Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 10:12 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,229
افتراضي # إمارة بوطان.. سيرة أسرة عزيزان من التأسيس في جزيرة ابن عمر إلى سقوط بدرخان بك ###

# إمارة بوطان.. سيرة أسرة عزيزان من التأسيس في جزيرة ابن عمر إلى سقوط بدرخان بك

### بقلم الباحث فؤاد زادبكي

---

على ضفاف نهر دجلة، حيث تحيط المياه بمدينة جزيرة ابن عمر (جزيرة بوطان، Cizre اليوم) من ثلاث جهات فتمنحها اسمها، نشأت واحدة من أعرق الإمارات الكردية في تاريخ العصور الوسطى والعثمانية: إمارة بوطان. حكمتها أسرة واحدة زهاء خمسة قرون، من انتصاف القرن الرابع عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر، قبل أن تنطفئ شعلتها على يد آخر أمرائها، بدرخان بك، في واحدة من أكثر حقب كردستان اضطرابًا ودموية.

## النشأة: من التحالف القبلي إلى السيطرة على المدينة

كانت جزيرة ابن عمر، قبل قيام الإمارة، مدينة متنازعًا عليها بين قوى إقليمية متعددة، وأحاطت بتأسيسها روايات متضاربة؛ فبينما نسبها ياقوت الحموي إلى الحسن بن عمر بن الخطاب التغلبي أمير الموصل في أوائل القرن التاسع، رأى فيها آخرون المدينة الثانية التي أسسها النبي نوح بعد الطوفان.

أما الحكم الفعلي للمدينة فقد آل إلى أسرة عزيزان (آزيزان)، المنحدرة من قبيلة بوطان الكردية العريقة، والتي كانت قد بسطت نفوذها تدريجيًا على المنطقة عبر تحالفات وصراعات قبلية. وفي عام 1336/1337م، تمكنت هذه الأسرة من إحكام سيطرتها على جزيرة ابن عمر بدعم من الأمير الأيوبي الأشرف موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، حاكم حصن كيفا. وسرعان ما انقلبت هذه العلاقة إلى تنافس: إذ حاول أمراء حصن كيفا لاحقًا احتواء بوطان عبر تزويج ابنة أميرهم من عز الدين، أمير بوطان، ثم حاولوا احتلال المدينة بالقوة سنة 1385/1384، لكن شوكة أمراء بوطان كانت قد قويت بما يكفي لإفشال تلك المحاولات وترسيخ استقلالهم.

مع دخول العثمانيين إلى المنطقة في مطلع القرن السادس عشر، وتحديدًا بعد هزيمة الصفويين في معركة جالديران سنة 1514، أقسمت الأسر الإقطاعية الكبرى في كردستان – ومنها آل عزيزان – الولاء للسلطنة العثمانية، مقابل الاعتراف بحكمها الوراثي المحلي شبه المستقل. وهكذا استمرت إمارة بوطان قرابة ثلاثة قرون إضافية تحت هذا النظام، حتى بلغت أوج قوتها وأشد أزماتها على يد آخر أمرائها.

## بدرخان بك: التوسع والطموح

ولد بدرخان بن عبد الله خان في جزيرة ابن عمر سنة 1803 (أو نحوها)، وتولى مقاليد الإمارة سنة 1812/1821 وهو في الثامنة عشرة من عمره، وريثًا لأسرة عريقة في الحسب والنسب. أظهر منذ توليه حزمًا ورجاحة عقل أكسبته محبة أتباعه، وسرعان ما شرع في توسيع نفوذه وتحصين إمارته: أسس معملًا للذخيرة، وسكّ عملة خاصة باسمه، ورفع علمًا كرديًا فوق عاصمته.

استغل بدرخان اضطراب موازين القوى بعد هزيمة الجيش العثماني أمام إبراهيم باشا المصري في معركة نزيب سنة 1839، فوسّع سلطته الفعلية إلى ما هو أبعد بكثير من حدود بوطان التقليدية، حتى وصلت جنوبًا إلى أطراف الموصل وسنجار، وشرقًا إلى سنندج وحدود هكاري ووان وأورمية، وغربًا إلى ديار بكر وسيفورك. ولتثبيت هذا النفوذ، بادر إلى تشكيل تحالف عُرف بـ"الحلف المقدس"، ضم إليه عددًا من أبرز أمراء كردستان: نور الله بك أمير هكاري، وشريف بك أمير بدليس، وخالد بك أمير خيزان، وخان محمود حاكم وان، وغيرهم، وتولى هو قيادة هذا الحلف.

## المجازر: الصفحة الأكثر دموية

في ظل هذا التوسع، ارتكب بدرخان بك، بالاشتراك مع حليفه نور الله بك أمير هكاري، سلسلة من المجازر الجماعية بحق المسيحيين الآشوريين في مناطق حكاري وتياري وتخوما، عُرفت في التاريخ باسم "مجازر بدرخان"، وراح ضحيتها أكثر من عشرة آلاف مسيحي خلال النصف الأول من أربعينيات القرن التاسع عشر.

في تموز 1843 هاجم الحلف الكردي بقيادة بدرخان الآشوريين في حكاري، فدمّر قراهم وقتل أعدادًا كبيرة منهم، وسبى كثيرين بيعوا لاحقًا في أسواق النخاسة. وكررت قواته الهجوم سنة 1846، مستهدفة هذه المرة آشوريي تياري الذين كانوا في وقت سابق من حلفائه، ما اضطر البطريرك مار شمعون السابع عشر إبراهيم إلى دفع أتباعه للهجرة نحو ضفاف بحيرة أرومية في بلاد فارس، حيث دارت معركة انتهت بانسحاب قوات بدرخان.

ولم يقتصر هذا العنف على النساطرة في حكاري، بل امتد أثره إلى مناطق أخرى ذات حضور سرياني، ومنها ما جرى في قرية مذياد بطور عابدين سنة 1846، حين دُمرت الدور وقُتل الرجال وسُبيت النساء، وكان من بين ضحاياها الأسقف كوركيس الأزخي. وقد شكلت هذه المجازر ذريعة سياسية استغلتها الدولة العثمانية لاحقًا للإجهاز على استقلالية الإمارات الكردية شبه المستقلة، بعدما استثارت غضب القوى الأوروبية المتعاطفة مع مسيحيي المشرق.

## الحرب مع ابن العم يزدان شير ونتائجها

لم تكن التصدعات التي أنهت حكم بدرخان خارجية فحسب، بل داخلية أيضًا. فحين أعلن بدرخان ثورته الكبرى على السلطة العثمانية سنة 1847 سعيًا لإقامة كيان كردي مستقل، وقف ابن عمه الأمير يزدان شير - نجل الأمير سيف الدين من الأسرة العزيزية ذاتها - في الجهة المقابلة، منحازًا إلى العثمانيين ضد ثورة قريبه. أسهم هذا الانحياز في إضعاف موقف بدرخان أمام الحملة العثمانية التي قادها المشير عثمان باشا، فانتهت الثورة بالهزيمة، ونُفي بدرخان مع أسرته إلى جزيرة كريت.

والمفارقة أن يزدان شير، الذي ساعد على إسقاط ابن عمه، تولى بعده إمارة بوطان لفترتين متقطعتين (1847-1849 ثم 1853-1855)، قبل أن ينقلب هو الآخر على العثمانيين ويقود بنفسه انتفاضة كبرى بعد انتهاء حرب القرم، اجتاح خلالها منطقة طور عابدين ذات الأغلبية المسيحية السريانية سنة 1855، وبلغ عدد أتباعه بحسب بعض الروايات ما بين ستين ومئة ألف مقاتل، قبل أن تُقمع انتفاضته هو الآخر.

## النهاية والأبناء

بعد نفيه إلى كريت، سُمح لبدرخان بك سنة 1865 بالاستقرار في دمشق مع أسرته الكبيرة، حيث قضى أواخر أيامه إلى أن توفي فيها بعد ثلاث سنوات، أي سنة 1868.

خلّف بدرخان بك وراءه عددًا كبيرًا من الأبناء تذكر بعض الروايات أنه بلغ اثنين وأربعين ولدًا، منهم واحد وعشرون ابنًا ومثلهم من البنات، وهو عدد ينسجم مع تعدد الزوجات الشائع لدى أمراء تلك الحقبة. ومن أبرز هذا الجيل وأحفاده الذين تركوا بصمة سياسية وثقافية:

- **أمين علي بدرخان**، الذي أنجب سبعة أبناء بينهم الأمير **جلادت بدرخان**، رائد كتابة اللغة الكردية بالحرف اللاتيني وصاحب مجلة "هاوار"، والأمير **كاميران بدرخان**، الدبلوماسي والباحث المعروف.
- **عبد الرزاق بدرخان** (1864-1918)، الذي عمل دبلوماسيًا في السلك العثماني وشغل مناصب قنصلية عدة، منها سكرتير القنصلية العثمانية في سانت بطرسبرغ.
- **عبد الرحمن بدرخان**، الذي تولى رئاسة تحرير أول صحيفة كردية "كردستان" بعد تأسيسها، ونقلها من القاهرة إلى جنيف ثم إنجلترا.
- فرع مصري من نسل الأسرة، أبرزه المخرج السينمائي الرائد **أحمد بدرخان** (1909-1969)، أحد مؤسسي لغة سينمائية مصرية حديثة، وابنه المخرج **علي بدرخان** من بعده.

بهذا، امتد إرث أسرة عزيزان-بدرخان من قلاع جزيرة ابن عمر وسهول بوطان الجبلية إلى منابر الصحافة الكردية في المنفى، وصولًا إلى شاشات السينما المصرية، في مسار يختصر كثيرًا من تحولات كردستان والمشرق خلال قرنين ونصف من الزمن.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:56 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke