![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
من الآراميين إلى السريان
القسم الأول: الممالك والكيانات الآرامية في المشرق القديم بقلم الباحث فؤاد زاديكي إن الحديث عن الممالك الآرامية يقتضي أولًا أن نتحرر من الصورة التي توحي بأن الآراميين كانوا دولة واحدة ذات حدود ثابتة وعاصمة واحدة وجيش مركزي، ثم اختفت. الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا وأكثر غنى؛ فقد ظهر في العصر الحديدي عدد كبير من الممالك والإمارات والكيانات السياسية الآرامية في سورية والجزيرة الفراتية وشمال بلاد الرافدين وجنوب شرقي الأناضول، وكانت هذه الكيانات مستقلة أحيانًا، متحالفة أحيانًا أخرى، ومتخاصمة في أحيان كثيرة، ثم وقعت تباعًا تحت السيطرة الآشورية. وتؤكد الدراسات الحديثة أن ما يسمى «الدول الآرامية» كان جزءًا أساسيًا من المشهد السياسي في سورية وشمال بلاد الرافدين خلال العصر الحديدي المبكر، وأن بعضها تداخل ثقافيًا وسياسيًا مع ما يسمى في الأدبيات القديمة بالممالك الحثية الجديدة. ومن أهم الممالك الآرامية وأكثرها شهرة آرام دمشق، وكانت دمشق عاصمتها ومركز قوتها. ظهرت المملكة قوة إقليمية كبرى في القرن التاسع قبل الميلاد، واصطدمت مرارًا بالمملكة الإسرائيلية وبالإمبراطورية الآشورية. وكان من أشهر ملوكها حزائيل، الذي أصبح في القرن التاسع قبل الميلاد أحد أبرز حكام سورية. ويرتبط به نقش تل دان الشهير، وهو من أهم الشواهد الآرامية الملكية التي وصلت إلينا. وكانت آرام دمشق مختلفة في حجمها ونفوذها عن كثير من الإمارات الآرامية الصغيرة، إذ استطاعت في بعض المراحل أن تجمع تحت تأثيرها عددًا من الكيانات السورية، وأن تشارك في تحالفات واسعة لمواجهة التوسع الآشوري. ومع ذلك لم تكن دمشق إمبراطورية آرامية موحدة، بل كانت مملكة إقليمية قوية تتغير حدود نفوذها من عهد إلى آخر. وإلى الشمال الشرقي ظهرت آرام صوبا، أو صوبا، وهي من أقدم الكيانات التي ارتبط اسمها بالآراميين في المصادر القديمة. وقد أصبحت صوبا قوة مهمة في منطقة البقاع وما حوله، وارتبط اسمها في المصادر الكتابية القديمة بملوك مثل هدد عزر. وتراجعت أهمية صوبا مع صعود دمشق، ثم تغيرت الخريطة السياسية للمنطقة في القرون اللاحقة. وفي منطقة وادي الأردن والمرتفعات الشمالية ظهرت بيت رحوب، وهي من الكيانات الآرامية التي ترد في المصادر القديمة. ويُعتقد أن مجالها كان في منطقة وادي الأردن الأعلى والمناطق المجاورة. وكانت جزءًا من شبكة الإمارات الصغيرة التي ظهرت في جنوب بلاد الشام، وكانت على تماس مع إسرائيل القديمة وغيرها من الكيانات المحلية. وإلى جوارها عُرفت معكة أو بيت معكة، وهي إمارة صغيرة ارتبطت بالبيئة الآرامية في منطقة حرمون والجولان وما حولهما. ويصعب أحيانًا تحديد حدودها بدقة لأن المصادر القديمة لا تعطينا خرائط سياسية بالمعنى الحديث، لكن وجودها في المصادر يوضح تعدد المراكز السياسية الآرامية في جنوب سورية وشمال فلسطين. ومن الكيانات المرتبطة بهذه البيئة أيضًا جشور، التي قامت في منطقة الجولان وجنوب غرب سورية. ويصنفها بعض الباحثين ضمن الكيانات ذات الصلة بالآراميين، في حين يتعامل معها آخرون بوصفها مملكة محلية مستقلة ذات صلات آرامية. ولهذا فإن إدراجها يجب أن يكون مع التنبيه إلى أن التصنيف ليس محسومًا بالدرجة نفسها التي يتمتع بها آرام دمشق أو بيت أغوسي. وفي وسط سورية ظهرت مملكة حماة، أو حماة/لُعَش في بعض المصادر. وكانت حماة واحدة من أهم ممالك المنطقة، وتقع على نهر العاصي في موقع استراتيجي يصل شمال سورية بجنوبها. وتكشف النقوش عن أن المملكة كانت ذات بنية سياسية قوية، وأنها دخلت في تحالفات ضد آشور. ومن أشهر ملوك حماة إرخوليني، الذي شارك في التحالف الذي واجه شلمنصر الثالث في معركة قرقر سنة 853 قبل الميلاد، ثم زكور الذي أصبح اسمه خالدًا في التاريخ الآرامي بفضل نصه الملكي الشهير. ويعد نقش زكور من أهم الوثائق الآرامية القديمة؛ فهو يكشف عن لغة سياسية ودينية متطورة، ويذكر بعل شمين والآلهة التي رآها الملك حامية له ولمملكته. وفي شمال سورية قامت مملكة أرفاد، أو بيت أغوسي (Bit-Agusi)، وكانت عاصمتها أرفاد، الواقعة إلى الشمال من حلب الحالية. وكانت من أقوى الممالك الآرامية في شمال سورية خلال القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. ويذكر المؤرخون سلسلة من ملوكها، منهم غوسي، وهدد رام، وعتر شُمكي الأول، وبار هدد، وعتر شُمكي الثاني، وماتي إيلو. وقد لعبت المملكة دورًا مهمًا في العلاقات الدولية بين الممالك السورية وآشور. ويعد بيت أغوسي من الدول التي يناقشها الباحثون بصورة مباشرة ضمن مجموعة الدول الآرامية في العصر الحديدي. وكانت أرفاد في موقع استراتيجي جعلها قوة سياسية وتجارية مهمة، لكنها أصبحت في النهاية هدفًا مباشرًا للآشوريين، وسقطت بعد حصار طويل في عهد تغلث فلاسر الثالث في القرن الثامن قبل الميلاد. وكان سقوط أرفاد من العلامات الكبرى على انتقال شمال سورية إلى المجال الآشوري. أما بيت عديني (Bit-Adini) فكانت مملكة آرامية مهمة على الفرات، وعاصمتها تل برسيب/تل أحمر، المعروفة في المصادر الآشورية باسم Til Barsip. وكانت موقعها الاستراتيجي على الفرات يمنحها أهمية عسكرية وتجارية استثنائية. حكمها ملوك من أبرزهم أخوني بن أديني، الذي واجه آشور، وانتهت المملكة بعد حملات آشور ناصر بال الثاني وشلمنصر الثالث. وتذكر الدراسات بيت عديني صراحة ضمن أهم الدول الآرامية. وفي أعالي الجزيرة الفراتية ظهرت بيت بحياني (Bit-Bahiani)، وكانت عاصمتها غوزانا، تل حلف الحالية. وتعد من أهم المراكز الآرامية من الناحية الأثرية. ومن أشهر ملوكها كابارا، الذي شيد قصرًا ضخمًا زُين بمنحوتات حجرية مميزة. وقد كشفت حفريات تل حلف عن كمية استثنائية من الفن المعماري والنحت، مما جعل الموقع أحد أهم الشواهد على الحضارة الآرامية في الجزيرة. وكانت غوزانا تقع في منطقة استراتيجية على نهر الخابور، ولذلك كانت صلة وصل بين سورية وبلاد الرافدين. وتظهر آثارها كيف استطاعت الثقافة الآرامية أن تنتج فنًا ملكيًا خاصًا مع احتفاظها بعناصر سورية ورافدية وحثية جديدة. وفي شمال بلاد الرافدين قامت بيت زماني (Bit-Zamani)، وكانت أمَد/ديار بكر القديمة مركزها السياسي في بعض المراحل. وتذكر المصادر الآشورية ملوكًا من هذه المملكة، منهم أمّي بعل، الذي حكم في القرن التاسع قبل الميلاد، ودخل في صراع مع آشور. ثم فقدت بيت زماني استقلالها أمام التوسع الآشوري. وتظهر بيت زماني في قوائم الدول الآرامية التي قامت في شمال بلاد الرافدين. ومن الكيانات التي ينبغي ذكرها نصيبين/نَسِبينا (Nasibina). وكانت نصيبين مدينة استراتيجية عظيمة في أعالي بلاد الرافدين، وقد ظهرت في مرحلة مبكرة ضمن المجال الآرامي، ثم أصبحت في العصور اللاحقة مركزًا بالغ الأهمية للثقافة السريانية. ولهذا فإن تاريخ نصيبين لا ينحصر في كونها كيانًا سياسيًا آراميًا مبكرًا؛ أهميتها الكبرى أنها ستصبح لاحقًا واحدة من أعظم مراكز التعليم السرياني، ولا سيما مدرستها الشهيرة. كما تذكر المصادر لاقي (Laqe)، وهو كيان آرامي ارتبط بمنطقة الفرات الأوسط. ولا ينبغي التعامل مع كل اسم يرد في السجلات الآشورية بالطريقة نفسها، إذ قد يدل الاسم أحيانًا على منطقة أو اتحاد قبلي أو إمارة أكثر من دلالته على مملكة ذات جهاز دولة مركزي. وهذه من الأسباب التي تجعل قوائم «الممالك الآرامية» تختلف بين الباحثين. وتظهر لاقة ضمن قوائم الكيانات الآرامية في المصادر التاريخية المتخصصة. وفي شمال سورية وجنوب شرقي الأناضول قامت مملكة سمأل، أو يَعْدي (Sam'al/Yadiya)، وعاصمتها الموقع المعروف اليوم باسم زنجيرلي. وهي من أهم الممالك التي تكشف عن التفاعل بين الآراميين واللوويين والحثيين الجدد والآشوريين. ومن ملوكها كيلاموّا، وبانامو الأول، وبانامو الثاني، وبر ركوب، وقد تركوا نقوشًا ملكية تعد من أهم مصادر اللغة والتاريخ الآراميين. ويضع الباحثون سمأل ضمن مجموعة الدول الآرامية الأساسية في العصر الحديدي. وكانت سمأل في الأصل بيئة متعددة العناصر، وهذا يذكرنا بأن مصطلح «آرامي» لا يعني بالضرورة أن كل سكان المملكة كانوا من أصل واحد أو أن ثقافتهم كانت منفصلة عن جيرانهم. فالآراميون تفاعلوا مع اللوويين والحثيين الجدد والفينيقيين والآشوريين وغيرهم، وكان الفن واللغة والسياسة انعكاسًا لهذا التداخل. ومن أهم ملوك سمأل كيلاموّا، الذي ترك نقشًا شهيرًا يتحدث عن حكمه وأعماله، ثم بانامو الأول، الذي ارتبط بنقوش مهمة، ثم بانامو الثاني وابنه بر ركوب. ويقدم نقش بر ركوب صورة مهمة عن الملك والإدارة والجيش والعلاقة مع آشور. وتظهر في جنوب شرق الأناضول كيانات أخرى ذات طابع مختلط آرامي-لووي، ولذلك يطلق بعض الباحثين على هذه المنطقة اسم عالم «الدويلات الآرامية-الحثية الجديدة». لكن المصطلح نفسه حديث، ولا يعني أن السكان كانوا يميزون أنفسهم بهذه الطريقة. وتشير الدراسات الأثرية إلى أن كثيرًا من دول شمال سورية والأناضول الجنوبية كانت مدنًا ومناطق صغيرة ذات ثقافات مختلطة، ولذلك فإن الفصل الصارم بين «آرامي» و«حثي جديد» قد يكون مضللًا في بعض الحالات. وتظهر في هذا السياق أسماء كيانات أخرى مثل كاسك/كاسكو، التي ارتبطت بالمجال الشمالي السوري-الأناضولي، وإن كان تصنيفها آراميًا بدرجة أقل وضوحًا من سمأل وبيت أغوسي وبيت عديني. كما ظهرت ممالك ومدن أخرى كانت لغتها أو طبقتها الحاكمة آرامية، لكنها لا تظهر دائمًا بوصفها «مملكة آرامية» مستقلة في كل المصادر. ولهذا فإن القائمة العلمية لا ينبغي أن تقول ببساطة إن «كل مملكة ظهرت في سورية في العصر الحديدي كانت آرامية». فقد كانت هناك في الوقت نفسه ممالك لووية وحثية جديدة وفينيقية وغيرها. بل إن بعض الكيانات التي كانت آرامية جزئيًا أصبحت مراكز تداخل ثقافي، وهو ما تؤكده الأدلة الأثرية والكتابية. ومن المهم كذلك إدراج صوبا في شمال بلاد الشام ضمن التاريخ الآرامي، وإن كانت حدودها وموقعها الدقيق محل نقاش بين الباحثين. وكذلك بيت رحوب ومعكة وجشور في جنوب المجال السوري-الآرامي. هذه الكيانات أصغر من آرام دمشق وحماة وأرفاد، لكنها مهمة لفهم طبيعة التنظيم السياسي الآرامي، الذي لم يكن قائمًا على عدد قليل من الممالك الكبيرة فقط، بل على شبكة واسعة من الإمارات والبيوت الحاكمة. وإذا جمعنا هذه الأسماء، فإن الصورة التي تظهر أمامنا هي شبكة واسعة من الكيانات: آرام دمشق، آرام صوبا، بيت رحوب، بيت معكة، جشور، حماة، بيت أغوسي/أرفاد، بيت عديني، بيت بحياني/غوزانا، بيت زماني، سمأل/يَعْدي، نصيبين/نَسِبينا، ولاقي، إلى جانب كيانات أصغر أو محل نقاش في التصنيف. لكن هذه ليست نهاية التاريخ الآرامي السياسي. فسقوط الممالك أمام آشور لم يؤد إلى اختفاء الآراميين، وإنما نقل تاريخهم إلى مرحلة جديدة. فقد انتشر السكان الآراميون داخل الإمبراطوريات الكبرى، وأصبحت لغتهم ذات أهمية متزايدة في الإدارة والتجارة والمراسلات. وبذلك انتقلت القوة الآرامية من الدولة إلى اللغة. وفي هذه النقطة تحديدًا تكمن إحدى أعظم مفارقات التاريخ: كانت آشور قادرة على إسقاط الممالك الآرامية عسكريًا، لكنها لم تستطع القضاء على اللغة الآرامية. بل إن الإمبراطوريات التي أخضعت هذه الممالك ساهمت، نتيجة الترحيل والإدارة والتجارة، في نشر الآرامية إلى مناطق أوسع. وهكذا بدأت مرحلة جديدة: من الممالك الآرامية إلى العالم الآرامي، ومن العالم الآرامي إلى السريانية. أما الرها، فسوف تكون في القسم التالي من هذه الدراسة محورًا أساسيًا؛ لأنها لا تمثل مجرد مملكة أخرى، وإنما تمثل الجسر التاريخي الذي يصل العالم الآرامي القديم بالثقافة السريانية المسيحية. فقد كانت أورهاي/الرها (Edessa) عاصمة أوسروينة، وظهرت فيها سلالة الأباجرة، ثم أصبحت مركزًا مسيحيًا ولغويًا وأدبيًا عظيمًا، وتطورت لهجتها الآرامية إلى السريانية الأدبية. ومن هنا تبدأ المرحلة التي ستجعل من الآرامية واحدة من أهم لغات التاريخ الديني والعلمي والأدبي في الشرق: مرحلة الرها والسريانية. يتبع في القسم الثاني: من الآرامية الإمبراطورية إلى مملكة الرها وأوسروينة، الأباجرة، الرها المسيحية، نشوء السريانية، تدمر، الحضر، نصيبين، الأدب السرياني، أفرام وبرديصان، وانتقال العلوم من اليونانية إلى السريانية ثم العربية. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|