![]() |
Arabic keyboard |
|
#1
|
||||
|
||||
|
التَّوَجُّدُ السُّرْيَانِيُّ فِي دِيرِيك بِقَلَمِ: فُؤَادِ زَادِيكِي تمهيد نُزُولًا عِنْدَ رَغْبَةِ الإِذَاعَةِ الكُرْدِيَّةِ فِي دِيرِيك (بِيشْفَارُو)، وَتَلْبِيَةً لِمَسْعَاهَا المَشْكُورِ الرَّامِي إِلَى تَعْزِيزِ التَّعَارُفِ وَالتَّقَارُبِ بَيْنَ شُعُوبِ هَذِهِ المَدِينَةِ وَقَوْمِيَّاتِهَا المُتَعَدِّدَةِ، وَقَعَ اخْتِيَارُ الفِلْمُونُو بِهَجْتِ أَحْمَد عَلِيّ كَسُرْيَانِيٍّ مِنْ أَبْنَاءِ دِيرِيك، كِي أَتَوَلَّى الحَدِيثَ عَنْ نَشْأَةِ المَدِينَةِ وَتَارِيخِهَا، وَعَنْ الحُضُورِ السُّرْيَانِيِّ فِيهَا مِنْ مَنْظُورٍ سُرْيَانِيٍّ أَصِيلٍ. وَسَوْفَ تُذِيعُ المُحَطَّةُ هَذَا المَقَالَ يَوْمَ السَّبْتِ الْخَامِسِ مِنْ نُوفَمْبَر 2016، مَقْرُوءًا بِصَوْتِي عَبْرَ تَطْبِيقِ الوَاتْسَاب، فِيمَا سَيَتَوَلَّى أَحَدُ الإِخْوَةِ الكُرْد اسْتِعْرَاضَ تَارِيخِ الوُجُودِ الكُرْدِيِّ فِي دِيرِيك مِنْ جِهَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الصَّدِيقُ الأُسْتَاذُ مُحَمَّد قَاسِم مِنَ الجَانِبِ الكُرْدِيِّ. الجُذُورُ الجُغْرَافِيَّةُ وَالتَّارِيخِيَّةُ تُشَكِّلُ الجَزِيرَةُ السُّرْيَانِيَّةُ، بِحُكْمِ مَوْقِعِهَا الجُغْرَافِيِّ المُتَمَيِّزِ، القِسْمَ الأَوْسَطَ مِنْ بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ، وَكَانَتْ مِنْطَقَةً وَاسِعَةَ الأَرْجَاءِ تَمْتَدُّ مِنْ نَهْرِ دِجْلَةَ غَرْبًا حَتَّى الفُرَاتِ حَيْثُ تَقَعُ الرَّقَّةُ اليَوْمَ. وَقَدْ تَعَاقَبَتْ عَلَى هَذِهِ المِنْطَقَةِ المَعْرُوفَةِ بِـ"مِيزُوبُوتَامِيَا" أُمَمٌ وَإِمْبِرَاطُورِيَّاتٌ مُتَعَاقِبَةٌ وَمُتَبَايِنَةٌ، إِلَى أَنْ اسْتَقَرَّ الأَمْرُ بِسَيْطَرَةِ الآرَامِيِّينَ - السُّرْيَانِ عَلَيْهَا فِي القَرْنِ الْخَامِسَ عَشَرَ قَبْلَ المِيلَادِ، فَأَسَّسَ الآرَامِيُّونَ مَمَالِكَ عَدِيدَةً فِي هَذِهِ البِلَادِ، وَامْتَدَّتْ رِقْعَةُ أَرَاضِيهِمْ حَتَّى بَلَغَتْ مَنطِقَةَ الخَلِيجِ وَشَرْقِيِّ دِجْلَةَ. وَفِي حَقْبَةِ الصِّرَاعِ المُحْتَدِمِ بَيْنَ الإِمْبِرَاطُورِيَّتَيْنِ الفَارِسِيَّةِ وَالْبِيَزَنْطِيَّةِ، قُسِّمَتِ الجَزِيرَةُ بَيْنَ القُوَّتَيْنِ؛ فَاسْتَوْلَتِ الإِمْبِرَاطُورِيَّةُ الفَارِسِيَّةُ السَّاسَانِيَّةُ عَلَى قِسْمِهَا الشَّرْقِيِّ حَتَّى نَصِيبِينَ الَّتِي كَانَتِ الحَدَّ الفَاصِلَ بَيْنَهُمَا، فِيمَا ظَلَّ القِسْمُ الغَرْبِيُّ حَتَّى نَهْرِ الفُرَاتِ فِي قَبْضَةِ بِيَزَنْطَةَ. وَخِلَالَ هَذِهِ الحَقَبَةِ كُلِّهَا، كَانَ الحُضُورُ السُّرْيَانِيُّ مُتَجَذِّرًا بِعَنِفَوَانِهِ الحَضَارِيِّ وَالثَّقَافِيِّ فِي جَمِيعِ مُدُنِ الجَزِيرَةِ وَبِلْدَاتِهَا؛ نَصِيبِينَ وَمَارْدِين وَتِلّ مُوزِل وَوِيرَان شَهْر وَالرُّهَا وَقَنَّسَرِين وَآزْخ (بَيْت زَبْدَا) الَّتِي كَانَتْ تَتَبَعُهَا قُرًى وَبِلْدَاتٌ عَدِيدَة، مِنْ بَيْنِهَا دِيرِيك وَبَرَهْ بَيْت وَسَوَاهَا. ثُمَّ جَاءَتِ الفُتُوحَاتُ الإِسْلَامِيَّةُ لِتُحْدِثَ تَحَوُّلًا جَذْرِيًّا فِي خَارِطَةِ المِنْطَقَةِ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ السُّرْيَانِ الدِّينَ الجَدِيدَ لأَسْبَابٍ شَتَّى لا مَجَالَ لِاسْتِعْرَاضِهَا هُنَا. وَقَدْ أَسْهَمَ السُّرْيَانُ فِي مُعَاوَنَةِ العَرَبِ المُسْلِمِينَ، أَبْنَاءِ عَمُومَتِهِمْ، لِلتَّخَلُّصِ مِنَ المَظَالِمِ الَّتِي كَانُوا يَرْزَحُونَ تَحْتَهَا عَلَى يَدِ الفُرُسِ وَالرُّومِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، وَكَانَ لَهُمْ دَوْرٌ بَارِزٌ فِي مَقْتَلِ المَرْزَبَانِ الفَارِسِيِّ، فَإِنَّ القَاتِلَ كَانَ رَجُلًا سُرْيَانِيًّا. ظَلَّتِ المِنْطَقَةُ تَحْتَ الحُكْمِ العَرَبِيِّ الإِسْلَامِيِّ إِلَى أَنْ أَسْدَلَ سُقُوطُ الخِلَافَةِ السِّتَارَ عَلَى تِلْكَ الحَقَبَةِ، وَحَلَّ مَحَلَّهَا المُغُولُ وَالتُّتَارُ الَّذِينَ أَوْقَعُوا دِمَارًا شَامِلًا بِالمَعَالِمِ المَسِيحِيَّةِ، وَكَانَتْ فِي مُجْمَلِهَا سُرْيَانِيَّةً. فَتَمَّ التَّهْجِيرُ القَسْرِيُّ وَالقَتْلُ وَتَخْرِيبُ الأَدِيرَةِ وَالكَنَائِسِ وَهَدْمُهَا، مِمَّا أَضْطُرَّ السُّكَّانَ إِلَى الفِرَارِ أَوِ التَّعَرُّضِ لِلْقَتْلِ عَلَى أَيْدِي الغُزَاةِ. وَهَكَذَا خَلَتِ المِنْطَقَةُ مِنَ السُّرْيَانِ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ المُظْلِمَةِ، غَيْرَ أَنَّ أَدِيرَتَهُمْ المُنتَشِرَةَ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ وَبِلْدَةٍ بَقِيَتْ شَاهِدًا صَامِدًا عَلَى وُجُودِهِم الأَصِيلِ فِي هَذِهِ البِلَادِ، بِلَادِ مَا بَيْنَ النَّهْرَيْنِ جَمِيعَهَا. السُّرْيَانُ مَعَلِّمُو الأُمَمِ كَانَ السُّرْيَانُ مَعَلِّمِي العَرَبِ وَالفُرُسِ وَسَائِرِ الشُّعُوبِ، فَعَنْ طَرِيقِهِم ازْدَهَرَتْ حَرَكَةُ التَّرْجَمَةِ وَالنَّقْلِ وَالكِتَابَةِ، وَكَانَ لِلُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ أَثَرٌ مُبَاشِرٌ وَجَلِيٌّ فِي كَثِيرٍ مِنْ مُفْرَدَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ ذَاتِه. وَلا يُمْكِنُ لِهَذَا الحُضُورِ اللُّغَوِيِّ وَالثَّقَافِيِّ وَالحَضَارِيِّ العَمِيقِ أَنْ يَكُونَ وَلِيدَ صُدْفَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى حُضُورٍ فَعْلِيٍّ رَاسِخٍ لِلسُّرْيَانِ فِي هَذِهِ المَنَاطِقِ الَّتِي هِيَ مَوَاطِنُهُم الأَصِيلِيَّةُ. وَقَدْ ظَلَّ تَأْثِيرُهُمْ وَشَوَاهِدُ وُجُودِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ مَاثِلَةً لِلْعَيَانِ، لا يُسْتَطَاعُ إِنْكَارُهَا أَوِ التَّغَافُلُ عَنْهَا. النَّشْأَةُ وَتَطَوُّرُ دِيرِيكَ تَقَعُ دِيرِيك فِي أَقْصَى الشَّمَالِ الشَّرْقِيِّ مِنْ سُورِيَا، وَتَتَبَعُ إِدَارِيًّا مُحَافَظَةَ الحَسَكَةِ، وَتَتَمَتَّعُ بِمَوْقِعٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ بَالِغِ الأَهَمِّيَّةِ عِنْدَ المِثْلَّثِ الحُدُودِيِّ بَيْنَ سُورِيَا وَالعِرَاقِ وَتُرْكِيَا. وَتَبْعُدُ مَسَافَةَ 190 كِيلُومِتْرًا عَنْ مَدِينَةِ الحَسَكَةِ، وَ90 كِيلُومِتْرًا عَنْ القَامِشْلِي، وَنَحْوَ 900 كِيلُومِتْرٍ عَنْ العَاصِمَةِ دِمَشْق، وَتَرْتَفِعُ 422 مِتْرًا عَنْ مُسْتَوَى البَحْرِ. وَيَعُودُ اسْمُهَا القَدِيمُ "دِيرِيك" إِلَى الكَلِمَةِ السُّرْيَانِيَّةِ "دِيرُونِي" الَّتِي تَعْنِي "الدِّيرَ الصَّغِيرَ"، نِسْبَةً إِلَى الكَنِيسَةِ الواقِعَةِ شَرْقِيَّ القَرْيَةِ قَدِيمًا، التَّابِعَةِ لأَبْرَشِيَّةِ بَازْبَدِي، وَمَرْكِزُهَا آذَخ. حِينَ انسَحَبَت فِرَنْسَا مِنْ تُرْكِيَا عَامَ 1922، هَاجَرَ مَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ الأُسَرِ السُّرْيَانِيَّةِ التُّرْكِيَّةِ عَلَى ظَهْرِ السُّفُنِ مُتَوَجِّهِينَ إِلَى لُبْنَان، فَأَقَامَ بَعْضُهُمْ هُنَاكَ وَوَاصَلَ آخَرُونَ رِحْلَتَهُمْ نَحْوَ دِيرِيك وَالقَامِشْلِي وَعَيْنِ دِيُوَار، مُسْتَأْنِسِينَ بِالوُجُودِ الفَرَنْسِيِّ الَّذِي بَدَأَ مُنْذُ عَام 1919. وَبَعْدَ دُخُولِ القُوَّاتِ الفَرَنْسِيَّةِ إِلَى سُورِيَا وَوَضْعِهَا تَحْتَ الاِنتِدَابِ عَامَ 1920، شَرَعَت فِي رَسْمِ حُدُودِ الدَّوْلَةِ النَّاشِئَةِ عَبْرَ مُفَاوَضَاتٍ مَعَ بَرِيطَانِيَا مِنْ جِهَةٍ، وَمَعَ الحُكُومَةِ التُّرْكِيَّةِ الوَلِيدَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى. وَكَانَتْ ثَمَرَةُ اِتِّفَاقِيَّةِ تَرْسِيمِ الحُدُودِ المَوْقَّعَةِ عَامَ 1928 ضَمَّتْ مِنْطَقَةَ دِيرِيك إِلَى سُورِيَا، لِتَغْدُو مِنْطَقَةً إِدَارِيَّةً مَرْكِزُهَا قَرْيَةُ عَيْنِ دِيُوَار حَتَّى عَام 1941. وَبِمُوجَبِ المَرْسُومِ 1414 الصَّادِرِ فِي 18 تَمُّوز 1933، ارْتَقَتْ دِيرِيك إِلَى مُرْتَبَةِ البَلْدَةِ وَأُنشِئَتْ فِيهَا البَلَدِيَّةُ. وَفِي عَام 1936 رُقِّيَتْ إِلَى قَائِمِقَامِيَّةٍ وَأُبْدِلَ اسْمُهَا بِـ"قَائِمِقَامِيَّةِ الدُّجْلَةِ"، ثُمَّ حَوَّلَهَا الفَرَنْسِيُّونَ عَامَ 1938 إِلَى مَرْكِزِ المِنْطَقَةِ وَنُقِلَ إِلَيْهَا مَقَرُّ المُسْتَشَارِ الفَرَنْسِيِّ الَّذِي كَانَ مُقِيمًا فِي عَيْنِ دِيُوَار. وَبِمُوجَبِ المَرْسُومِ 346 الصَّادِرِ فِي 24 آذَار 1957، اسْتُبْدِلَ اسْمُ المَدِينَةِ بِتَسْمِيَةِ "الْمَالِكِيَّةِ" نِسْبَةً إِلَى العَقِيدِ عَدْنَان المَالِكِي. السُّرْيَانُ وَبِنَاءُ دِيرِيكَ الحَدِيثَةِ حِينَ عَادَ الفَرَنْسِيُّونَ فِي المَرَّةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الاِنْسِحَابِ البِرِيطَانِيِّ المُؤَقَّتِ، اسْتَتَبَّ الأَمْنُ وَعَادَتِ الحَيَاةُ إِلَى مَجَارِيها، فَأَخَذَتْ دِيرِيك تَتَّسِعُ وَتَنْمُو. وَكَانَ مِنْ أَبْرَزِ مَا أَضَافَهُ السُّرْيَانُ الأَزْخِيُّونَ إِلَى هَذِهِ البَلْدَةِ أَنَّهُمْ نَشَرُوا زِرَاعَةَ الكُرُومِ فِيهَا وَحَوْلَهَا، فَإِنَّهُمْ عُشَّاقُ الكَرْمَةِ وَخُبَرَاءُ فِي فُنُونِ رِعَايَتِهَا وَتَعَهُّدِهَا، حَتَّى غَدَت دِيرِيك مُحَاطَةً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ بِجَنَائِنِ الكُرُومِ وَبَسَاتِينِ العِنَب. وَانْتَشَرَتْ فِي المَدِينَةِ صُنُوفُ المِهَنِ وَالحِرَفِ؛ مِنْ حَدَادَةٍ وَنَجَارَةٍ وَحِيَاكَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَحَلَّاقَةٍ وَدَكَاكِينَ السِّمَانَةِ وَالخُرْدَوَاتِ وَالخُضْرَوَاتِ وَالفَنَادِقِ وَالمَقَاهِي وَالأفْرَانِ. وَانْتَعَشَتِ الحَرَكَةُ الاقْتِصَادِيَّةُ انْتِعَاشًا مَلْمُوسًا وَأَصْبَحَت دِيرِيك مَرْكَزًا تِجَارِيًّا نَابِضًا بِالحَيَاةِ وَالحَرَكَةِ لِجَمِيعِ سُكَّانِ القُرَى المُحِيطَةِ بِهَا. وَشِيِّدَتِ المَدَارِسُ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاحِلِهَا ابْتِدَائِيَّةً وَإِعْدَادِيَّةً وَثَانَوِيَّةً، ثُمَّ مَعَاهِدُ الحِرَفِ اليَدَوِيَّةِ وَالصِّنَاعِيَّةِ. وَزَادَ اكْتِشَافُ النَّفْطِ فِي حُقُولِ رَمِيلَان مِنْ ثَرَاءِ البَلْدَةِ وَنَشَاطِ الحَرَكَةِ العُمُرَانِيَّةِ فِيهَا. وَكَانَتْ أَوَّلُ مَدْرَسَةٍ فِي دِيرِيك هِيَ مَدْرَسَةُ الدُّجْلَةِ الخَاصَّةُ لِلسُّرْيَانِ الأَرْثُوذُكْس، تَمَّ بِنَاؤهَا بِهَمَّةِ رِجَالِ آذَخ السُّرْيَانِ وَبِدَعْوَةٍ مِنَ المَرْحُومِ مُرَاد صُوهْرُو كَفِكْرَةٍ سَنَةَ 1930م. الحَيَاةُ السِّيَاسِيَّةُ وَالاجْتِمَاعِيَّةُ اِنْتَسَبَ السُّرْيَانُ إِلَى الأَحْزَابِ السِّيَاسِيَّةِ وَشَارَكُوا فِي الحَيَاةِ العَامَّةِ بِفَعَالِيَّةٍ مَلْمُوسَةٍ، مُوَزَّعِينَ اِنْتِمَاءَاتِهِم عَلَى أَطْيَافٍ سِيَاسِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، أَحْيَانًا مُتَقَاطِعَةٍ. وَقَدْ أَدَّوْا دَوْرًا مِحْوَرِيًّا فِي الحَيَاةِ السِّيَاسِيَّةِ وَمَعَارِكِ الاِنْتِخَابَاتِ الَّتِي شَهِدَتْهَا عُقُودُ الخَمْسِينِيَّاتِ وَالسِّتِّينِيَّاتِ وَالسَّبْعِينِيَّاتِ؛ فَإِنَّ صَوْتَ السُّرْيَانِ الأَزْخِينِيِّ بِثِقْلِهِ وَوَزْنِهِ هُوَ الَّذِي يُرَجِّحُ كَفَّةَ هَذَا المُرَشَّحِ أَوْ ذَاكَ فِي الوُصُولِ إِلَى مَجْلِسِ الشَّعْب. وَقَدْ وَقَفَ سُرْيَانُ دِيرِيك إِلَى جَانِبِ نَائِف بَاشَا فِي أَكْثَرَ مِنْ دَوْرَةِ انْتِخَابَاتٍ، وَأَسْهَمُوا فِي إِيصَالِ مُرَشَّحِيهِ إِلَى البَرْلَمَانِ. وَلَعَلَّ تَبَرُّعَ نَائِف بَاشَا لِبِنَاءِ كَنِيسَةِ مَارْ تشموني فِي دِيرِيك كَانَ وُفَاءً مِنْهُ لِهَذَا الدَّوْرِ الَّذِي اِضْطَلَعَ بِهِ السُّرْيَانُ. وَتَجْدُرُ الإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ عَلاقَةَ سُرْيَانِ دِيرِيك بِالكُرْدِ وَالعَرَبِ وَسَائِرِ مُكَوِّنَاتِ المُجْتَمَعِ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى التَّآلُفِ وَالِاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ، وَقَدْ عُرِفَ عَنْهُمُ التَّسَامُحُ وَالانْفِتَاحُ، وَاحْتَظُوا بِتَقْدِيرِ الجَمِيعِ. وَشَغَلَ السُّرْيَانُ وَظَائِفَ سِيَادِيَّةً هَامَّةً وَلِعُقُودٍ مُتَطَاوِلَةٍ، مِنْهَا رِئَاسَةُ البَلَدِيَّةِ وَالمُخْتَارَةِ وَإِدَارَةُ المَدَارِسِ وَالمُؤَسَّسَاتِ المُخْتَلِفَةِ وَرِئَاسَةُ المَرْكَزِ الثَّقَافِيِّ. وَتَخَرَّجَ مِنْهُم الأَطِبَّاءُ وَالمُحَامُونَ وَالمُهَنْدِسُونَ وَالمُعَلِّمُونَ. وَكَانَ يُقَدَّرُ لَهُمْ أَنَّ 95 بِالمِئَةِ مِنَ الحَرَكَةِ التِّجَارِيَّةِ وَالاقْتِصَادِيَّةِ فِي المَدِينَةِ كَانَتْ بِأَيْدِيهِم. وَكَانَ مَجْلِسُ المِلَّةِ لِطَائِفَةِ السُّرْيَانِ الأَرْثُوذُكْس يُؤَدِّي دَوْرًا بَارِزًا فِي الحَيَاةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ. مُنَاسَبَةُ شِيهِرِ بَرَهْ بَيْت وَلَا يُغْفَلُ فِي هَذَا السِّيَاقِ ذِكْرُ مُنَاسَبَةٍ بَالِغَةِ الأَهَمِّيَّةِ فِي وُجْدَانِ سُرْيَانِ دِيرِيك، وَهِيَ احْتِفَالِيَّةُ "شِيهِر بَرَهْ بَيْت" أَوْ عِيدُ العَذْرَاء عَلَى السَّنَابِلِ، الَّذِي يُصَادِفُ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ أَيَّارِ كُلِّ عَامٍ. وَهِيَ ظَاهِرَةٌ اقْتِصَادِيَّةٌ - اجْتِمَاعِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ يُشَارِكُ فِيهَا أَبْنَاءُ دِيرِيك وَالقُرَى المُجَاوِرَةِ وَالمُدُنُ الأُخْرَى، حَيْثُ تُذْبَحُ الذِّبَائِحُ فِي قَرْيَةِ بَرَهْ بَيْت الَّتِي تَحْتَضِنُ الكَنِيسَةَ، وَهِيَ دِيرٌ عَرِيقٌ أُعِيدَ بِنَاؤهُ بَعْدَ أَنْ طَالَهُ تَدْمِيرُ تِيمُورلَنْك كَمَا طَالَ سَائِرَ أَدِيرَةِ المِنْطَقَةِ وَكَنَائِسِهَا. قِصَّةُ أَرَاضِي دِيرِيك تَكْشِفُ الوَثَائِقُ المُثْبِتَةُ وَسَنَدَاتُ التَّمْلِيكِ أَنَّ السَّيِّدَ صَبْرِي يُوسُف سَعِيد، مِنْ زَاخُو، وَهُوَ شَخْصِيَّةٌ سُرْيَانِيَّةٌ عِرَاقِيَّةٌ، قَدَّمَ إِلَى دِيرِيك مُطْلِعَ الخَمْسِينِيَّاتِ، وَعَرَضَ عَلَى أَهْلِهَا السُّرْيَانِ شِرَاءَ أَرَاضِيهِ بِثَمَنٍ رَمْزِيٍّ، هَدِيَةً مِنْهُ لِلشَّعْبِ الأَزْخِينِيِّ البَطَلِ الَّذِي سَمِعَ عَنْ صُمُودِهِ وَبَسَالَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُعْرِبَ عَنْ إِعْجَابِهِ وَتَقْدِيرِهِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُتَفَرِّدَةِ، لِيَتَمَكَّنَ كُلُّ سُرْيَانِيٍّ فِي دِيرِيك مِنْ اِمْتِلَاكِ أَرْضٍ يَشِيدُ عَلَيْهَا بَيْتًا، وَأَرْضٍ زِرَاعِيَّةٍ تَكُونُ مَصْدَرَ رِزْقِهِ. وَتَوَلَّى المَرْحُومُ جَدِّي قَرِيَاقُس يُونُو جُمُعَةُ عَمَلِيَّةَ قِيَاسِ الأَرَاضِي وَتَوْزِيعِهَا عَلَى السُّرْيَانِ. وَعَلَى الفَوْرِ تَشَكَّلَتْ لَجْنَةُ الشِّرَاء مِنْ أَوْقَافِ كَنِيسَةِ السُّرْيَانِ الأَرْثُوذُكْس بِرِئَاسَةِ المُخْتَارِ كَبْرُو مُرَاد الحَكِيم، وَعُضْوِيَّةِ كُلٍّ مِنْ كُورْكِيس رَشْكُو وَيَعْقُوب شَمْعُون غَزُو وَيُوسُف لَحْدُو مُرَاد وَعَبْد الله عَبْد الأَحَد وَكِيلِ الأَوْقَافِ، بِتَارِيخ 20/5/1954. وَذَهَبَتِ اللَّجْنَةُ إِلَى القَامِشْلِي مَعَ صَبْرِي يُوسُف سَعِيد، وَكَانَ اللِّقَاءُ فِي فُنْدُقِ الفَرْدُوس، حَيْثُ اتُّفِقَ عَلَى شِرَاءِ ثُلثَي أَرَاضِي دِيرِيك الَّتِي يَمْلِكُهَا صَبْرِي يُوسُف وَالمُقَدَّرَةِ بِـ646 هِكْتَارًا بِمَبْلَغِ 11 أَلْفِ لِيرَةٍ سُورِيَّةٍ. وَلِمَّا لَمْ يَكُنِ المَبْلَغُ مُتَوَفِّرًا فِي صُنْدُوقِ الأَوْقَافِ، أُوكِلَ إِلَى كُورْكِيس رَشْكُو وَيُوسُف لَحْدُو مُرَاد اِسْتِدْيَانُهُ مِنَ السَّيِّدِ مَسْعُود أَفَنْدِي (آل أَصْفَر وَنَجَّار) فِي القَامِشْلِي، فَتَمَّ ذَلِكَ. وَهَكَذَا آلَ ثُلثَا أَرَاضِي دِيرِيك إِلَى أَوْقَافِ كَنِيسَةِ السُّرْيَانِ، فَمَا شَرَى السَّيِّدُ قَدْرِي عَبْد الغَنِي الثُلثَ الأَخِيرَ بِتَارِيخ 24/5/1954. ثُمَّ تَنَازَلَ رِزْقُ الله أَنْطُون، نِيَابَةً عَنْ ابْنِ أَخِيهِ صَبْرِي، عَنْ نِصْفِ أَمْلَاكِهِ صَالِحًا لِصَالِحِ بَلَدِيَّةِ دِيرِيك. وَأُبْرِمَتِ الاِتِّفَاقِيَّةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْن تُقِرُّ مِلْكِيَّةَ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَتَنْصُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ بِبَيْعِ هَذِهِ الأَمْلَاكِ دُونَ عِلْمِ الطَّرَفِ الآخَر وَمُوَافَقَتِهِ، وَهُوَ مَا وَثَّقَهُ عَقْدٌ خَطِّيٌّ وَمُصَوَّرٌ يَعُودُ إِلَى 17/11/1954. التحوُّلاتُ الدِّيمُوغْرَافِيَّةُ كَانَتِ الغَلَبَةُ السُّكَّانِيَّةُ فِي مَدِينَةِ دِيرِيك حَتَّى عَام 1975 لِلسُّرْيَانِ وَالآشُورِيِّين وَالكِلْدَان، إِذْ نَاهَزَت نِسْبَتُهُمْ 90 بِالمِئَةِ، ثُمَّ أَخَذَتْ تَتَرَاجَعُ تَدْرِيجِيًّا لِعَوَامِلَ عِدَّةٍ، أَبْرَزُهَا: مَوْجَاتُ الهِجْرَةِ المُتَوَاصِلَةِ الَّتِي نَزَفَتِ الوُجُودَ السُّرْيَانِيَّ نَزِيفًا حَادًّا. النُّزُوحُ الكُرْدِيُّ مِنَ الأَرْيَافِ إِلَى المَدِينَةِ مِمَّا رَجَّحَ كَفَّتَهُمْ عَدَدًا. التَّفَاوُتُ الكَبِيرُ فِي مُعَدَّلَاتِ المَوَالِيدِ، إِذْ سَعَى السُّرْيَانُ إِلَى تَحْدِيدِ النَّسْلِ. وَفِي عَام 1983 جَرَتِ الانْتِخَابَاتُ لِمَجَالِسِ الإِدَارَةِ المَحَلِّيَّةِ، وَأَسْفَرَتْ عَنْ فَوْزِ عَشَرَةٍ مِنْ أَبْنَاءِ آذَخ أَيْ مَا يُعَادِلُ النِّصْفَ، وَسِتَّةِ مَقَاعِدَ لِلأكراد، وَمَقْعَدٍ وَاحِدٍ لِلْعَرَبِ، وَمَقْعَدَيْن لِلْكِلْدَان. وَبِحُلُولِ عَام 2010 بَلَغَت النِّسْبَةُ أَدْنَى مُسْتَوَيَاتِهَا، إِذْ كَانَ مِنْ مُجْمُوعِ 73 أَلْفَ نَسَمَةٍ نَحْو 18 أَلْفًا سُرْيَانِيٍّ فَحَسْب، وَهُوَ رَقْمٌ وَاصَلَ اِنْحِدَارَهُ فِي الإِحْصَائِيَّاتِ اللاحِقَةِ. خَاتِمَةٌ وَكَلِمَةُ وِدَادٍ كَلِمَةٌ أَخِيرَةٌ أُهْدِيهَا إِلَى أَهْلِ دِيرِيك، أَحِبَّتِي وَأَصْدِقَائِي الَّذِينَ تَسْكُنُ مَحَبَّتُهُمْ قَلْبِي كَمَا تَسْكُنُ دِيرِيك الغَالِيَةُ رُوحِي، وَأَرَى فِيهَا آذَخَ الصَّغِيرَةَ: إِنَّ الشَّعْبَ السُّرْيَانِيَّ فِي دِيرِيك وَفِي غَيْرِهَا شَعْبٌ مُسَالِمٌ، مُنْفَتِحٌ عَلَى الآخَرِينَ، تَجْمَعُهُ بِالكُرْدِ وَالعَرَبِ وَسَائِرِ أَبْنَاءِ المِنْطَقَةِ رَوَابِطُ تَارِيخِيَّةٌ رَاسِخَةٌ قَوَامُهَا الِاحْتِرَامُ وَالتَّعَاوُنُ. وَلَيْسَ لِأَيِّ طَرَفٍ أَنْ يُفَكِّرَ فِي إِقْصَاءِ الآخَرِ أَوِ التَّفَرُّدِ عَلَى حِسَابِهِ، فَذَلِكَ انْتِحَارٌ لِلْجَمِيعِ. فَالْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِسِوَاكَ، وَالأَرْضُ تَحْتَضِنُ الجَمِيعَ حِينَ تُرِيدُ القُلُوبُ وَالعُقُولُ ذَلِكَ. إِنَّ الفُسَيْفِسَاءَ الوَطَنِيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ فِي دِيرِيك فَرِيدَةٌ مِنْ نَوْعِهَا، وَهِيَ ثَرْوَةٌ يَنْبَغِي أَنْ تُصَانَ وَتُحْفَظَ. فَأَيُّ خَلَلٍ يَطْرَأُ عَلَيْهَا لَنْ يَعُودَ بِالنَّفْعِ عَلَى أَحَدٍ. عَلَى الجَمِيعِ أَنْ يَسْعَوْا نَحْوَ الأَمْنِ وَالسَّلَامِ وَالتَّآخِي، فِي ذَلِكَ خَيْرُهُمْ جَمِيعًا. إِنَّ السُّرْيَانَ، بِدَافِعِ تَعَالِيمِهِم الدِّينِيَّةِ، أَهْلُ تَسَامُحٍ وَمَحَبَّةٍ وَوَطَنِيَّةٍ، لَا يَبْغُونَ اعْتِدَاءً وَلَا يَسْعَوْنَ إِلَى أَذًى. بَيْدَ أَنَّهُمْ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ شَعْبٌ لَا يَقْبَلُ المَسَّ بِحُقُوقِهِ أَوِ النَّيْلِ مِنْهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ، وَالشَّعْبُ السُّرْيَانِيُّ الأَزْخِينِيُّ لَمْ يَقْبَلِ الظُّلْمَ قَطُّ حَتَّى فِي أَعْتَى المِحَنِ وَأَصْعَبِ المَرَاحِلِ. لِهَذَا كُلِّهِ، يَجِبُ أَنْ تَسُودَ ثَقَافَةُ الاِحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ وَالاعْتِرَافِ بِحُقُوقِ الآخَرِ بَيْنَ جَمِيعِ قَوْمِيَّاتِ دِيرِيك وَأَدْيَانِهَا، وَأَنْ تُوَضَعَ مَصْلَحَةُ الوَطَنِ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ. فَمَنْ يَمْلِكِ القُوَّةَ، فَلْيَعْرِفْ أَيْضًا مَعْنَى الرَّحْمَةِ، وَلِيَذْكُرِ اللهَ. فَالْعَمَلُ المُشْتَرَكُ بِرُوحِ المَسْؤُولِيَّةِ وَالتَّعَاوُنِ هُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ إِلَى الخَلَاصِ وَالاِزْدِهَارِ لِلْجَمِيعِ. وَفِي الخِتَامِ، أَتَوَجَّهُ بِالشُّكْرِ الجَزِيلِ لِإِذَاعَةِ بِيشفَارُو (المُسْتَقْبَل)، وَأُحَيِّي أَهْلَ دِيرِيك بِجَمِيعِ أَطْيَافِهِم وَخُصُوصِيَّاتِهِم، فَهُمْ أَهْلِي وَأَصْدِقَائِي وَأَحِبَّائِي. أَتَمَنَّى لَكُمْ جَمِيعًا كُلَّ الخَيْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالتَّوْفِيقِ. التعديل الأخير تم بواسطة fouadzadieke ; 19-03-2026 الساعة 07:04 AM |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|