![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
حرّان: مدينة القمر والعلم والأنبياء
إعداد: الباحث فؤاد زاديكي تقف حرّان على تخوم التاريخ بوصفها واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وواحدة من أكثر مدن الشرق القديم إثارةً للدهشة والبحث. فمنذ آلاف السنين ظل اسمها حاضرًا في النصوص الدينية، والسجلات الآشورية، والكتابات اليونانية، والمصادر الإسلامية، حتى غدت مدينةً تتقاطع فيها الأسطورة بالتاريخ، والعلم بالدين، والحضارة بالحرب. وتقع حرّان في السهول العليا للجزيرة الفراتية جنوب شرقي الأناضول، قرب الحدود السورية الحالية، بين فضاءي بلاد الرافدين وبلاد الشام، الأمر الذي جعلها منذ أقدم العصور معبرًا للقوافل والجيوش والأفكار، ويرى الباحثون أنّ اسم «حرّان» يعود إلى أصول سامية قديمة، وربما إلى اللغة الأكادية أو الآرامية، وقد ورد في النصوص الآشورية بصيغة «Ḫarrānu» التي تعني «الطريق» أو «الرحلة»، وهو معنًى ينسجم مع موقع المدينة بوصفها محطة رئيسة على طرق التجارة القديمة بين العراق والشام والأناضول. وهناك من ربط الاسم بجذر يدلّ على الحرارة أو الأرض الجافة، إلا أنّ التفسير المتعلق بالطريق التجاري يظلّ الأرجح بين المؤرخين.[1] وتشير الأدلة الأثرية والنصوص القديمة إلى أنّ حرّان كانت مأهولة منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وربما قبل ذلك بزمن بعيد، وقد عُرِفت في العصر السومري والأكادي ثم الآشوري والحثي مركزًا تجاريًا ودينيًا مهمًّا. وكانت القوافل القادمة من جنوب العراق والمتجهة نحو البحر المتوسط أو الأناضول تمرّ بها حتمًا، الأمر الذي منحها ازدهارًا اقتصاديًّا وسياسيًّا متواصلًا. وقد اشتهرت المدينة في العصور القديمة بعبادة إله القمر البابلي الآشوري «سين» سين، وكان فيها معبد عظيم مُكرّس لعبادته، حتى أصبحت أحد أهم المراكز الدينية الخاصّة بإله القمر في الشرق القديم.[2] ولم يكن حضور حرّان دينيًّا في الحضارات الوثنية فحسب، بل امتد إلى الديانات الإبراهيمية أيضًا، إذ تذكرها التوراة مرارًا باعتبارها المدينة التي أقام فيها النبي إبراهيم بعد خروجه من أور وقبل انتقاله إلى أرض كنعان. كما ارتبطت المدينة بقصص النبي يعقوب و«لابان» لابان، مما منحها مكانة خاصة في التراثين اليهودي والمسيحي، ثم الإسلامي لاحقًا.[3] وعبر تاريخها الطويل خضعت حرّان لإمبراطوريات ودول كثيرة، فكانت أولًا ضمن نفوذ الإمبراطورية الآشورية التي جعلت منها مركزًا إداريًّا ودينيًّا مهمًا، ثم خضعت لـلإمبراطورية البابلية الحديثة، وكان الملك البابلي الشهير نابونيد مُولعًا بمعبد إله القمر فيها. وبعد سقوط بابل دخلت المدينة تحت حكم الإمبراطورية الأخمينية، ثم أصبحت جزءًا من العالم الهلنستي بعد فتوحات الإسكندر الأكبر، لتنتقل بعد ذلك إلى حكم الرومان ثم البيزنطيين. وفي سنة 53 قبل الميلاد شهدت المنطقة المحيطة بحرّان إحدى أشهر المعارك في التاريخ القديم، حين هزم الفرثيون الجيش الروماني بقيادة كراسوس في معركة قاسية عُدت من أعظم الهزائم العسكرية التي تعرّضت لها روما.[4] ومع الفتح الإسلامي دخلت حرّان عصرًا جديدًا، إذ أصبحت جزءًا من الدولة الإسلامية في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم ازدهرت في العصر الأموي ازدهارًا كبيرًا، خاصة حين اتخذها مروان بن محمد مقرًّا سياسيًّا وعسكريًّا له قُبيل سقوط الدولة الأموية. واستمرّت المدينة مزدهرة في العصر العباسي، حيث تحوّلت إلى مركز علمي وفلسفي بالغ الأهمية، قبل أن تتعرّض لاحقًا لصراعات السلاجقة والأيوبيين ثم لاجتياحات المغول، التي أدّت إلى خراب أجزاء واسعة منها وتراجع دورها الحضاري.[5] ومن أبرز معالم المدينة التاريخية قلعة حران، التي تعد شاهدًا حيًّا على التحوّلات العسكريّة والسياسيّة، التي شهدتها المنطقة عبر قرون طويلة. وقد شُيِّدت القلعة فوق مرتفع داخل المدينة القديمة لتشرف على الطرق التجاريّة والعسكريّة القادمة من العراق والشام والأناضول. ويرى المؤرخون أنّ أصول تحصيناتها ربما تعود إلى العصرين الرومانيّ أو البيزنطيّ، غير أنّه أعيد بناؤها وتَوسعتها في العصور الإسلامية، خاصة في العصرين الأموي والعباسي، ثم في العهدين الزنكي والأيوبي. وكانت القلعة تضم أبراجًا دفاعية وأسوارًا ضخمة وساحات داخلية وغرفًا للحامية، غير أنّ الغزو المغولي في القرن الثالث عشر ألحق بها دمارًا واسعًا، فتحوّلت تدريجيًّا إلى أطلال أثرية.[6] وبالقرب من القلعة والجامع الكبير قامت واحدة من أهم المدارس العلمية في العالم الإسلامي، والتي تُعرف اليوم باسم جامعة حران القديمة، مع أنّ مفهوم «الجامعة» هنا يختلف عن الجامعات الحديثة. فقد كانت حرّان في الحقيقة مركزًا علميًّا متكاملًا يضمّ حلقات تعليم، ومكتبات، ومدارس للترجمة والفلسفة والفلك والرياضيات والطب. وقد ازدهر هذا المركز خصوصًا بفضل جماعة الصابئة الحرانيين الذين جمعوا بين التراث البابلي القديم والفلسفة اليونانية وعلم الفلك، وأتقنوا اللغات اليونانية والسريانية والعربية، مما جعلهم من أهم المترجمين والعلماء في العصر العباسي.[7] وكان لحرّان دور مفصلي في نقل التراث اليوناني إلى الحضارة الإسلامية، ثم إلى أوروبا لاحقًا، إذ انتقل كثير من علمائها إلى بيت الحكمة وأسهموا في حركة الترجمة الكبرى. ومن أشهر علماء حرّان ثابت بن قرة الصّابي، الذي يُعدّ من أعظم علماء الرياضيات والفلك في الحضارة الإسلامية، وقد ترجم مؤلفات إقليدس وأرخميدس وطوّر أبحاثًا مهمّة في الهندسة ونظرية الأعداد والفلك. كما اشتهرت أسرة ثابت بن قرة العلمية، ومنهم سنان بن ثابت، إضافة إلى إبراهيم الصّابي، فضلًا عن ارتباط المنطقة بعالم الفلك الشهير محمد بن جابر البطاني. كما أنّ أسرة أحمد بن تيمية تعود أصولها إلى حرّان قبل هجرتها إلى دمشق عقب الغزو المغولي.[8] وقد عُرِفت حرّان بمكتباتها الواسعة واهتمامها بالفلك ورصد الكواكب والنجوم، حتى ارتبط اسمها في المخيال الشعبي بالسّحر والأسرار الفلكية والأنفاق الخفيّة تحت الأرض، وإن كانت معظم هذه الروايات تندرج ضمن الأساطير الشعبيّة غير المُثبتة تاريخيًّا. ومع ذلك، فإنّ الدور العلمي الحقيقي للمدينة لا يقلّ إدهاشًا عن الأساطير، لأنّها مثّلت حلقة حضارية مركزية في انتقال علوم العالم القديم من اليونان وبلاد الرافدين إلى الحضارة الإسلامية، ومنها إلى أوروبا في عصر النهضة.[9] وما تزال حرّان حتى اليوم تحتفظ ببعض معالمها الشهيرة مثل الجامع الكبير في حران والبيوت الطينية المخروطيّة الفريدة، التي صُمِّمت بطريقة تساعد على تبريد الهواء صيفًا، فضلًا عن بقايا الأسوار والقلعة والأبنية القديمة التي لا تزال الحفريات تكشف أسرارها تباعًا. والمثير أنّ اسم المدينة نفسه ظلّ قريبًا من أصله القديم عبر آلاف السنين، من «Ḫarrānu» الآشورية إلى «Harran» الحديثة و«حرّان» العربية، وهو أمر نادر في تاريخ المدن القديمة، ويكشف عن استمراريّة الذاكرة الحضاريّة لهذا المكان الفريد.[10] إنّ حرّان ليست مجرّد مدينة أثرية مُهملة على أطراف الجغرافيا الحديثة، بل هي طبقة كثيفة من التاريخ الإنساني، اجتمعت فيها طرق التجارة القديمة، وعبادات الشرق، وأسفار الأنبياء، وحروب الإمبراطوريات، وترجمات الفلاسفة، ومراصد الفلكيين، ومدارس العلماء. ولهذا بقي اسمها حاضرًا في ذاكرة الحضارات بوصفها مدينة القمر والعلم والأنبياء. --- الهوامش والمراجع [1] Philip K. Hitti, History of Syria, Macmillan, New York. [2] Seton Lloyd, The Archaeology of Mesopotamia, Thames & Hudson. [3] سفر التكوين، العهد القديم، الإصحاحات المتعلقة برحلة إبراهيم ويعقوب. [4] Plutarch, Life of Crassus. [5] الطبري، تاريخ الرسل والملوك. [6] K. A. C. Creswell, A Short Account of Early Muslim Architecture. [7] Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture. [8] ابن النديم، الفهرست؛ والقفطي، إخبار العلماء بأخبار الحكماء. [9] De Lacy O’Leary, How Greek Science Passed to the Arabs. [10] Encyclopaedia Britannica, “Harran”. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|