Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 06:19 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,177
افتراضي ظِلَالُ الجَدَائِلِ: بَيْنَ فَلْسَفَةِ الذَّاتِ وَأَصْدَاءِ المَاضِي: رُؤْيَةٌ نَقْدِ

ظِلَالُ الجَدَائِلِ: بَيْنَ فَلْسَفَةِ الذَّاتِ وَأَصْدَاءِ المَاضِي: رُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ وَحِوَارِيَّةٌ مُعَمَّقَةٌ

بِقَلَمِ البَاحِثِ وَالشَّاعِرِ: فُؤَاد زَادِيكِي

مُقَدِّمَةٌ: المَكَانَةُ النَّفْسِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ لِشَعْرِ المَرْأَةِ
تَبْدَأُ القِرَاءَةُ السِّيكُولُوجِيَّةُ لِجَسَدِ المَرْأَةِ مِنْ نُقْطَةٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ، حَيْثُ يَحْتَلُّ الشَّعْرُ مَكَانَةً عَمِيقَةً فِي الوَعْيِ الإِنْسَانِيِّ وَالثَّقَافَةِ المُجْتَمَعِيَّةِ. فالشَّعْرُ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلَايَا كِيرَاتِينِيَّةٍ تَنْمُو، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ حَيٌّ لِلْهُوِيَّةِ، وَمِرْآةٌ صَافِيَةٌ لِلْحَالَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَأَدَاةٌ تَعْبِيرِيَّةٌ صَامِتَةٌ لِلأُنُوثَةِ البَاحِثَةِ عَنْ تَجَلِّيَاتِهَا.
وَيُمْكِنُ تَفْصِيلُ هَذِهِ المَكَانَةِ الرَّفِيعَةِ عَبْرَ ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ جَوْهَرِيَّةٍ:

الارْتِبَاطُ النَّفْسِيُّ وَصُورَةُ الذَّاتِ:
يُعَدُّ الشَّعْرُ تَاجَ الأُنُوثَةِ وَرَمْزَ الجَاذِبِيَّةِ، إِذِ ارْتَبَطَ تَارِيخِيًّا وَعَالَمِيًّا بِمَفَاهِيمِ الخُصُوبَةِ وَالشَّبَابِ. وَتَمْنَحُ العِنَايَةُ بِهِ المَرْأَةَ شُعُورًا بِالثِّقَةِ وَالرِّضَا النَّفْسِيِّ. كَمَا أَنَّهُ يُمَثِّلُ أَحَدَ أَجْزَاءِ الجَسَدِ القَلِيلَةِ، الَّتِي تَمْلِكُ المَرْأَةُ قُدْرَةً كَامِلَةً عَلَى التَّحَكُّمِ فِيهَا وَتَغْيِيرِهَا (بِالقَصِّ، أَوِ الصَّبْغِ، أَوِ التَّسْرِيحِ). وَفِي الأَوْقَاتِ الَّتِي تَشْعُرُ فِيهَا المَرْأَةُ بِالضَّغْطِ النَّفْسِيِّ أَوْ فِقْدَانِ السَّيْطَرَةِ عَلَى ظُرُوفِ حَيَاتِهَا، قَدْ تَلْجَأُ لِتَغْيِيرِ مَظْهَرِ شَعْرِهَا كَإِعْلَانٍ لِبِدَايَةٍ جَدِيدَةٍ. وَمِنْ هُنَا نَشَأَ المَفْهُومُ اليَوْمِيُّ لِارْتِبَاطِ المِزَاجِ بِحَالَةِ الشَّعْرِ، فَحِينَمَا يَكُونُ الشَّعْرُ مُرَتَّبًا، يَنْعَكِسُ ذَلِكَ إِيجَابًا عَلَى الطَّاقَةِ النَّفْسِيَّةِ، وَالعَكْسُ صَحِيحٌ.

البُعْدُ الاجْتِمَاعِيُّ وَالرَّمْزِيُّ:
الشَّعْرُ لُغَةٌ تَعْبِيرِيَّةٌ صَامِتَةٌ، يُعَبِّرُ عَنِ الشَّخْصِيَّةِ دُونَ كَلَامٍ. فَالتَّسْرِيحَةُ الجَرِيئَةُ أَوِ المَأْلُوفَةُ تُوصِلُ رَسَائِلَ مُتَعَدِّدَةً لِلْمُجْتَمَعِ حَوْلَ هُوِيَّةِ المَرْأَةِ وَتَوَجُّهَاتِهَا. هَذَا الإِرْثُ رَسَّخَ فِي الوَعْيِ الجَمْعِيِّ أَنَّ عِنَايَةَ المَرْأَةِ بِشَعْرِهَا هِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مَكَانَتِهَا الاجْتِمَاعِيَّةِ.

الشَّعْرُ كَجُزْءٍ ظَاهِرٍ يَعْكِسُ الأُنُوثَةَ:
يَقَعُ الشَّعْرُ فِي مِنْطَقَةِ الوَجْهِ وَالرَّأْسِ، وَهِيَ خَطُّ المُوَاجَهَةِ الأَوَّلِ فِي التَّوَاصُلِ البَشَرِيِّ. وَعَلَى عَكْسِ المَعَايِيرِ الجَسَدِيَّةِ الأُخْرَى الَّتِي تَخْضَعُ لِلْجِينَاتِ أَوْ تُغَطَّى بِالمَلَابِسِ، يَظَلُّ الشَّعْرُ هُوَ الإِطَارَ الحَيَّ، الَّذِي يُبْرِزُ مَلَامِحَ الوَجْهِ، وَيَعْكِسُ العِنَايَةَ بِالذَّاتِ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا الظَّاهِرَةِ.

ثُنَائِيَّةُ المَظْهَرِ وَالمَخْبَرِ:
شَعْرُ المَرْأَةِ فِي الشِّعْرِ العَرَبِيِّ
عِنْدَ المُقَارَبَةِ الأَدَبِيَّةِ لِهَذَا المَوْضُوعِ، نَجِدُ تَحَوُّلًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ النَّظْرَةِ الفَنِّيَّةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ وَالتَّنَاوُلِ الشِّعْرِيِّ الحَدِيثِ:
أَوَّلاً: الوَصْفُ الجَمَالِيُّ الخَارِجِيُّ فِي الشِّعْرِ الكِلَاسِيكِيِّ
لَقَدْ كَانَ الشَّاعِرُ العَرَبِيُّ القَدِيمُ ابْنَ بِيئَتِهِ الحِسِّيَّةِ، يَنْظُرُ إِلَى جَمَالِ المَرْأَةِ مِنْ خِلَالِ أَدَوَاتِ الوَصْفِ المَادِّيِّ المُبَاشِرِ. فَلَمْ يَكُنْ يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ مَا يَعْنِيهِ الشَّعْرُ لِلْمَرْأَةِ نَفْسِهَا، بَلْ رَآهُ "مَوْضُوعًا لِلْجَمَالِ" الخَارِجِيِّ، وَتَمَحْوَرَ غَزَلُهُ حَوْلَ:
اللَّوْنِ وَالقَتَامَةِ: حَيْثُ شُبِّهَ سَوَادُ الشَّعْرِ بِاللَّيْلِ الدَّامِسِ، كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

الطُّولِ وَالكَثَافَةِ: إِذْ كَانَ الطُّولُ رَمْزًا لِلْوَفْرَةِ وَالصِّحَّةِ، فَتَغَنَّوْا بِالذَّوَائِبِ وَالْجَدَائِلِ المُنْسَابَةِ عَلَى الظَّهْرِ.

الحَرَكَةِ وَالرَّائِحَةِ: بِوَصْفِ تَمَوُّجِ الشَّعْرِ وَضُوعِ المِسْكِ وَالطِّيبِ مِنْهُ عِنْدَ الحَرَكَةِ.

ثَانِيًا: البُعْدُ النَّفْسِيُّ وَالرَّمْزِيُّ فِي الشِّعْرِ الحَدِيثِ
أَمَّا الشِّعْرُ العَرَبِيُّ الحَدِيثُ، فَقَدْ أَحْدَثَ ثَوْرَةً نَقْدِيَّةً، حَيْثُ تَحَوَّلَ شَعْرُ المَرْأَةِ إِلَى رَمْزٍ مُكَثَّفٍ يَعْكِسُ الحَالَةَ النَّفْسِيَّةَ، وَالسِّيَاسِيَّةَ، وَالوُجُودِيَّةَ:
مِرْآةٌ لِلْمِزَاجِ وَالعَاطِفَةِ: لَمْ يَعُدِ الشَّعْرُ لَيْلًا ثَابِثًا، بَلْ أَصْبَحَ يَحْزَنُ وَيَثُورُ. يَقُولُ نِزَار قَبَّانِي:
«شَعْرُكِ الطَّوِيلُ.. حِينَ يَلْهَثُ.. يَعْرَقُ.. يَتْعَبُ.. يَسْقُطُ خَيْبَةً عَلَى نَهْدَيْكِ..»
فَهُنَا إِسْقَاطٌ نَفْسِيٌّ لِلْخَيْبَةِ وَالتَّعَبِ عَلَى حَرَكَةِ الشَّعْرِ.

رَمْزِيَّةُ التَّحَرُّرِ وَالتَّمَرُّدِ: ارْتَبَطَ قَصُّ الشَّعْرِ أَوْ إِطْلَاقُهُ عَفْوِيًّا بِرَفْضِ القُيُودِ التَّقْلِيدِيَّةِ، فَأَصْبَحَ الشَّعْرُ المُتَطَايِرُ دَلِيلَ الحُرِّيَّةِ وَالانْعِتَاقِ.
البُعْدُ الوُجُودِيُّ وَالمَكَانِيُّ: حَوَّلَ شُعَرَاءُ مِثْلُ مَحْمُود دَرْوِيش وَبَدْر شَاكِر السَّيَّاب شَعْرَ المَرْأَةِ إِلَى "وَطَنٍ" أَوْ "مَلْجَأٍ" أَوْ "غَابَةٍ" يَضِيعُ فِيهَا الشَّاعِرُ هَرَباً مِنْ صَقِيعِ الغُرْبَةِ.
جَانِبُ الحِوَارِ: مَوْقِفٌ نَبِيلٌ وَرُؤْيَةٌ نَقْدِيَّةٌ مُعَاصِرَةٌ
فِي سِيَاقِ هَذَا الإِبْحَارِ الفِكْرِيِّ، يبْرَزَ مَوْقِفٌ شَخْصِيٌّ حَيٌّ مَثَّلَ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِفَلْسَفَةِ الحُرِّيَّةِ وَتَجَاوُزِ النَّظْرَةِ الحِسِّيَّةِ الضَّيِّقَةِ. أرْوِيهَا كشاعِرٍ تَجْرِبَةً مِنْ مَرْحَلَةِ خِطُوبَتِي لِزَوْجَتِي الحَالِيَّةِ، حَيْثُ كَانَتْ تَسْكُنُ بَعِيدًا عَنّي فِي مَدِينَةِ "القَامِشْلِي" (بِمُحَافَظَةِ الحَسَكَةِ السُّورِيَّةِ)، بَيْنَمَا كُنتُ أسْكُنُ فِي مَدِينَةِ "دِيرِيك" الَّتِي تَبْعَدُ عَنْهَا نَحْوَ مِائَةِ كِيلُومِتْرٍ.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، أَرَادَتِ خَطِيبَتِي قَصَّ شَعْرِهَا، فَسَأَلَتْنِي عَنْ وِجْهَةِ نَظَرِهِ، وَهَلْ أُوَافِقُهَا عَلَى هَذِهِ الخُطْوَةِ أَمْ لَا؟ وَهُنَا، لَمْ تَكُنْ إِجَابَتِي كشَاعِرِ إِجَابَةً تَقْلِيدِيَّةً تَنْطَلِقُ مِنْ رَغْبَةِ الرَّجُلِ فِي فَرْضِ شُرُوطِهِ الجَمَالِيَّةِ، أَوْ رَغْبَةِ الشَّاعِرِ الَّذِي يَعْشَقُ التَّغَزُّلَ بِالشَّعْرِ الطَّوِيلِ، بَلْ نَظَرْتُ إِلَى المَسْأَلَةِ مِنْ مَنْظُورِ الحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ وَالاحْتِرَامِ النَّفْسِيِّ الكَامِلِ، فَجَاءَ جَوَابِي الحَكِيمُ:
«أَنْتِ حُرَّةٌ فِي فِعْلِ ذَلِكَ، فَالشَّعْرُ شَعْرٌ، وَإِنْ قَصَصْتِهِ اليَوْمَ فَسَوْفَ يَطُولُ غَداً».
>
التَّحْلِيلُ النَّفْسِيُّ وَالقِيمِيُّ لِلْمَوْقِفِ
إِنَّ هَذَا الجَوَابَ، الذي ارَاهُ مَوضُوعِيًّا ومَنْطِقِيًّا إلَى حَدٍّ بَعِدٍ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ أَبْعَادًا نَفْسِيَّةً وَإِنْسَانِيَّةً بَالِغَةَ العُمْقِ، لَا سِيَّمَا فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَفِي ظِلِّ المَسَافَةِ الجُغْرَافِيَّةِ، الَّتِي كَانَتْ تَفْصِلُ بَيْنَ المَدِينَتَيْنِ. وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ هَذَا مَوْقِفِي هَذَا مِنْ خِلَالِ الدَّلَالَاتِ التَّالِيَةِ:
مَنْحُ الأَمَانِ وَالثِّقَةِ: ففِي مَرْحَلَةِ الخِطُوبَةِ، تَقَعُ كَثِيرٌ مِنَ الفَتَيَاتِ تَحْتَ وَطْأَةِ الخَوْفِ مِنْ عَدَمِ نَيْلِ رِضَا الشَّرِيكِ أَوْ إِغْضَابِهِ. وَكَانَ سُؤَالُ خَطِيْبَتِي، يَحْمِلُ رَغْبَةً ضِمْنِيَّةً فِي اسْتِكْشَافِ حُدُودِ مِسَاحَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ مَعِي. فَجَاءَ جَوَابِي لِيَمْنَحَهَا أَمَانًا نَفْسِيًّا مُطْلَقًا، مُؤَكِّدًا لَهَا أَنَّ قِيمَتَهَا الإِنْسَانِيَّةَ لَدَيّ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيِّ تَفْصِيلٍ مَظْهَرِيٍّ مُتَغَيِّرٍ.
انْتِصَارُ الحُرِّيَّةِ الفِكْرِيَّةِ عَلَى الأَنَانِيَّةِ العَاطِفِيَّةِ: أَنْ أتَنَازَلَ كَشَاعِرُ – بِطَبِيعَتِهِ المَفْطُورَةِ عَلَى تَقْدِيسِ الجَمَالِ الحِسِّيِّ وَالتَّعَلُّقِ بِتَفَاصِيلِهِ كَالشَّعْرِ الطَّوِيلِ– عَنْ شَرْطِي الفَنِّيِّ لِصَالِحِ "الحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ" لِشَرِيكَتِي، هُوَ انْتِصَارٌ فِكْرِيٌّ نَبِيلٌ. لَقَدْ قَدَّمْتُ احْتِرَامَ ذَاتِهَا وَاسْتِقْلَالِيَّةَ قَرَارِهَا عَلَى رَغْبَتِي الفَنِّيَّةِ الكِلَاسِيكِيَّةِ.
الحِكْمَةُ وَالنَّظْرَةُ المُرِنَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ: تَعْكِسُ عِبَارَةُ "وَإِنْ قَصَصْتِهِ اليَوْمَ فَسَوْفَ يَطُولُ غَداً" بِرَأيِي فَهْمًا عَمِيقًا لِطَبِيعَةِ الحَيَاةِ وَتَحَوُّلَاتِهَا. فَالظَّوَاهِرُ المَادِّيَّةُ تَتَغَيَّرُ وَتُعَوَّضُ، أَمَّا فَرْضُ القُيُودِ وَكَسْرُ الخَوَاطِرِ فَهُوَ مَا لَا يَزُولُ أَثَرُهُ السَّيِّئُ مِنَ النَّفْسِ بَسُهُولَةٍ.
إِنَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ الوَاقِعِيَّةَ تُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ المَرْأَةَ عِنْدَمَا تَجِدُ الدَّعْمَ النَّفْسِيَّ وَالقَبُولَ غَيْرَ المَشْرُوطِ لِحُرِّيَّتِهَا وَلِتَغَيُّرَاتِ مَظْهَرِهَا مِنْ شَرِيكِ حَيَاتِهَا، تَزْدَادُ وُثُوقاً بِنَفْسِهَا وَبِالعَلَاقَةِ الَّتِي تَجْمَعُهُمَا. لَقَدْ تَجَلَّى مَوْقِفِي ذَاكَ بِوَصْفِهِ إِنْسَانِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَاعِرٍ يَعْشُقُ الجَمَالَ وَيَتَغَنَّى بِهِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ تَقْدِيرَ الذَّاتِ الإِنْسَانِيَّةِ هُوَ الرَّكِيزَةُ الأُولَى لِبِنَاءِ العَلَاقَاتِ الرَّاقِيَةِ، الَّتِي تَدُومُ وَتُزْهِرُ عَلَى مَرِّ الأَيَّامِ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
  #2  
قديم اليوم, 05:15 AM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,177
افتراضي

بالطبع. إليك النص معاد الصياغة في صورة مقالة واحدة متماسكة ومتدفقة، مع الحفاظ على جميع الأفكار والمعاني دون اختصار أو حذف، وإزالة العناوين الفرعية بحيث يبدو النص وحدة فكرية وأسلوبية واحدة:

ظِلَالُ الجَدَائِلِ: بَيْنَ فَلْسَفَةِ الذَّاتِ وَأَصْدَاءِ المَاضِي

بقلم الباحث والشاعر: فؤاد زاديكي

تبدأ القراءة السيكولوجية لجسد المرأة من نقطة بالغة الأهمية، إذ يحتل الشَّعر مكانة عميقة في الوعي الإنساني والثقافة المجتمعية، فهو ليس مجرد خلايا كيراتينية تنمو، وإنّما امتداد حي للهُوِيّة، ومرآة صافية للحالة النفسية، وأداة تعبيرية صامتة تتجلّى من خلالها الأنوثة في أبعادها المختلفة. ولذلك لا يمكن النظر إلى شَعر المرأة بوصفه عنصرًا جماليًّا فحسب، بل باعتباره مكوّنًا نفسيًّا واجتماعيًّا ورمزيًّا يختزن دلالات تتجاوز مظهره الخارجي إلى عمق الذات الإنسانية.

ويظهر هذا الحضور العميق أوّلًا في علاقته الوثيقة بصورة الذات، فالشَّعر ظلّ عبر التاريخ وفي مختلف الثقافات تاج الأنوثة ورمزًا للجاذبية، وارتبط بمفاهيم الخصوبة والشباب والحيوية. ومن هنا تمنح العناية به المرأة شعورًا بالثقة والرضا النفسي، لأنّه يمثّل واحدًا من الأجزاء القليلة في الجسد، التي تستطيع التحكّم الكامل بها، سواء بقَصّه أو صَبغه أو تغيير تسريحته، الأمر الذي يمنحها إحساسًا بامتلاك زمام قرارها الشخصي. ولهذا كثيرًا ما تلجأ المرأة في فترات الضغط النفسي أو فقدان السيطرة على ظروف حياتها إلى تغيير مظهر شعرها بوصفه إعلانًا رمزيًّا عن بداية جديدة أو رغبة في استعادة التوازن الداخلي. ومن هذا المنطلق نشأ ذلك الارتباط الشائع بين الحالة المزاجية وهيئة الشعر، فعندما يكون الشعر مُرَتّبًا ومُنَسّقًا ينعكس ذلك إيجابًا على شعور المرأة بذاتها، بينما قد يعكس إهماله اضطرابًا نفسيًّا أو إنهاكًا داخليًّا.

ولا يقتصر حضور الشَّعر على بعده النفسي، بل يمتد إلى بُعد اجتماعي ورمزي واضح، إذ يغدو لغة صامتة تعبّر عن الشخصية دون حاجة إلى الكلمات. فاختيار تسريحة جريئة أو محافظة، بسيطة أو معقدة، يرسل رسائل متعددة إلى المجتمع عن هوية المرأة وميولها ورؤيتها لذاتها، ولذلك تَرَسَّخ في الوعي الجمعي أنّ عناية المرأة بشعرها ليست مجرّد ممارسة تجميلية، بل جزء من حضورها الاجتماعي ومكانتها الرمزية. ويزداد هذا المعنى وضوحًا إذا تذكّرنا أنّ الشَّعر يقع في منطقة الوجه والرأس، وهي أوّل ما تقع عليه العين في التّواصل الإنساني، وعلى خلاف كثير من السّمات الجسدية التي تحدّدها الوراثة أو تخفيها الملابس، يظلّ الشَّعر الإطار الحيّ، الذي يبرز ملامح الوجه ويعكس مقدار العناية بالذات، فيصبح مرآة خارجية لما يدور في الداخل.

وعندما ننتقل إلى الأدب العربي نجد أنّ صورة شَعر المرأة شهدت تحوّلًا لافتًا بين الشِّعر الكلاسيكي والشِّعر الحديث. فقد نظر الشاعر العربي القديم إلى الشعر بوصفه موضوعًا جماليًّا خارجيًّا، فكان أسير الرؤية الحسّية المباشرة التي تحتفي باللون والطول والكثافة والحركة والرائحة، دون أن يتوقّف كثيرًا عند ما يمثله الشَّعر في نفس المرأة أو علاقته بهُوِيّتها الداخلية. ولذلك شُبِّه سواد الشَّعر بظلمة الليل الدامس، كما تغنّى الشعراء بطول الذوائب وكثافتها وعَدّوهُمَا رمزًا للوفرة والصحة، ووصفوا تموّج الخصلات وانسيابها على الظهر، وربطوا حركة الشَّعر بعبق المسك والطيب، فجاءت الصورة الشعرية متمحورة حول الجمال المرئي والمحسوس.

أما الشِّعر العربي الحديث فقد تجاوز هذا الوصف الخارجي إلى رؤية أكثر عمقًا، فتحوّل شَعر المرأة إلى رمز نفسيّ ووجوديّ وسياسيّ، وصار يحمل أبعادًا تتجاوز شكله المادّيّ. فلم يعد الشَّعر مجرّد ليل ساكن أو زينة حسّية، بل أصبح يعكس التّعب والحزن والثورة والانكسار، كما نقرأ في شِعر نزار قباني حين يُسقِط الخيبة والإرهاق على حركة الشَّعر نفسها، فيجعله يلهث ويتعب ويسقط خيبة فوق الجسد، لتتحوّل الخصلات إلى مرآة للعاطفة الإنسانية بكلّ تقلّباتها. كذلك ارتبط قصّ الشَّعر أو إطلاقه بحرية المرأة وتمرّدها على القيود التقليدية، فأصبح الشَّعر المتطاير رمزًا للتحرّر والانعتاق، بينما حمل عند شعراء آخرين مثل محمود درويش وبدر شاكر السياب أبعادًا وجودية ومكانية، فتحوّل إلى وطن ومأوى وغابة يهرب إليها الشاعر من صقيع الغربة ووحشة الاغتراب، ولم يعد مجرّد عنصر من عناصر الوصف الجمالي.

وفي سياق هذا التأمّل الفكريّ تبرز أمامي تجربة شخصية أراها تجسيدًا عمليًّا لفلسفة الحرية وتجاوز النّظرة الحسّية الضيّقة إلى الإنسان. فقد وقعتْ هذه الحادثة في مرحلة خطوبتي لزوجتي الحالية، حين كانت تُقيم في مدينة (القامشلي) بمحافظة الحسكة السورية، بينما كنت أسكن مدينة (ديريك) التي تبعد عنها قرابة مئة كيلومتر. وفي أحد الأيام أخبرتني برغبتها في قصّ شعرها، وسألتني عن رأيي، وما إذا كنت أوافق على هذه الخطوة أم لا.

لم يكن سؤالهـا بالنسبة إلي مجرّد استفسار عن ذوق شخصي، بل كان يحمل في أعماقه رغبة في استكشاف مساحة الحرية، التي ستكون مُتاحة لها داخل العلاقة، ومعرفة ما إذا كانت ستظلّ صاحبة القرار في ما يخصّ ذاتها أم أنّ عليها أن تخضع لرغبات الآخر. لذلك لم تكن إجابتي كشاعر عاشق للجمال الحسّيّ إجابة تقليدية تنطلق من وَلَع الشّعراء بالشَّعر الطويل، ولم أنظر إلى الأمر من زاوية امتلاك الرجل لحقّ فرض معاييره الجمالية، وإنّما نظرتُ إليه من منظور احترام الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية، فقلت لها: «أنتِ حُرّةٌ في فعل ذلك، فالشَّعرُ شَعْرٌ، وإنْ قَصَصْتِه اليوم فسوفَ يَطُولُ غدًا».

وأرى أنّ هذه العبارة البسيطة في ظاهرها كانت تحمل في طيّاتها دلالات نفسية وإنسانية عميقة، ولا سيّما في تلك المرحلة الحساسة من العلاقة، وفي ظلّ المسافة الجغرافية التي كانت تفصل بين المدينتين. فقد كان من شأن هذا الجواب أن يمنحها شعورًا بالأمان والثّقة، لأنّ كثيرًا من الفتيات في فترة الخطوبة يَعِشْن هاجس نيل رِضا الشّريك أو الخوف من إغضابه، فجاء الردّ ليؤكّد لها أنّ قيمتها الإنسانية في نظري أعمق بكثير من أيّ تفصيل شكلي قابل للتغيير، وأنّ احترام شخصيّتها واستقلالها يتقدّم على أيّ تفضيل جمالي قد أحمله في داخلي.

وفي الوقت نفسه، مثّلَ هذا الموقفُ انتصارًا لفكرة الحرّية الفِكرية على الأنانية العاطفية، فالشّاعر بطبيعته مُولَع بالجمال، وغالبًا ما يُقدّس تفاصيله الحسّية، وفي مقدّمتها الشَّعر الطويل، الذي شكّل عبر التاريخ أحد أبرز موضوعات الغزل. ومع ذلك، فإنّ تقديم حرية الشريكة واستقلال قرارها على الرّغبة الفنية الشخصية هو، في تقديري، موقف إنساني وفكري نبيل، لأنّ العلاقة الصحّية لا تُبنى على فرض الأذواق، بل على احترام حقّ الآخر في أن يكون ذاته.

كما أن عبارتي: «وإنْ قَصَصتهِ اليوم فسوف يَطولُ غدًا» لم تكن مجرّد ملاحظة عابرة عن طبيعة نموّ الشَّعر، بل كانت تعبيرًا عن رؤية للحياة تقوم على المرونة والإدراك بأنّ المظاهر المادية بطبيعتها قابلة للتغيّر والتعويض، بينما تبقى آثار القهر وكسر الخاطر وفرض القيود عميقة في النفس، وقد يستحيل محوها بسهولة. فالإنسان يستطيع أن يستعيد ما فقده من مظهر، لكنّه لا يستعيد بسهولة ما ينكسر في داخله نتيجة الشّعور بعدم الاحترام أو انتقاص حريته.

ومن هنا أجد أنّ هذه التجربة الواقعية تؤكّد حقيقة نفسية مهمّة، وهي أنّ المرأة حين تجد من شريك حياتها دعمًا نفسيًّا وقبولًا غير مشروط لحريتها، ولحقّها في تغيير مظهرها أو اتّخاذ قراراتها الشخصية، فإنّها تزداد ثقةً بنفسها وبالعلاقة، التي تجمعهما معًا. وهكذا يتبيّن أنّ تقدير الإنسان لذات شريكه واحترام استقلاله لا يقلّل من الحبّ، بل يعمّقه، ولا ينتقص من الجمال، بل يمنحه معنى أكثر رسوخًا وإنسانيّةً. ولعلّ هذا ما جعل ذلك الموقف، في نظري، موقفًا إنسانيًّا قبل أن يكون موقف شاعر يعشق الجمال ويتغنّى به، لأنّ الركيزة الأولى لكلّ علاقة راقية ودائمة ليست تفاصيل المظهر، وإنّما احترام الذات الإنسانية، والإيمان بأنّ الحرية والثّقة هما الأساس، الذي تزدهر فوقه العلاقات وتستمرّ مع مرور الزمن.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:05 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke