بُؤَرُ الفَسَادِ الثَّلَاثُ فِي الأَنْظِمَةِ السُّلْطَوِيَّةِ العَرَبِيَّةِ مُنْذُ
بُؤَرُ الفَسَادِ الثَّلَاثُ فِي الأَنْظِمَةِ السُّلْطَوِيَّةِ العَرَبِيَّةِ
مُنْذُ أَنْ نَالَتْ كَثِيرٌ مِنَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ اسْتِقْلَالَهَا عَنِ الِاسْتِعْمَارِ، كَانَ الشَّعْبُ يَتَطَلَّعُ إِلَى إِقَامَةِ دُوَلٍ تُؤَسِّسُ لِلْحُرِّيَّةِ وَالعَدَالَةِ وَالكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ الوَاقِعَ فِي عَدَدٍ مِنَ الدُّوَلِ أَفْرَزَ أَنْظِمَةً سُلْطَوِيَّةً جَعَلَتْ هَمَّهَا الأَوَّلَ الحِفَاظَ عَلَى السُّلْطَةِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى حِسَابِ حُرِّيَّاتِ الشُّعُوبِ وَحُقُوقِهَا.
وَمِنْ خِلَالِ التَّجْرِبَةِ الطَّوِيلَةِ وَالمُعَايَشَةِ المُبَاشِرَةِ، يَبْدُو أَنَّ هُنَاكَ ثَلَاثَ وَزَارَاتٍ تَحَوَّلَتْ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأَنْظِمَةِ إِلَى بُؤَرٍ لِلفَسَادِ السِّيَاسِيِّ وَالفِكْرِيِّ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تُؤَدِّيَ الرِّسَالَةَ الَّتِي أُنْشِئَتْ مِنْ أَجْلِهَا.
أُولَاهَا وَزَارَةُ الثَّقَافَةِ، الَّتِي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكُونَ وَاجِهَةَ الوَطَنِ الثَّقَافِيَّةَ، وَحَامِيَةً لِلْإِبْدَاعِ وَالتَّعَدُّدِيَّةِ الفِكْرِيَّةِ. إِلَّا أَنَّهَا تَتَحَوَّلُ، فِي بَعْضِ الأَنْظِمَةِ، إِلَى أَدَاةٍ لِلرَّقَابَةِ وَمَنْعِ الكُتُبِ وَالمُؤَلَّفَاتِ وَالأَعْمَالِ الفَنِّيَّةِ الَّتِي تُخَالِفُ تَوَجُّهَاتِ السُّلْطَةِ، فِي حِينِ تُشَجِّعُ وَتُمَوِّلُ كُلَّ مَا يُمَجِّدُ النِّظَامَ وَيُجَمِّلُ صُورَتَهُ.
أَمَّا البُؤْرَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ وَزَارَةُ الإِعْلَامِ، الَّتِي تَفْقِدُ وَظِيفَتَهَا الأَسَاسِيَّةَ فِي نَقْلِ الحَقِيقَةِ، وَتُصْبِحُ بُوقًا لِلدِّعَايَةِ الرَّسْمِيَّةِ، تُسَوِّقُ لِرِوَايَةِ النِّظَامِ وَتُخْفِي الإِخْفَاقَاتِ وَتُهَمِّشُ الأَصْوَاتَ المُخَالِفَةَ، حَتَّى يَغْدُو الإِعْلَامُ أَدَاةً لِلتَّضْلِيلِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً لِلتَّوْعِيَةِ وَالمُسَاءَلَةِ.
أَمَّا البُؤْرَةُ الثَّالِثَةُ، وَهِيَ الأَخْطَرُ، فَهِيَ وَزَارَةُ الأَوْقَافِ أَوِ الشُّؤُونِ الدِّينِيَّةِ، حَيْثُ يُسْتَخْدَمُ الخِطَابُ الدِّينِيُّ، فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ، لِمَنْحِ الشَّرْعِيَّةِ لِسِيَاسَاتِ السُّلْطَةِ، وَتَبْرِيرِ مُمَارَسَاتِهَا، حَتَّى وَإِنْ كَانَتْ ظَالِمَةً أَوْ مُنَاقِضَةً لِقِيَمِ العَدْلِ وَالحَقِّ.
وَقَدْ شَهِدَتْ عِدَّةُ بُلْدَانٍ عَرَبِيَّةٍ مَظَاهِرَ مِنْ هَذِهِ المُمَارَسَاتِ بِدَرَجَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ، حَيْثُ تَعَرَّضَ المُفَكِّرُونَ وَالمُعَارِضُونَ لِلرَّقَابَةِ وَالإِقْصَاءِ، وَضُيِّقَ عَلَى الحُرِّيَّاتِ العَامَّةِ، وَمُورِسَتْ ضُغُوطٌ أَمْنِيَّةٌ، وَحُورِبَ كَثِيرُونَ فِي أَرْزَاقِهِمْ، وَصُنِّفَ المُوَاطِنُونَ وَفْقًا لِمَدَى وَلَائِهِمْ لِلنِّظَامِ، فَبَيْنَ "شَرِيفٍ" وَ"خَائِنٍ" ضَاعَ مِيزَانُ المُوَاطَنَةِ وَالعَدَالَةِ.
وَقَدْ عَاشَ كَثِيرُونَ هَذِهِ التَّجَارِبَ بِأَنْفُسِهِمْ، وَذَاقُوا مَرَارَةَ القَمْعِ وَالخَوْفِ وَالإِقْصَاءِ، فَلَمْ يَجِدُوا أَمَامَهُمْ سِوَى الهِجْرَةِ إِلَى بِلَادٍ أُخْرَى بَحْثًا عَنِ الأَمَانِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَفُرَصِ الحَيَاةِ الكَرِيمَةِ لَهُمْ وَلِأَبْنَائِهِمْ.
وَلِكَيْ تَسْتَقِيمَ هَذِهِ الأَنْظِمَةُ، وَتُصْبِحَ دُوَلًا تَخْدُمُ شُعُوبَهَا لَا سُلْطَاتِهَا، فَعَلَيْهَا أَنْ تُلْغِيَ بُؤَرَ الفَسَادِ هَذِهِ بِصُورَتِهَا الحَالِيَّةِ، أَوْ تُعِيدَ بِنَاءَهَا عَلَى أُسُسٍ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ وَالشَّفَافِيَّةِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ، حَتَّى تَعُودَ وَزَارَةُ الثَّقَافَةِ خَادِمَةً لِلثَّقَافَةِ، وَوَزَارَةُ الإِعْلَامِ نَاطِقَةً بِالحَقِيقَةِ، وَوَزَارَةُ الأَوْقَافِ حَامِلَةً لِرِسَالَةِ الدِّينِ وَقِيَمِهِ السَّامِيَةِ، لَا أَدَوَاتٍ لِتَرْسِيخِ السُّلْطَةِ وَتَبْرِيرِ أَخْطَائِهَا.
الباحث: فُؤَاد زَادِيكِي
__________________
fouad.hanna@online.de
|