، حتى أضحت هي المُفردة الحاضرة والبديل الشِّفَاهي الأبرز لكلمة الإسمنت في لغة المِهَن وأعمال البِناء اليوميّة.
بقلم الباحث الآزخي فؤاد زاديكي