Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 06:56 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,341
افتراضي من الآراميين إلى السريان ثلاثة آلاف عام من التاريخ واللغة والحضارة والذاكرة بقلم ال

من الآراميين إلى السريان

ثلاثة آلاف عام من التاريخ واللغة والحضارة والذاكرة

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

حين نفتح صفحات التاريخ القديم للمشرق، فإننا ندخل إلى عالمٍ تتداخل فيه الشعوب واللغات والممالك والأديان والحضارات، عالمٍ لم تكن حدوده السياسية ثابتة، ولم تكن هويات شعوبه جامدة كما قد تبدو لنا اليوم. وفي قلب هذا العالم يبرز اسم الآراميين، ذلك الشعب أو الفضاء السكاني والثقافي الذي ارتبط اسمه منذ الألف الأول قبل الميلاد ببلاد الشام وبلاد الرافدين وشمال الجزيرة السورية ومناطق واسعة من المشرق القديم، وترك أثرًا عميقًا في تاريخ المنطقة ولغاتها وثقافاتها.

ومن بين جميع العناصر التي بقيت من ذلك العالم القديم، ربما كانت اللغة الآرامية أعظم شاهد على امتداد هذا الإرث واستمراره. فقد تجاوزت الآرامية حدود الممالك التي حملت اسمها، وانتقلت من لغة جماعات وممالك محلية إلى لغة واسعة الانتشار في الإدارة والتجارة والمراسلات والثقافة، ثم تطورت إلى لهجات ومدارس أدبية متعددة، كان من أبرزها السريانية التي أصبحت فيما بعد لغة أدبية ودينية وعلمية ذات تأثير واسع في تاريخ المشرق.

ومن هنا جاء عنوان هذا البحث: «من الآراميين إلى السريان: ثلاثة آلاف عام من التاريخ واللغة والحضارة والذاكرة»، وهو عنوان لا يقصد به اختزال تاريخ الآراميين في السريان، ولا القول إن التحول بين الاسمين كان حادثة مفاجئة أو قرارًا جماعيًا، وإنما يراد به تتبع مسار تاريخي طويل شهد تغيرات سياسية ودينية ولغوية وثقافية عميقة، مع بقاء عناصر من الاستمرارية التي تصل بين العالم الآرامي القديم والعالم السرياني في العصور المسيحية وما بعدها.

والسؤال الذي يقف خلف هذا البحث ليس مجرد سؤال عن اسم شعب أو لغة، وإنما هو سؤال عن حضارة كاملة: من هم الآراميون؟ أين ظهرت ممالكهم؟ من هم ملوكهم وقادتهم؟ ما المدن التي ازدهرت في ظلهم؟ ما الآلهة والمعتقدات التي عرفوها قبل المسيحية؟ وكيف انتشرت لغتهم حتى أصبحت إحدى أهم لغات المشرق القديم؟ وكيف تحولت بعض مراكزهم القديمة، وفي مقدمتها الرها ونصيبين، إلى مراكز كبرى للثقافة السريانية؟ وما الذي بقي من ذلك التراث؟ وما الذي ضاع؟ وكيف استطاعت السريانية أن تحمل جزءًا من الذاكرة الآرامية إلى عصور لاحقة؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى النظر إلى التاريخ على امتداد قرون طويلة، لا إلى مرحلة واحدة أو مدينة واحدة. ولذلك جاء البحث في ثلاثة أقسام مترابطة، يتناول كل قسم مرحلة أساسية من هذه الرحلة التاريخية.

يتناول القسم الأول: «الممالك والكيانات الآرامية في المشرق القديم»، البدايات السياسية والحضارية للآراميين، وممالكهم وإماراتهم ومدنهم في بلاد الشام وبلاد الرافدين، مع التوقف عند أبرز الكيانات التي عُرفت في المصادر والنقوش، مثل آرام دمشق، وآرام صوبا، وبيت رحوب، وبيت معكة، وجشور، وحماة، وأرفاد وبيت أغوسي، وبيت عديني، وبيت بحياني وغوزانا، وسمأل ويَعْدي وغيرها. كما يتناول هذا القسم عددًا من الملوك والقادة، والنقوش والآثار، وعلاقة هذه الممالك بالقوى الكبرى المحيطة بها، ولا سيما الآشوريين والحثيين الجدد وغيرهم، وصولًا إلى التحولات التي أنهت استقلال معظم الممالك الآرامية القديمة.

أما القسم الثاني: «الرها وأوسروينة ونشأة السريانية»، فينتقل بالقارئ من عالم الممالك القديمة إلى مرحلة تاريخية جديدة، ويضع مدينة الرها، أو أورهاي، في موقعها المحوري. فالرها ليست مجرد مدينة من مدن المشرق القديمة، وإنما تمثل إحدى أهم الحلقات في تاريخ انتقال الآرامية إلى السريانية الأدبية. وفي هذا القسم نتتبع تاريخ أوسروينة، وسلالة الأباجرة، والتقاليد المرتبطة بالمسيحية الأولى في الرها، ثم ظهور الأدب السرياني ونموه، ونقف عند أعلام كبار مثل برديصان وأفرام السرياني ونرساي ويعقوب السروجي وغيرهم، مع بحث مسألة العلاقة بين تسميتي «الآرامي» و«السرياني» بعيدًا عن التفسيرات المبسطة أو الروايات التي لا يسندها الدليل التاريخي.

ثم يأتي القسم الثالث: «السريان والعلوم والآداب وانتشار الثقافة الآرامية»، ليتابع رحلة السريانية بعد أن أصبحت لغة أدبية وثقافية واسعة. وفيه ننتقل إلى نصيبين ومدارسها، والأديرة والمراكز العلمية في بلاد الرافدين والمشرق، وإلى حركة التأليف والترجمة، والطب والفلسفة والمنطق والتاريخ والأدب، ودور العلماء السريان في نقل جانب مهم من المعارف اليونانية إلى السريانية ثم إلى العربية. كما يتناول هذا القسم المخطوطات والنقوش والبرديات، وانتشار السريانية إلى مناطق بعيدة في الشرق، والتفاعل بينها وبين العربية والفارسية واليونانية، وصولًا إلى مسألة بقاء اللغة في لهجات آرامية حديثة، وما تمثله هذه الاستمرارية من أهمية لغوية وحضارية.

وسيجد القارئ في هذه الأقسام الثلاثة حديثًا عن الممالك والمدن والملوك والقادة، وعن الحروب والتحالفات والهجرات، وعن الآلهة والمعتقدات القديمة، وعن النقوش والكتابات والبرديات، وعن اللغة الآرامية بمراحلها المختلفة، وعن الرها ونصيبين وتدمر والحضر وغيرها من المراكز التي لعبت أدوارًا مختلفة في التاريخ الآرامي والسرياني.

كما سيتوقف البحث عند قضية شديدة الحساسية في الذاكرة التاريخية، وهي السؤال عن مصير الكتب والتراث الآرامي القديم، وما إذا كان التحول إلى المسيحية قد أدى إلى إحراق التراث السابق والقضاء عليه. وسيحاول البحث أن يميز بين ما تثبته الأدلة الأثرية والنصية، وبين ما دخل في الذاكرة الشعبية أو التفسيرات اللاحقة، لأن التاريخ لا يُبنى على الرواية وحدها، بل على النقوش والمخطوطات والوثائق والآثار والمقارنة بين المصادر.

ولذلك فإن هذا البحث لا يهدف إلى صناعة تاريخ أسطوري، كما لا يهدف إلى إلغاء التحولات التي عرفها المشرق أو تجاهل الشعوب والحضارات التي تفاعلت مع الآراميين والسريان. فالآراميون عاشوا في عالم متعدد الشعوب واللغات، وتأثروا بجيرانهم وأثروا فيهم، كما أن السريان عاشوا لاحقًا في بيئات رومانية وفارسية وإسلامية وعربية، وشاركوا في إنتاج ثقافاتها ونقل معارفها.

إن أهمية هذا التاريخ تكمن تحديدًا في قدرته على إظهار أن الحضارات لا تختفي دائمًا عندما تسقط ممالكها، وأن اللغة قد تعيش بعد زوال الدولة، وأن الثقافة قد تعبر من دين إلى دين ومن إمبراطورية إلى أخرى، وأن مدينة واحدة مثل الرها قد تصبح جسرًا يصل بين عالمين تاريخيين مختلفين.

ومن هنا ندعو القارئ إلى قراءة الأقسام الثلاثة بوصفها رحلة واحدة متصلة: تبدأ بالممالك الآرامية في المشرق القديم، ثم تمر بالرها وأوسروينة ونشأة السريانية، وتنتهي بالمدارس والأديرة والعلوم والآداب وانتشار الثقافة السريانية في المشرق وخارجه.

إنها رحلة من النقش على الحجر إلى المخطوطة، ومن قصر الملك إلى المدرسة والدير، ومن الآرامية القديمة إلى السريانية، ومن الممالك التي حكمت مدن المشرق إلى الثقافة التي استطاعت أن تعيش قرونًا بعد سقوط تلك الممالك.

وفي هذه الرحلة سنحاول أن نقرأ التاريخ لا باعتباره مجموعة أسماء وتواريخ فحسب، بل باعتباره ذاكرة شعب ولغة وحضارة؛ ذاكرة تعرضت للفقدان والتبدل، لكنها تركت من الشواهد ما يكفي لكي نعيد رسم جانب مهم من تاريخ المشرق القديم والوسيط.

فمن الآراميين إلى السريان ليست مجرد رحلة في الأسماء، وإنما رحلة في الزمن واللغة والإنسان والحضارة والذاكرة.

فلنبدأ من البداية؛ من الممالك والكيانات التي حملت في تاريخ المشرق اسم الآراميين، ومن المدن التي شهدت صعودهم، ومن الملوك والقادة الذين تركوا أسماءهم على صفحات التاريخ والنقوش.

القسم الأول: الممالك والكيانات الآرامية في المشرق القديم.

بقلم الباحث فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:07 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke