Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 23-09-2026, 06:51 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,345
افتراضي من الآراميين إلى السريان القسم الثاني: الرها وأوسروينة ونشأة السريانية بقلم الباحث

من الآراميين إلى السريان

القسم الثاني: الرها وأوسروينة ونشأة السريانية

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

إذا كان القسم الأول قد تناول الممالك والكيانات الآرامية التي ظهرت في بلاد الشام والجزيرة وشمال بلاد الرافدين خلال العصر الحديدي، فإن الوصول إلى الرها، أورهاي، Edessa يمثل لحظة حاسمة في تاريخ الآراميين؛ لأن الرها ليست مجرد مملكة أخرى تضاف إلى قائمة الممالك القديمة، وإنما هي إحدى أهم الحلقات التي تصل التاريخ الآرامي القديم بتاريخ السريان والمسيحية السريانية. ففي هذه المدينة، الواقعة في أعالي بلاد الرافدين وعلى تخوم العالمين الروماني والفارسي، تطورت لهجة آرامية محلية أصبحت، بعد اعتناق المسيحية وانتشار الأدب الديني فيها، اللغة التي نعرفها باسم السريانية.

تقع الرها في المنطقة التي تعرف اليوم بمدينة شانلي أورفا في جنوب شرقي تركيا، وكانت منذ العصور القديمة في موقع جغرافي بالغ الأهمية؛ فهي قريبة من الفرات، وتتصل ببلاد الرافدين من الشرق وبشمال سورية والأناضول من الغرب والشمال. وقد جعلها هذا الموقع مركزًا للتجارة والحركة السياسية والثقافية، كما جعلها في الوقت نفسه منطقة تماس بين القوى الكبرى التي حكمت المشرق.

نشأت الرها في صورتها الهلنستية في القرن الرابع قبل الميلاد، وأصبحت لاحقًا مركزًا سياسيًا لمملكة أوسروينة (Osrhoene). وتختلف طبيعة هذه المملكة عن الممالك الآرامية في العصر الحديدي التي تناولناها سابقًا؛ إذ نشأت في عالم هلنستي متأخر، وكانت ذات بنية سياسية وثقافية مركبة، لكن سكانها المحليين استخدموا الآرامية، وأصبحت هذه الآرامية عنصرًا أساسيًا في هويتها الثقافية. ولذلك فإن أوسروينة لا ينبغي أن توصف ببساطة بأنها «آخر مملكة آرامية» وكأنها استمرار سياسي مباشر لآرام دمشق، بل ينبغي فهمها بوصفها كيانًا سياسيًا لاحقًا نشأ في بيئة آرامية وتطورت فيه إحدى أهم مراحل اللغة الآرامية.

وكانت المملكة محكومة من سلالة عرفت في المصادر باسم الأباجرة، أو Abgarids. ومن أشهر حكامها أبجر الخامس، الذي أصبح اسمه جزءًا من التاريخ الديني السرياني بسبب التقليد المسيحي الذي ربطه بالمسيح. وتحكي الرواية السريانية المعروفة باسم تعاليم أداي أن أبجر أرسل رسولًا يدعى أداي إلى المسيح، وأن أداي جاء بعد ذلك إلى الرها وبشر بالمسيحية فيها. وتروي تقاليد أخرى أن المسيح أرسل رسالة إلى أبجر، بل إن بعضها يتحدث عن صورة للمسيح أو منديل مقدس.

لكن المؤرخ ينبغي أن يفرق هنا بين التقليد الديني وبين الوثيقة التاريخية المعاصرة. فالرواية أصبحت ذات أهمية كبيرة في الذاكرة المسيحية السريانية، إلا أن ذلك لا يعني أن كل تفاصيلها يمكن إثباتها تاريخيًا. إن قيمة قصة أبجر وأداي تكمن أيضًا في أنها تكشف كيف فهم المسيحيون السريان أنفسهم بدايات مسيحيتهم، وكيف ربطوا مدينتهم بشخص المسيح والرسل.

وهذا التقليد كان له أثر هائل في تشكيل الوعي المسيحي بالرها. فالرها لم تكن بالنسبة إلى السريان مدينة عادية؛ بل أصبحت في الذاكرة الدينية واحدة من أقدم المدن التي ارتبطت بالمسيحية، وأصبحت قصة أبجر وأداي جزءًا من شرعية الكنيسة السريانية وذاكرتها الرسولية.

أما من الناحية التاريخية، فإن المسيحية كانت قد ترسخت في الرها خلال القرون الأولى للميلاد، وتدل الأدلة على وجود جماعات مسيحية في المدينة قبل القرن الرابع. ومع مرور الوقت أصبحت الرها أحد أهم مراكز المسيحية الناطقة بالآرامية، وبدأت الكنيسة المحلية تنتج أدبًا خاصًا بها، لا باليونانية فحسب، وإنما باللغة المحلية التي ستصبح السريانية.

وهنا تظهر أهمية الرها في تاريخ اللغة. فاللغة السريانية ليست لغة اخترعها المسيحيون، ولم تظهر من العدم نتيجة اعتناق المسيحية، وإنما هي مرحلة من مراحل تطور الآرامية. كانت هناك لهجات آرامية عديدة، ثم تطورت لهجة الرها وأصبحت لغة أدبية ذات قواعد وأساليب ومفردات خاصة، وارتبطت بصورة متزايدة بالمسيحية. ولذلك أصبح اسم «السريانية» مع مرور الزمن اسمًا للغة الآرامية الأدبية المسيحية التي انتشرت من الرها إلى مناطق بعيدة.

وتشير الدراسات اللغوية إلى أن السريانية هي إحدى اللهجات الآرامية الشرقية، وأنها أصبحت لاحقًا أهم اللغات الأدبية الآرامية المسيحية. كما أن الأدب السرياني يعد من أغنى التقاليد الأدبية التي وصلت إلينا من اللغات الآرامية. ("iranicaonline.org" (https://www.iranicaonline.org/articl...ce=chatgpt.com))

ومن المهم هنا عدم تحويل الفرق بين «الآرامية» و«السريانية» إلى قطيعة عرقية. فليس من الدقة القول إن شعبًا اسمه الآراميون اختفى ثم ظهر شعب آخر اسمه السريان. كذلك ليس من الدقة أن نقول إن كل إنسان كان يسمى آراميًا في العصور القديمة أصبح بالضرورة سريانيًا. الواقع أن المصطلحين تحركا عبر التاريخ في سياقات مختلفة.

«الآرامي» كان اسمًا تاريخيًا واسعًا ارتبط بشعوب وممالك ولغات متعددة في المشرق، بينما أصبح «السرياني» في العصور المسيحية اسمًا مرتبطًا بصورة متزايدة باللغة والثقافة والكنيسة المسيحية الناطقة بالآرامية. ولهذا فإن التحول كان لغويًا وثقافيًا ودينيًا وتاريخيًا في آن واحد.

كما أن العلاقة بين كلمتي «سرياني» و«آرامي» نفسها موضوع بحث لغوي وتاريخي. وقد ارتبط اسم «سوريا/سريانا» منذ العصور القديمة بتسميات جغرافية وإثنية متعددة، ثم أصبح «السرياني» في الأدب المسيحي اسمًا محددًا للهوية اللغوية والثقافية المسيحية الآرامية.

ولهذا فإن القول بأن السريان تركوا اسم «الآراميين» فقط لأنهم اعتبروه اسمًا وثنيًا يحتاج إلى دليل أقوى مما تسمح به المصادر. فمن المؤكد أن المسيحية غيّرت تصور المجتمع عن العالم الديني القديم، ومن المؤكد أن أسماء الآلهة والمعابد والطقوس الوثنية أصبحت مرفوضة دينيًا عند المسيحيين، لكن لا توجد وثيقة واحدة تثبت أن المسيحيين الآراميين عقدوا اجتماعًا جماعيًا وقرروا فيه التخلي عن اسم آرامي لأنه وثني.

والأقرب إلى الدقة التاريخية أن نقول إن الهوية السريانية المسيحية تشكلت تدريجيًا مع انتشار المسيحية، وتطور الأدب السرياني، وتكوين الكنائس والمدارس والأديرة، وتحول السريانية إلى لغة دينية وأدبية وثقافية. وبمرور القرون أصبح اسم السرياني أكثر رسوخًا في البيئة المسيحية، في حين استمر مصطلح الآرامية في الاستعمال اللغوي والتاريخي.

وهذه الحقيقة مهمة جدًا لفهم استمرار التراث. فالآرامية لم تمت عندما ظهرت السريانية، بل أصبحت السريانية واحدة من أبرز صور استمرارها.

وفي الرها بدأت عملية أدبية عظيمة. فقد ظهرت الترجمات الأولى للنصوص المسيحية، وبرزت الأناجيل السريانية القديمة، ثم ظهرت مدارس ومراكز تعليمية أخذت على عاتقها تفسير الكتاب المقدس وتعليم اللغة والمنطق والفلسفة والعلوم.

وكان من أبرز الشخصيات المبكرة برديصان الرهاوي، بار ديصان، الذي عاش في القرنين الثاني والثالث الميلاديين. وكان فيلسوفًا ولاهوتيًا وكاتبًا سريانيًا من الطراز الأول، وله أهمية خاصة لأنه يبين أن اللغة السريانية بدأت منذ وقت مبكر تستعمل في التفكير الفلسفي واللاهوتي، وليس فقط في الحياة اليومية.

وينسب إلى برديصان اهتمام واسع بالفلسفة والفلك والقدر وحرية الإرادة، وقد ارتبط اسمه بمدرسة فكرية أثرت في البيئة المسيحية السورية. وتكمن أهميته في تاريخ السريانية في أنه واحد من أوائل الذين أظهروا قدرتها على التعبير عن أفكار فلسفية ولاهوتية معقدة.

ثم جاء أفرام السرياني في القرن الرابع، فأصبح الشعر السرياني أحد أعظم أشكال التعبير الأدبي في الشرق المسيحي. كان أفرام شاعرًا ولاهوتيًا ومعلمًا، واستعمل الشعر والترانيم في التعليم والدفاع عن العقيدة ومواجهة الأفكار المنافسة.

وإذا كان الشعر في الحضارات القديمة قد ارتبط بالملحمة والأسطورة والملك، فإن أفرام أعاد استخدامه في إطار مسيحي. لقد أخذ إمكانات اللغة الآرامية الشعرية، وبنى عليها أدبًا مسيحيًا واسعًا. ومن خلاله أصبحت السريانية لغة قادرة على التعبير عن اللاهوت والشعر والموسيقى والتعليم.

ولم يكن أفرام وحده؛ فقد جاء بعده نرساي، ويعقوب السروجي، وفيلوكسينوس المنبجي، ويعقوب الرهاوي، وإسحق النينوي وغيرهم، وكل واحد منهم أسهم في بناء عالم أدبي وفكري سرياني بالغ الغنى.

لكن تاريخ الرها لم يكن أدبيًا فقط. كانت المدينة جزءًا من الصراع بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. ولذلك تعرضت لتغيرات سياسية وعسكرية متكررة. وفي النهاية فقدت استقلالها السياسي، وأصبحت جزءًا من الدولة الرومانية ثم البيزنطية، بينما ظل موقعها على الحدود مع الدولة الساسانية يجعلها مدينة ذات أهمية عسكرية.

وفي القرن الثالث الميلادي دخلت الرها في المجال الروماني بصورة أكثر مباشرة، ثم فقدت مملكة أوسروينة استقلالها. لكن المفارقة أن انتهاء المملكة لم يؤد إلى انتهاء دور المدينة، بل على العكس؛ ففي الوقت الذي فقدت فيه الرها استقلالها السياسي ازدادت أهميتها الثقافية والدينية.

وهذه من الظواهر المهمة في التاريخ: قد تنتهي الدولة ويبدأ عصر الحضارة. فقد كان العصر المسيحي هو الذي أعطى الرها مكانتها العالمية في تاريخ السريانية.

وفي القرن الرابع وما بعده أصبحت الرها مركزًا للمدارس اللاهوتية واللغوية. وكانت مدرسة الرها من أهم المؤسسات التعليمية في العالم السرياني، وارتبط بها عدد من العلماء والمترجمين. ثم أدت الخلافات اللاهوتية في القرنين الخامس والسادس إلى اضطرابات وانقسامات، وأغلقت مدرسة الرها في النهاية، وانتقل كثير من العلماء إلى نصيبين، التي أصبحت من أعظم مراكز التعليم السرياني.

وهكذا انتقلت الشعلة من الرها إلى نصيبين. ولم يكن هذا الانتقال مجرد هجرة أشخاص، بل كان انتقالًا لمكتبة كاملة من المعرفة: النحو واللغة والمنطق والتفسير والطب والفلسفة واللاهوت.

ومن نصيبين امتد التأثير إلى بلاد فارس، ثم ظهرت مدارس وأديرة أخرى في مناطق واسعة من العراق وإيران. وأصبحت السريانية لغة للعلم والعبادة والنسخ، وبدأت حركة واسعة لترجمة الكتب اليونانية إلى السريانية.

وهنا يدخل التاريخ الآرامي والسرياني في واحدة من أعظم حلقات تاريخ المعرفة الإنسانية: الترجمة.

فقد كان العالم اليوناني قد أنتج تراثًا فلسفيًا وطبيًا وعلميًا ضخمًا، لكن هذا التراث لم ينتقل كله مباشرة من اليونانية إلى العربية. ففي حالات كثيرة كانت السريانية إحدى اللغات الوسيطة الأساسية. ترجم العلماء السريان أعمالًا يونانية في الطب والفلسفة والمنطق، ثم انتقلت أجزاء كبيرة من هذا التراث لاحقًا إلى العربية في العصر العباسي.

وكان من أشهر المترجمين السريان حنين بن إسحاق، الذي أصبح واحدًا من أعظم المترجمين في تاريخ الطب والفلسفة. وقد ترجم وراجع أعمالًا يونانية، وكان يجيد السريانية والعربية واليونانية، وأسس تقليدًا علميًا للترجمة الدقيقة للمصطلحات.

وهكذا أصبحت السريانية جسرًا حضاريًا بين اليونانية والعربية، وبين الشرق البيزنطي والشرق الإسلامي.

لكن هذا الجسر لم يكن مجرد قناة صامتة. فالسريان لم يكتفوا بالترجمة، بل أنتجوا علومًا ومؤلفات أصلية في الطب والفلسفة والفلك والرياضيات والنحو والتاريخ.

ومن أعظم الأمثلة على ذلك يوحنا ابن العبري، بر هبرايوس في القرن الثالث عشر، الذي كان موسوعيًا في اللاهوت والفلسفة والطب والتاريخ واللغة. وترك مؤلفات كثيرة جعلته واحدًا من أبرز أعلام الثقافة السريانية في العصور الوسطى.

وإذا كانت الرها هي القلب الرمزي لنشوء السريانية، فإن نصيبين أصبحت عقلها التعليمي، وطور عابدين أصبح أحد أهم مراكزها الرهبانية، وبلاد الرافدين وفارس أصبحتا المجال الذي انتشرت فيه الكنائس والمدارس والمخطوطات.

وفي هذه المرحلة لا يمكن تجاهل تدمر والحضر، لكن يجب وضعهما في موضعهما التاريخي الصحيح. فتدمر لم تكن «مملكة آرامية» بالمعنى نفسه لآرام دمشق أو أرفاد، لكنها كانت مركزًا مهمًا للثقافة الآرامية؛ وكانت اللغة التدمرية، وهي شكل من أشكال الآرامية، تستخدم في النقوش إلى جانب اليونانية.

وتكشف تدمر عن مجتمع تجاري عالمي جمع بين العرب والآراميين واليونانيين والرومان وغيرهم. وكانت آلهتها وطقوسها تعكس هذا التعدد؛ فظهر فيها بعل شمين، وبعل، وعجليبول، وملق بل، وتراث ديني محلي تأثر بالبيئات السورية والرافدية وغيرها.

أما الحضر، فقد كانت مدينة محصنة مهمة في شمال العراق، وازدهرت في العصرين الفرثي والروماني. وكانت لغتها المكتوبة الأساسية الآرامية الحضرية، ووجدت فيها معابد مكرسة لآلهة متعددة، بينها شمش ومرن وعربايا وغيرها. لكنها أيضًا ليست ببساطة «مملكة آرامية» من النوع نفسه الذي مثلته ممالك العصر الحديدي.

أما الأنباط، فقد استخدموا الآرامية النبطية في الكتابة والإدارة والنقوش، وبلغت دولتهم ذروة قوتها في جنوب بلاد الشام وشمال الحجاز. لكنهم كانوا شعبًا ودولة ذات تاريخ خاص، ولا يصح اختزالهم في عبارة «الآراميون أنفسهم». والأدق القول إنهم كانوا جزءًا من عالم ثقافي ولغوي كانت الآرامية فيه لغة مهمة للكتابة والإدارة.

وهذا التمييز ضروري لأن انتشار الآرامية لم يكن مطابقًا لانتشار الآراميين إثنيًا. فاللغة يمكن أن تصبح لغة إدارة وثقافة لشعوب متعددة، وهذا ما حدث بصورة واضحة في الإمبراطوريات القديمة.

لقد أصبحت الآرامية في العصر الأخميني لغة إمبراطورية واسعة الانتشار، ولدينا وثائق من مصر، ولا سيما جزيرة الفنتين، تثبت استعمالها في الرسائل والوثائق القانونية والإدارية والعسكرية. ويحتفظ المتحف البريطاني وغيره بوثائق آرامية من تلك البيئة، وهي تؤكد أن الآرامية لم تعد لغة مملكة محلية، بل أصبحت لغة تواصل واسعة في الشرق القديم. ("britishmuseum.org" (https://www.britishmuseum.org/collec...ce=chatgpt.com))

وهذا الانتشار هو الذي يفسر لماذا استمرت الآرامية بعد سقوط الممالك الآرامية. فقد أصبحت لغة أكبر من أصحابها السياسيين.

وعندما دخلت المسيحية إلى هذه البيئة، لم تبدأ من الصفر. لقد ورثت شبكة لغوية قائمة منذ قرون، ثم استخدمتها لتكوين ثقافة جديدة. ولهذا فإن المسيحية السريانية تمثل، من منظور تاريخ اللغة، إحدى أعظم مراحل استمرار الآرامية.

أما فكرة إحراق المسيحيين السريان لجميع الكتب الوثنية القديمة، فهي من أكثر المسائل التي تحتاج إلى معالجة حذرة. لقد ضاعت بالفعل كمية هائلة من الأدب القديم، وربما ضاعت مؤلفات آرامية لا نعرف حتى أسماءها. لكن لا توجد أدلة تاريخية كافية لإثبات أن السريان قاموا بحملة عامة ومنظمة لإحراق «جميع الكتب الآرامية الوثنية» وأن ذلك كان السبب الرئيس في فقدان التراث الآرامي.

كانت هناك عمليات تدمير ديني في العالم القديم، ولا شك أن التحول من الوثنية إلى المسيحية أدى في بعض الأماكن إلى هدم معابد وتحطيم تماثيل وإتلاف بعض النصوص المرتبطة بالعبادات القديمة. لكن العالم القديم شهد في الوقت نفسه حروبًا وغزوات وحرائق ونهبًا وتغيرًا في اللغات وموتًا طبيعيًا للمواد الكتابية. لذلك فإن اختزال فقدان التراث الآرامي في سبب واحد لا يتفق مع المنهج التاريخي.

بل إن المفارقة الأهم أن المسيحيين السريان أصبحوا لاحقًا من كبار حماة التراث المكتوب. فالأديرة السريانية نسخت آلاف المخطوطات، وحفظت نصوصًا لاهوتية وفلسفية وطبية وتاريخية، وترجمت مؤلفات يونانية، وكتبت شروحًا ومعاجم وكتبًا في العلوم.

ولولا هذه الحركة لما بقي لنا كثير من المعرفة عن المسيحية الشرقية ولا عن تاريخ المشرق في القرون الأولى للميلاد.

ومن أهم ما فقدناه مع ذلك الأدب الآرامي الوثني القديم نفسه. فقد بقيت النقوش، وبعض النصوص الدينية، والوثائق الملكية، والبرديات، والشواهد الجنائزية، لكن الأدب الآرامي القديم الكامل أقل بكثير مما نتمناه. وهذا يجعل النقوش أكثر أهمية؛ لأن كل نقش ملكي أو ديني قد يكون جزءًا من مكتبة ثقافية مفقودة.

ومن بين أهم الشواهد القديمة نقش تل دان، ونقش زكور، ونقوش سفيرة، ونقوش سمأل، ونقوش تل حلف، والنقوش التدمرية والحضرية، ووثائق الفنتين. وهي، إذا جُمعت معًا، تعطينا صورة عن لغة ومجتمع ودين وسياسة امتدت من سورية إلى مصر وبلاد الرافدين.

وتظهر هذه النصوص عالمًا دينيًا متنوعًا، كانت فيه أسماء مثل إل، حدَد، بعل شمين، شمش، سين، رشف، عشتارت، أنات، أترعتا، وركب-إل جزءًا من الذاكرة الدينية للمنطقة. ومع المسيحية تغير معنى هذه الأسماء، لكن اللغة التي حفظتها بقيت حية.

وهنا تكمن إحدى أعظم المفارقات في التاريخ السرياني: اللغة التي كانت تُكتب بها أسماء الآلهة القديمة أصبحت اللغة التي كُتب بها الإنجيل والشعر المسيحي واللاهوت والفلسفة والطب.

لقد تحولت الكلمات نفسها إلى أوعية لمعانٍ جديدة.

فإذا كان حدَد إله العاصفة في العالم الآرامي القديم، فإن السرياني المسيحي لم يعد يستخدم اللغة للتحدث عن حدَد، وإنما عن المسيح والإنجيل والكنيسة والخلاص. وإذا كان الملك القديم يضع نقشًا ليعلن انتصاره باسم إلهه، أصبح الراهب السرياني يكتب مخطوطة ليشرح العقيدة أو ينسخ كتابًا طبيًا أو يترجم فلسفة أرسطو.

وهذا لا يعني أن الثقافة القديمة اختفت بلا أثر، بل يعني أن الثقافة تغيرت وأعيد تفسيرها.

ومن هنا ينبغي النظر إلى الانتقال من الآرامية إلى السريانية باعتباره تحولًا حضاريًا وليس مجرد تغيير اسم.

لقد تغير الدين، وتغيرت المؤسسات، وتغيرت السلطة، لكن اللغة استمرت وتطورت. وفي الرها تحديدًا أصبحت هذه اللغة وسيلة لصياغة مسيحية مشرقية ذات شخصية أدبية قوية، ثم انتشرت في مناطق واسعة من آسيا.

وهكذا أصبحت الرها إحدى أهم المدن التي حملت التراث الآرامي إلى العصر المسيحي.

لكن تاريخ الرها لم يكن نهاية الطريق. فقد جاء بعد ذلك الفتح العربي في القرن السابع، ودخلت المنطقة عصرًا جديدًا. ومع أن العربية أصبحت تدريجيًا لغة الإدارة والحياة العامة في مناطق كثيرة، فإن السريانية لم تختفِ، بل بقيت لغة الكنيسة والأديرة والمدارس والمخطوطات، واستمرت إلى اليوم في لهجات آرامية حديثة لدى جماعات مختلفة.

وبذلك نستطيع أن نرسم سلسلة تاريخية واضحة: الآرامية القديمة في الممالك والإمارات، ثم الآرامية الإمبراطورية، ثم الآراميات الإقليمية مثل التدمرية والحضرية والنبطية والرهاوية، ثم السريانية الأدبية، ثم اللهجات الآرامية الحديثة.

وهذه السلسلة ليست خطًا مستقيمًا، بل شبكة من التطورات واللهجات والتأثيرات المتبادلة.

وفي قلب هذه الشبكة تقف الرها.

فهي مدينة آرامية اللغة، هلنستية التكوين السياسي، رومانية وبيزنطية في مراحلها اللاحقة، مسيحية في هويتها الثقافية، وسريانية في أدبها. وهذا التركيب بالذات هو الذي جعلها واحدة من أهم مراكز الحضارة السريانية.

إن فهم الرها يغير الطريقة التي نفهم بها التاريخ كله. فهي تثبت أن الهوية لا تتكون دائمًا من عنصر واحد. يمكن لمدينة أن تكون آرامية اللغة، يونانية الثقافة في جانب، رومانية سياسيًا، مسيحية دينيًا، وسريانية أدبيًا، دون أن يلغي أحد هذه العناصر الآخر.

وهذا هو جوهر تاريخ السريان: الاستمرار من خلال التحول.

لم تكن المسيحية نهاية للآرامية، بل كانت بداية مرحلة جديدة من حياتها. ولم تكن السريانية لغة منفصلة عن التاريخ الآرامي، بل كانت إحدى أكثر مراحله ازدهارًا. ولم يكن سقوط الممالك الآرامية نهاية للآراميين، بل انتقالًا من عصر الممالك إلى عصر اللغة والثقافة.

ومن هنا ينبغي أن تكون الرها حاضرة في أي دراسة جادة عن الآراميين والسريان؛ لأنها تمثل الجسر بين عالمين: عالم الممالك الآرامية القديمة، وعالم السريان المسيحيين الذين حملوا اللغة إلى المدارس والأديرة والمكتبات والقصور العلمية في الشرق.

يتبع في القسم الثالث: الآراميون والسريان بين الإمبراطوريات، تدمر والحضر والأنباط، انتشار السريانية شرقًا، المدارس والأديرة، المترجمون والأطباء والفلاسفة، المخطوطات والبرديات والنقوش، ضياع التراث القديم، ومسألة الهوية الآرامية والسريانية في العصور الوسطى والحديثة.

بقلم الباحث فؤاد زاديكي
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:02 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke