مفهومُ الرَّجُولَةِ فِي مِيزَانِ المَوْقِفِ وَالحَيَاةِ (٤) بقلم فؤاد زاديكي فِي ر
مفهومُ الرَّجُولَةِ فِي مِيزَانِ المَوْقِفِ وَالحَيَاةِ
(٤)
بقلم فؤاد زاديكي
فِي رِحْلَةِ الحَيَاةِ الطَّوِيلَةِ، وَبَيْنَ أَمْوَاجِهَا المِتَلاَطِمَةِ، يَتَجَدَّدُ الطَّرْحُ وَيَكْثُرُ التَّسَاؤُلُ حَوْلَ المَفَاهِيمِ الأَخْلاَقِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ، الَّتِي تُشَكِّلُ جَوْهَرَ السُّلُوكِ البَشَرِيِّ، وَلَعَلَّ مَفْهُومَ "الرَّجُولَةِ" يَأْتِي فِي مُقَدِّمَةِ هَذِهِ المَفَاهِيمِ، الَّتِي التَبَسَتْ مَعَانِيهَا فِي العُرْفِ المُجْتَمَعِيِّ السَّائِدِ، فَتَرَاوَحَتْ تَأْوِيلاَتُهَا بَيْنَ المَظَاهِرِ السَّطْحِيَّةِ وَالقُوَّةِ العَضَلِيَّةِ، وَبَيْنَ العُمْقِ الإِنْسَانِيِّ وَالمَوْقِفِ النَّبِيلِ. لَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَعْضِ المَفَاهِيمِ المُجْتَمَعِيَّةِ القَاصِرَةِ عَلَى رَبْطِ الرَّجُولَةِ بِالسَّيْطَرَةِ، وَفَرْضِ الرَّأْيِ بِالقُوَّةِ، وَإِظْهَارِ القَسْوَةِ كَدَلِيلٍ عَلَى الصَّلاَبَةِ، إِلاَّ أَنَّ هَذَا التَّصَوُّرَ لَيْسَ إِلاَّ اهْتِزَازًا فِي فَهْمِ جَوْهَرِ الفَضِيلَةِ، فَالقُوَّةُ العَارِيَةُ عَنِ الحِكْمَةِ لاَ تُنْتِجُ إِلاَّ الطُّغْيَانَ، وَفَرْضُ الرَّأْيِ بِالإِكْرَاهِ دَلِيلُ ضَعْفٍ فِي الحُجَّةِ وَخَوَرٍ فِي الشَّخْصِيَّةِ، لاَ مَظْهَرُ قُوَّةٍ كَمَا يَظُنُّ البَعْضُ. إِنَّ الرَّجُولَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ سِلْعَةً يُصَادَقُ عَلَيْهَا العُرْفُ السَّطْحِيُّ، وَلاَ هِيَ هَيْمَنَةٌ يُمَارِسُهَا المَرْءُ عَلَى مَنْ حَوْلَهُ، بَلْ هِيَ حَالَةٌ أِخْلاَقِيَّةٌ سَامِيَةٌ وَمَوْقِفٌ حَاسِمٌ يَجْسُدُ نُبْلَ المَبَادِئِ، فَالعَلاَقَةُ بَيْنَ الرَّجُولَةِ وَمَوَاقِفِ الحَيَاةِ هِيَ عَلاَقَةُ الشَّجَرَةِ بِثَمَرِهَا، إذْ لاَ يُعْرَفُ جَوْهَرُ المَرْءِ إِلاَّ عِنْدَ المَحَكَّاتِ الصَّعْبَةِ، فَتَتَجَلَّى فِي إِحْقَاقِ الحَقِّ، وَنُصْرَةِ المَظْلُومِ، وَالوُقُوفِ الثَّابِتِ مَعَ المَبْدَأِ وَإِنْ كَانَ ثَمَنُهُ بَاهِظًا، كَمَا تَبْرُزُ فِي الحِلْمِ عِنْدَ القُدْرَةِ وَكَبْحِ جِمَاحِ النَّفْسِ عِنْدَ الغَضَبِ، وَالتَّسامُحِ عَنْ جَهْلِ الآخَرِينَ مَعَ الِاقْتِدَارِ عَلَى الرَّدِّ، فَضْلًا عَنْ تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ وَأَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ سَنَدًا لِغَيْرِهِ، يُوفِي بِعُهُودِهِ، وَيَتَحَمَّلُ نَتَائِجَ أَلْفَاظِهِ وَأَفْعَالِهِ بِشَجَاعَةٍ وَثَبَاتٍ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ الرَّجُولَةُ مَقَامًا إِخْلاَقِيًّا يُكْتَسَبُ بِالمَوَاقِفِ وَالنُّبْلِ، وَلَيْسَتْ لَقَبًا يُذْكَرُ إِشَارَةً لِلْجِنْسِ أَوْ مَظْهَرًا يُفْرَضُ بِالقَسْوَةِ، بَلْ هِيَ انْحِيَازٌ دَائِمٌ لِلْحَقِّ، وَصَوْنٌ لِلْكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَتَجَسُّدٌ لِلشَّهَامَةِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ خَالِدَةٍ مِنْ رِحْلَةِ الحَيَاةِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|