الْكَرَامَةُ وَالْحُبُّ فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ لِلْبَاحِثِ: فُؤَاد زَادِيكِي تُعْتَ
الْكَرَامَةُ وَالْحُبُّ فِي مِيزَانِ الْعَقْلِ
لِلْبَاحِثِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تُعْتَبَرُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالْحُبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْقَضَايَا تَعْقِيدًا فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلِتَحْلِيلِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ بِعَقْلَانِيَّةٍ وَمَنْطِقٍ، يَجِبُ تَفْكِيكُ الْمَفَاهِيمِ وَتَحْدِيدُ الْأَدْوَارِ الْوَظِيفِيَّةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي اسْتِمْرَارِ الْعَلَاقَةِ، فَمِنْ مَنْظُورٍ مَنْطِقِيٍّ، تُعَدُّ الْكَرَامَةُ هِيَ الْأَسَاسَ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ الْكَيَانُ الْإِنْسَانِيُّ، بَيْنَمَا الْحُبُّ هُوَ الْعَاطِفَةُ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ كَيَانَيْنِ، وَبِمَا أَنَّ الْكَرَامَةَ شَرْطٌ وُجُودِيٌّ، فَلَا يُمْكِنُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يُقَدِّمَ حُبًّا سَوِيًّا إِذَا كَانَ فَاقِدًا لِتَقْدِيرِهِ لِذَاتِهِ، لِأَنَّ التَّنَازُلَ عَنِ الْكَرَامَةِ يَعْنِي ذَوَبَانَ الشَّخْصِيَّةِ وَتَحَوُّلَ الْعَلَاقَةِ مِنْ شَرَاكَةٍ إِلَى تَبَعِيَّةٍ، فِي حِينِ يَبْقَى الْحُبُّ قِيمَةً مُضَافَةً تَمْنَحُ الْعَلَاقَةَ مَعْنَاهَا دُونَ أَنْ يُعَوِّضَ غِيَابَ الِاحْتِرَامِ الذَّاتِيِّ. وَيُمْكِنُ لِلْكَرَامَةِ وَالْحُبِّ أَنْ يَسِيرَا جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، بَلْ إِنَّ اسْتِمْرَارِيَّةَ الْعَلَاقَةِ بِشَكْلٍ صِحِّيٍّ تَعْتَمِدُ عَلَى تَلَازُمِهِمَا، حَيْثُ أنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ، الَّذِي يَحْمِي كَرَامَةَ الشَّرِيكِ وَيَجْعَلُهَا جُزْءًا مِنْ كَرَامَةِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ، وَهَذَا يَتَحَقَّقُ عَبْرَ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، الَّذِي يَمْنَعُ صِرَاعَ الْغَلَبَةِ. وَلِكَيْ تَسْتَمِرَّ الْعَلَاقَةُ عِنْدَمَا تَكُونُ الْكَرَامَةُ أَوْلَوِيَّةً، يَتَطَلَّبُ الْأَمْرُ وَضْعَ دُسْتُورٍ يَعْتَمِدُ عَلَى تَرْسِيمِ الْحُدُودِ بِوُضُوحٍ، وَالتَّوَاصُلِ الْعَقْلَانِيِّ الَّذِي يُرَكِّزُ عَلَى حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ دُونَ إِهَانَةِ الذَّاتِ، مَعَ الْحِفَاظِ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الِاسْتِقْلَالِيَّةِ، الَّتِي تَمْنَعُ الِابْتِزَازَ الْعَاطِفِيَّ. وَفِي الْوَاقِعِ، لَا يُؤَدِّي وَضْعُ الْكَرَامَةِ كَأَوْلَوِيَّةٍ إِلَى انْعِكَاسَاتٍ سَلْبِيَّةٍ إِلَّا إِذَا خُلِطَتْ بِالْكِبْرِيَاءِ الزَّائِفِ أَوِ "الْأَنَا" الْمُتَضَخِّمَةِ، فَالْكَرَامَةُ الْعَقْلَانِيَّةُ تَخْلُقُ بِيئَةً مِنَ الِاحْتِرَامِ الْمُسْتَدَامِ، بَيْنَمَا الْكِبْرِيَاءُ الْمُتَصَلِّبُ يُؤَدِّي إِلَى الْجُمُودِ وَرَفْضِ الِاعْتِذَارِ مِمَّا يَقْتُلُ رُوحَ الْمَوَدَّةِ. وَالْخُلَاصَةُ الْمَنْطِقِيَّةُ هِيَ أَنَّ الْكَرَامَةَ لَيْسَتْ عَدُوًّا لِلْحُبِّ بَلْ هِيَ سِيَاجُهُ، وَالْعَلَاقَةُ الَّتِي تطلبُ التَّضْحِيَةَ بِالْكَرَامَةِ هِيَ عَلَاقَةٌ مَحْكُومٌ عَلَيْهَا بِالْفَشَلِ، لِأَنَّ أسمى أَنْوَاعِ الْحُبِّ هُوَ، الَّذِي يُعَزِّزُ قِيمَةَ الشَّرِيكِ وَلَا يُذِلُّهُ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|