Forum of Fouad Zadieke   Arabic keyboard

العودة   Forum of Fouad Zadieke > المنتدى الادبي > نبض الشعر > مثبت خاص بفؤاد زاديكه > خاص بمقالات و خواطر و قصص فؤاد زاديكه

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 05:41 PM
الصورة الرمزية fouadzadieke
fouadzadieke fouadzadieke غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: Jun 2005
المشاركات: 49,341
افتراضي حين يتحوّل البحث عن الجذور إلى اختراعٍ للجذور بقلم الباحث فؤاد زاديكي من أكثر الظوا

حين يتحوّل البحث عن الجذور إلى اختراعٍ للجذور

بقلم الباحث فؤاد زاديكي

من أكثر الظواهر، التي تستوقف المُتابع للشأن التاريخيّ والقوميّ الكرديّ تلك المُحاولات المُتكرِّرة لدى بعض الكُتّاب لإعادة أصل الكُرد إلى شعوب وحضارات قديمة مُتباعدة في الزّمان والمكان واللغة، فتارةً يُقال إنّ الكُرد هم أحفاد الحُوريين أو الهوريين، وتارةً يُربَطُون بالميديّين، وتارةً بالكاردوخيّين، وأخرى بالسّوباريّين أو الفرثيّين، ثم نصل أحيانًا إلى ادعاءات أكثر اتّساعًا تجعل شخصيّات وسلالات تاريخيّة كاملة ذات أصل كرديّ، حتى إنّ الساسانيّين أنفسهم لم يَسلمُوا من هذا النّوع من إعادة النّسب. وليس بعيدًا، في هذا السّياق، أن تظهر غدًا مَقولة جديدة تجعل كلّ شخصيّة عظيمة في تاريخ الشرق كرديّة الأصل، مهما كان زمنها أو موطنها أو لغتها أو البيئة الحضاريّة التي انتمت إليها.
المشكلة هنا ليست في أن يبحث الكُرد، أو غيرهم، عن جذورهم التاريخيّة. فهذا حقّ طبيعيّ لكلّ شعب، بل إنّ البحث عن تاريخ الجماعات البشريّة وعن تَشكّلها وانتِقَالاتها وتَداخُلاتها جزء أصيل من عمل المُؤرّخ وعالم الآثار واللغويّ. المُشكلة تبدأ عندما تَتحوّل الرّغبة المَشروعة في معرفة الماضي إلى رغبة في امتلاك الماضي، وعندما يُصبح المطلوب إثبات أنّ كلّ حضارة قديمة قامت في منطقة قريبة من مواطن الكُرد المعاصرة لا بدّ أن تكون كُرديّة، أو أنّ كلّ شخصيّة تاريخيّة عظيمة ظهرت في تلك الجغرافيا لا بدّ أن تكون من أجداد الكُرد.
وهنا يَنبغي التّفريق بين أمرين مُختلفين تمامًا: وُجود صلات تاريخيّة مُحتملة بين جماعة حديثة وشُعوب قديمة عاشت في المنطقة نفسها أو المناطق المُجاورة، وبين الادّعاء بأنّ الشّعب القديم هو نفسُه الشّعب الحديث دون انقطاع، وأنّ هذا الأمر مَحسوم تاريخيًّا ولُغويًّا وأثريًّا. فالتاريخ لا يعمل بهذه البساطة،
فوجود شعب قديم في منطقة جغرافيّة مُعيّنة لا يَكفي لإثبات أنّه يُمَثِّل السّلف المُباشر لشعب حديث عاش في المنطقة نفسها بعد قُرون أو آلاف السّنين. الجغرافيا ليست شَهادة نَسَب، والتّشابُه بين الأسماء ليس بُرهانًا لُغويًّا، والتّقارب بين المناطق لا يعني بالضّرورة الاستمرار السُّكّانيّ أو الإثنيّ، كما أنّ التّشابه الجزئيّ في بعض العادات أو الأسماء أو المُعتقدات لا يَكفي وحدُه لإثبات وحدة الأصل.
ولعلّ قضية الكاردوخيّين مِثالٌ واضحٌ على ضرورة الحَذَر. فالكاردوخيّون الذين ذكرهم زينوفون في القرن الرابع قبل الميلاد كانوا جماعةً جبليّةً في منطقة شمال بلاد الرافدين، وقد جرى بالفعل ربطهم بالكُرد في بعض الدّراسات والتّقاليد، لكن دائرة المعارف الإيرانيّة تُشير إلى أنّ هُوِيّتهم لم تُثبَت بصُورة قَاطعة، وأنّ القول بأنّهم أجداد الكُرد ظلّ مَوضع جَدَل، بل إنّ بعض الباحثين رأى أنّ جماعات أخرى، مثل الكيرتيين (Cyrtii)، قد تكون مُرشّحًا أكثر plausibility في البحث عن أسلاف مُحتملين للكُرد. والأهمّ أنّ دراسةً جغرافيةً حديثةً نِسبيًّا في الموسوعة نفسِها تُؤكد أنّ التّشابه بين جذور أسماء مثل Qardū وCorduena وGordyene وبين كلمة «كُرد» لا يَكفي لإثبات الاشتقاق أو النَّسَب، بل تَنصّ صراحةً على أنّ الجَذرين لَيسَا مُتَطابِقَين.
أمّا المِيديّون، فالقضيّة أكثر تَعقيدًا من مُجرّد القول: «الكرد هم المِيديّون». فالمِيديّون شعبٌ إيرانيٌّ قديم مَعروف في المصادر الآشوريّة واليُونانيّة، وظهرت لهم مَملكةٌ قويّةٌ في غرب إيران، لكنّ المصادر المُتَوفّرة عنهم مَحدودة، حتى إنّ Encyclopaedia Iranica تُشير إلى أنّه لم يُعثَر على نقوش أو عملات مِيديّة تُتيح لنا إعادة بناء تاريخهم ومُجتمعهم بصورةٍ كاملة، كما أنّ تَحديد المواقع الأثريّة بوصفها «مِيديّة خالصة» ليس أمرًا يسيرًا. ولذلك فإنّ تحويل المِيديّين إلى «كُرْد قُدَامَى» بصيغة تقريريّة نِهائيّة يَتجاوز ما تَسمح به الأدلّة المُتاحة.
والأمرُ نفسُه يَنطبق بدرجاتٍ مُختلفة على الحُوريّين وغيرِهم من سكّان الشّرق الأدنى القديم. فالمصادر التّاريخيّة والأثريّة واللُغويّة تَكشف أنّ غرب إيران وشمال بلاد الرافدين كانا مَسرحًا لِتَعَايُش جماعات عَديدة، إيرانيّة وغير إيرانيّة، وأنّ الحُوريّة كانت ضمن لُغات قديمة مُختلِفة عن اللغات الإيرانية. وتُوضِح الدّراسات اللغويّة أنّ المنطقة كانت تَضمّ مجموعات مثل الحُوريّين والكاشيّين والعِيلاميّين إلى جانب المِيديّين وغيرهم، وأنّ عملية التّحوّل اللغويّ والإيْرَنَة في أجزاء من المنطقة كانت تدريجيّة ومُعقّدة. وهذا وحدُه كافٍ لكي نُدرك أنّ رسم خطّ مُستقيم من «شعب قديم» إلى «قوميّة حديثة» يَحتاج إلى أدلّة مُتّصلة، لا إلى التّشابهات والانطباعات.
وهنا نَصِل إلى أصل المُشكلة: لماذا تظهر الحاجة أصلًا إلى البحث عن هذا النوع من الأنساب؟ ربّما يكون أحد الأسباب هو أنّ القوميّات الحديثة، مثل الأفراد، تبحثُ عن الذّاكرة وعن الشّرعيّة وعن مكانٍ لها في التّاريخ. وقد نشأت القوميّة الحديثة في ظُرُوف جَعلت الماضي عُنصُرًا مُهِمًّا في بناء الهُوِيّة الجَماعيّة. وفي حالة الكُرد، كما هو معروف، ارتبطت دراسةُ تاريخهم الحديث بقضايا الهُوِيّة والتّنظيم القوميّ والسّعي إلى تَقرير المَصير، وأصبح التّاريخ نفسُه جزءًا من النّقاش حول الهُوِيّة القوميّة. ومِن الطّبيعيّ، في مثل هذه الظروف، أن تنشأ رغبةٌ في اكتشاف ماضٍ عريق ومُمتَدّ. لكنّ الرّغبة في امتلاك تاريخ عظيم لا يَنبغي أن تَتحوّل إلى إعادة كتابة التاريخ بحيث يُصبح كلُّ ما هو عظيم في الماضي مُلكًا لنا.
فليس ثَمَّةَ ما يَدعو شَعبًا مُعاصِرًا إلى الشّعور بالنّقص لأنّه لم يَبنِ هَرَمًا في الألف الثالث قبل الميلاد، أو لم يتركْ خلفَه نُقُوشًا مَلَكِيّةً، أو لم يَصكّْ عُملاتٍ تَحمل اسمَه، أو لم يؤسِّسْ إمبراطوريّةً عابرةً للقارّات الحضارات ليست مُسابقة بين الشّعوب، والتّاريخ ليس دفتر عَلامات تُوَزَّع فيه الدّرَجاتُ على الأمم بحسب عددِ قُصورِها ومَعابدِها ونُقوشِها. وإذا كان تاريخ جماعة ما أكثر تعقيدًا وأقلّ تَوثيقًا في بعض مراحله، فالحلّ ليس اختراع وثائق لم تُوجَد، وإنّما زيادة البحث في الوثائق المَوجودة، والتّنقيب في الآثار، ودراسة اللغة، ومقارنة الرّوايات، وقُبول ما يُمكن إثباتُه وتَرْك ما لا يُمكِن إثباتُه في دائرة الاحتمال. بل إنّ المُفارقة الكُبرى أنّ تَحويل كلّ شخصيّة عظيمة إلى كُرديّة لا يَرفع من قِيمة الكُرد، وإنّما قد يَفعلُ العكسَ تمامًا، لأنّه يجعل القارئ الجادّ يَتساءَلُ عن سبب الحاجة إلى الاستيلاء الرّمزيّ على تاريخ الآخرين بَدلَ البحث عن التّاريخ الكرديّ نفسِه. وليس من المنهج العلميّ أن نقول إنّ إبراهيم كان كُرديًّا لأنّ بعض الروايات أو الاجتهادات الحديثة أرادت وضعَه في هذه الخانة القوميّة. إبراهيم شخصيّة تنتمي إلى عالم تاريخيّ ودينيّ قديم سابق بمئات أو آلاف السّنين على المفاهيم القوميّة الحديثة بصورتها المُعاصِرة، وكذلك لا يَجوز تَحويل المُلوك الفُرس أو السّاسانيّين أو المِيديّين أو الحُوريّين أو غيرهم إلى «قوميّات حديثة» بالمَعنى الذي نفهمُه اليوم، إلّا بعد بحث دقيق في السّياق التّاريخيّ واللغويّ والسّياسيّ لكلّ جماعة.
فالسّؤال الصّحيح ليس: «كيف نستطيع أن نجعل هذا الشّخص كُرديًّا؟» وإنّما: ما الأدلّة التي تجعلنا نعتقد أنّه كان كذلك؟
والفرق بين السّؤالين هائل.
الأول يبدأ من النّتيجة ثم يبحث عن الأدلّة التي تَخدمها، والثّاني يبدأ من الأدلّة ثم يسمح لها بأن تقود إلى النّتيجة، حتّى لو كانت النتيجة أقلّ إثارة ممّا نَتمنّاه. وهذه قاعدة ينبغي أن تكون أساسًا لكلّ كتابة تاريخيّة: لا تجعل الهُوِيّة، التي تُريد إثباتها هي التي تَختار الأدلّة التي تُريد استخدامَها.
ومِن أكثر الأخطاء شُيُوعًا في هذا المجال الاعتماد على التّشابه الصّوتيّ بين الأسماء. فوُجود اسم قديم قريب صَوتيًّا مِن «كُرْد» لا يَعني أنّ صاحبه كُرديّ. ولو اعتمدنا هذا المنهج لكان بإمكاننا اختراع عشرات الأنساب الوهميّة لشعوب العالم، لأنّ اللغات تَتغيّر، والأسماء تنتقل بين اللغات، والتّدوين اليونانيّ يختلف عن الفارسيّ، والفارسيّ عن الآراميّ، والآراميّ عن اللاتينيّ، وقد تتغيّر الكلمة نفسّها جذريًّا خلال القرون.
كما أنّ الجغرافيا لا تُثبِت النّسب وحدها. منطقة زاغروس، مثلًا، شَهِدَت عبر آلاف السّنين موجاتٍ سُكّانيّة وتَغَيّرات سياسيّة ولُغويّة هائلة. وتُشير الدّراسات إلى وُجود جماعات مُتعدّدة فيها، وأنّ عملية تَشَكّل المشهد الإيرانيّ والغربيّ الإيرانيّ كانت نتيجة تَدَاخُلات طويلة ومُعَقّدة. ومن ثمّ فإنّ القول: «كان هؤلاء يعيشون في منطقة يعيش فيها الكُرد اليوم، إذن هم أكراد» ليس استدلالًا تاريخيًّا، بل قفزة فوق التّاريخ.
أمّا القول إنّ أصل السّاسانيّين كُرديّ، فهو مثال آخر على ضرورة التّمييز بين الأصل الجغرافيّ وبين الهُوِيّة السّياسيّة والثّقافيّة واللغويّة. الدولة السّاسانيّة تنتمي إلى تاريخ إيران القديم، وكانت أسرة حاكمة ذات سياق فارسيّ وإيرانيّ معروف، وتحويلها إلى «أسرة كرديّة» يحتاج إلى أدلّة تاريخيّة ولُغويّة مُباشِرَة، لا إلى وجود كُرد أو جماعات جبليّة في المناطق نفسها أو القريبة منها.
ومن المؤسف أنّ بعض النّقاشات حول هذه القضايا تَتحوّل من البحث إلى المُشاجرة. فعندما يُطرَح سؤال حول الدّليل، يأتي الرّدّ أحيانًا باتّهام صاحب السّؤال بأنّه «مُعَادٍ لِلكُرد» أو «عُنصريّ» أو «مُزَوِّر للتّاريخ»، وكأنّ الانتماء القوميّ يَعفِي الباحث مِن ضرورة تقديم البُرهان. والأسوأ أن تتحوّل بعض النّقاشات إلى حَملات من الشّتائم والتّشويش الشّخصيّ، وكأنّ إسكات النّاقد يُمكِن أن يُعَوِّضَ غيابَ الدّليلِ. لكنّ التّاريخ لا يَتَغيّر بالشّتيمة، ولا تُصبح النّظريّة صحيحةً لأنّ عشرات الأشخاص كرّرُوها، ولا تَتحوّل الفَرَضِيّة إلى حقيقة بسبب كَثْرَة المنشورات، التي تَتَناقلها صفحاتُ التّواصل الاجتماعيّ.
إن كان هناك خطأ في نقد تاريخيّ، فليكن الرّدّ عليه بوثيقةٍ، أو بنقشٍ، أو بقراءة لُغويّة، أو بسندٍ أثريّ، أو بمصدرٍ تاريخيّ مَوثُوق. أمّا اتّهام النّاقد بالنّوايا والعَمَالة والعَدَاء القوميّ فلا يُقَدِّم شيئًا إلى المعرفة. والأهمّ مِن ذلك كلّه أنّ الكُرد ليسوا بحاجة إلى استعارة تاريخ الآخرين حتّى يكون لهم تاريخ جدير بالاحترام.
لديهم تاريخُهم الفعليّ، وشخصياتُهم، وأدبُهم، ولغاتُهم ولهجاتُهم، وتراثُهم الشّفهيّ، وإماراتُهم ومجتمعاتُهم المَحلّيّة، ومُؤرخون وكُتّاب وشُعراء، ومَسار تاريخيّ غنيّ ومُعقّد يستحقّ الدّراسة بعيدًا عن المُبالغة. والبحث العلميّ في تاريخ اللغة الكُرديّة وتَطوّر لهجاتِها، وفي ظُهور التّسميات الكُرديّة في المَصادر الإسلاميّة والوسيطة، وفي الإمارات الكُرديّة، وفي الأدب الكُرديّ الشّفهيّ والمكتوب، وفي العلاقات بين الجماعات الكُرديّة والشّعوب المجاورة، يُمكن أن يُقَدِّم صورةً أكثرَ قيمة بكثير من عشرات الادّعاءات التي تَجعلُ كلّ شخصيّة عظيمة في التّاريخ كرديّة الأصل.
بل إنّ الاعتراف بِعَدَم مَعرِفة شيءٌ ما يُمكِن أن يكونَ علامةَ قوّةٍ عِلميّةٍ لا علامةَ ضعفٍ.
أن يقول الباحث: «لا نَملِك حتّى الآن دليلًا حاسمًا على العلاقة المباشِرة بين الجماعة الفلانيّة والكُرد المعاصرين» أكثر احترامًا للعلم من أن يقول: «إنّهم أجدادُنا قَطْعًا» اعتمادًا على تَشَابُه اسم أو موقع جغرافيّ. والعلم لا يخجل من عبارة «لا نعرف»، لأنّ «لا نعرف» قد تكون بداية البحث الحقيقيّ.
ولذلك فإنّ النصيحة التي يُمكن تقديمُها إلى هؤلاء الكُتّاب هي أن يتركُوا الماضي يتحدّث بأدلّته، لا أن يتحدّثُوا هم نِيَابةً عنه. ليبحثُوا عن النّقوش والوثائق والعُملات والمَخطوطات واللُّقى الأثريّة، وليعملُوا مع عُلماء اللغة المُقارنة والآثار والتاريخ القديم، وليفرّقُوا بين الحقيقة والفَرَضِيّة، وبين الاحتمال والاستنتاج، وبين التّشابُه وبين الدّليل. وليَكُنْ من حقّ الباحث أن يقول «ربّما» عندما تكون الأدلّة تقول «ربّما»، وأن يقول «لا نعرف» عندما لا تُوجَد إجابة قاطعة.
أمّا مُحاولة تَحويل كلّ حضارة قديمة إلى كُرديّة، وكلّ قائد عظيم إلى كرديّ، وكلّ اسم قريب صوتيًّا إلى دليلِ نَسَب، فهي لا تَبني تاريخًا كرديًّا، بل تَبني رواية قوميّة تحتاج هي نفسها إلى البُرهان. والتاريخ الحقيقيّ لا يحتاج إلى أن يكون أجمل من الحقيقة.
إنْ كان للكُرد امتداد قديم إلى جماعة أو أكثر من جماعات الشّرق الأدنى القديم، فليُثبَت ذلك علميًّا، ولن يكون في الأمر ما يَدعُو إلى الخجل. وإنْ لم نستطِعْ إثباته، فلا يَنبغي أن نخترعَه. فالحقيقة، مهما كانت، أكثر كرامة من الأسطورة، والهُوِيّة التي تقف على أرض الواقع أكثر رُسُوخًا مِن هُوِيّة تحتاج في كلّ جيل إلى اختراع جَدّ جديد لها.
ثم إنّ أعظم ما يُمكن أن يقدّمه الكاتب الكرديّ لقومه ليس أن يقول لهم إنّهم أحفاد الجميع، وإنّما أن يقول لهم: هذه قصّتنا كما نستطيع إثباتها، وهذه حُدود مَعرِفتنا، وهذه الأشياء التي ما زلنا نبحثُ عنها. ذلك هو التّاريخ الذي يستحقّ الاحترام. أمّا إذا استمررنا في إعادة إبراهيم، والمِيديّين، والكَاردوخيّين، والحُوريّين، والفَرثيّين، والسّاسانيّين، وغيرهم إلى قائمة الأجداد القوميّين، فلن يَبقى بعد ذلك إلّا أنّ ننتظرَ مِن أحدِهم أن يُعلِنَ لنا، على سبيل المُبالغة التي تفرضُها هذه السّلسلة، أنّ الله نفسَه كان كُرديًّا. وحين نصل إلى هذه النّقطة، نكون قد غادرنا ميدان التّاريخ تَمامًا ودخلنا ميدان الأسطورة، والأسطورة قد تكون مادّة للأدب والخيال، لكنّها ليست بَديلًا عن البحث التّاريخيّ.
إنّ احترام الكُرد الحقيقيّ لا يكون بِتَزوير تاريخ الآخرين ولا بِاختطاف رُموز الحضارات القديمة، وإنّما باحترام الحقيقة، وبٍناء المَعرِفة، وحِفظ التُّراث، وتَوثيق اللغة والأدب، ودِراسة تاريخ الجماعة الكُرديّة كما تكشفُه المصادر، لا كما نتمنّى أن يكون. فَمَن يُريد أن يَمنحَ قومَه تاريخًا يَلِيقُ بهم، عليه أوّلًا أن يَمنحَ التّاريخ حقَّه في أن يكونَ كما كانَ، لا كما نُريدُ لهُ أن يكونَ.
__________________
fouad.hanna@online.de

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:07 AM.


Powered by vBulletin Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
Translation by Support-ar
Copyright by Fouad Zadieke