![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
الأستاذ كاميران المحترم،
تحية طيبة وبعد، أشكركم على رسالتكم الكريمة، وعلى الأسئلة المهمّة التي تفضلتم بطرحها، والأهمّ من ذلك على الروح التي صيغت بها هذه الأسئلة، إذ إنّ البحث في تاريخ الجزيرة العليا وماردين وطور عابدين وآزخ لا يحتمل كثيرًا من الأحكام القطعية التي تنطلق من هُوِيّاتنا المعاصرة وتسقطها على الماضي. ولعلّ أول ما ينبغي الاتفاق عليه هو أنّ الاعتراف بحدود المعرفة ليس نقصًا في البحث، بل هو في كثير من الأحيان شرطه الأول. فما بين أيدينا من مصادر لا يسمح دائمًا بأن نقول إنّ جماعة ما «عربية خالصة» أو «سريانية خالصة» أو «كردية خالصة»، لأنّ هذه البلاد لم تكن في معظم تاريخها فضاءً مغلقًا للجماعات، وإنّما كانت منطقة عبور واستقرار وتداخل بين بلاد الرافدين والأناضول وبلاد الشام، تعاقبت فيها اللغات والأديان والسلطات، وتجاورت فيها القبائل والجماعات وتزاوجت واختلطت وتحولت هوياتها بمرور الزمن. ومن هنا أجد أنّ السؤال عن أصل المحلميّة ينبغي ألّا يُصاغ ابتداءً بصيغة «هل المحلمية عرب أم سريان؟»، وإنّما بصيغة أكثر تاريخية: كيف تشكّلت الجماعة التي أصبحت تُعرف بالمحلمية، وما العناصر السكانية واللغوية والدينية التي دخلت في تكوينها؟ لدينا في هذا المجال أكثر من رواية. فهناك رواية عربية قبلية تربط المحلمية بالعرب، ولا سيّما بربيعة وبني شيبان، وهي رواية لها حضور واضح في الأدبيات الخاصّة بتاريخهم. ومن الدراسات الحديثة التي ناقشت هذه المسألة دراسة Abdülbaki Bozkurt، المنشورة سنة 2020 بعنوان The Historical Roots of the Mhallami Arabs in Turkey as a Subject of Debate، حيث يستعرض المؤلف الجدل حول أصل المحلمية، ويعرض الرواية التي تربطهم ببني شيبان من ربيعة، مع الإشارة إلى أنّ أصل الجماعة ظلّ موضع خلاف بين من يردّهم إلى العرب ومن يربطهم بالأكراد أو بالسريان. "دراسة Abdülbaki Bozkurt عن الجذور التاريخية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/0) لكن في مقابل هذه الرواية توجد رواية أخرى، ذات حضور قويّ في الأوساط السريانية، ترى أنّ (منطقة محَلْمَا) نفسها كانت جزءًا من المجال السرياني القديم، وأنّ سكّانًا سريانًا مسيحيين عاشوا فيها قبل الإسلام، وأنّ قسمًا من هؤلاء دخل الإسلام عبر عملية طويلة من التحوّل الديني. وتربط بعض هذه الكتابات اسم المنطقة بصيغ قديمة مثل Mhalmayto أو Beth-Ahlam، وتربط بها تسميات Mhalmoye أو Mhallami. كما تطرح عوامل مختلفة للأسلمة، من بينها التحوّلات السياسية والاقتصادية والضغوط التي عرفتها الجماعات المسيحية، إضافة إلى الجزية والصراعات الكنسية والتحوّلات التي استمرّت عبر عصور متعاقبة. "عرض الرواية السريانية حول أسلمة منطقة محلما" (https://reference-url-citation.invalid/1) غير أنُ علينا هنا أن نُميّز بين قضيتين كثيرًا ما تختلطان في النقاش الشعبي: الأولى هي إثبات وجود سكان سريان مسيحيين في منطقة محلما وطور عابدين، وهذا أمر تؤيده طبيعة المنطقة ومصادرها التاريخية والنقشية والكنسية، والثانية هي إثبات أن جميع الذين أصبحوا يعرفون لاحقًا بالمحلمية ينحدرون حصرًا من هؤلاء السكان. القضية الأولى مُمكنة بل قوية، أمّا الثانية فلم تثبت بصورة تسمح لنا بإغلاق باب البحث. وفي الحقيقة، لا أرى ضرورة تاريخية لوضع الروايتين في مواجهة مطلقة. فمن الممكن جدًّا أن يكون في تكوين المحلمية عنصر عربي قديم حقيقي، وأن تكون في الوقت نفسه عناصر محلية سريانية قد دخلت في تكوين الجماعة، ثم جاءت الأسلمة والتعريب والاختلاط والتحوّلات القبلية والاجتماعية لتنتج في النهاية جماعة ذات هوية محلمية عربية اللسان. وهذا التفسير المركّب في رأيي أكثر انسجامًا مع طبيعة تاريخ الجزيرة العليا من فكرة الأصل الواحد النقي. وتزداد أهمية هذا الاحتمال عندما ننتقل من علم الأنساب إلى علم اللغة. فقد درس Hans-Jürgen Sasse لهجة المحلمية دراسة متخصّصة سنة 1971 في كتابه Linguistische Analyse des arabischen Dialekts der Mḥallamīye in der Provinz Mardin (Südosttürkei)، وهو عمل ضخم مخصّص للهجة المحلمية، ويضعها ضمن البيئة اللغوية المعقدة لماردين والجزيرة، حيث تتجاور العربية والسريانية والكردية والتركية. والنتيجة الأساسية هنا واضحة: المحلمية يتحدثون العربية، ولهجتهم جزء من منظومة عربية محلية في شمال بلاد الرافدين. لكنّ اللغة، كما نعلم، لا تساوي بالضّرورة الأصل السكاني. "Sasse، دراسة اللهجة العربية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/2) وهذه نقطة ينبغي أن تكون حاضرة دائمًا عندما نتحدّث عن المحلمية أو آزخ. فانتقال الجماعة من لغة إلى أخرى أمر معروف تاريخيًّا، ولا يعني بالضرورة انتقالها في الوقت نفسه من أصل سكاني إلى أصل آخر. ويمكن للغة أن تنتشر عبر التجارة والزواج والجوار والسلطة والإدارة والدين والتعليم، وقد تصبح لغة الحياة اليومية في حين تبقى لغة الجماعة الدينية أو ذاكرتها التاريخية مختلفة. ولعلّ آزخ تقدّم لنا المثال الأكثر وضوحًا على ذلك. آزخ، أو Āzex في المصادر السريانية، والتي تُعرف اليوم باسم İdil، كانت من المراكز المسيحية السريانية المهمّة في المنطقة، وترتبط تاريخياً بمنطقة بيت زبداي/بازبدي. ومع ذلك، فإنّ سكانها المسيحيين لم يكونوا بالضرورة يتحدّثون السريانية في حياتهم اليومية، بل كانوا يتحدّثون العربية. وهذه ليست مجرّد رواية محليّة، وإنّما موضوع دراسة لغوية أكاديمية متخصصة قامت بها Michaela Wittrich في كتابها Der arabische Dialekt von Āzex، الصادر سنة 2001 عن Harrassowitz، حيث درست عربية آزخ اعتمادًا على مادة ميدانية جمعتها من متحدثين مسيحيين من البلدة. "Wittrich، Der arabische Dialekt von Āzex" (https://reference-url-citation.invalid/3) وهنا تكمن أهمية آزخ بالنسبة إلى سؤال المحلمية. فهي تثبت لنا أنّ الانتماء السرياني المسيحي لا يستلزم بالضرورة أن تكون اللغة اليومية سريانية، كما أنّ استعمال العربية لا يستلزم بالضرورة أن يكون المتحدّث منحدرًا من قبيلة عربية مهاجرة من الجزيرة العربية. إن سريان آزخ كانوا سريانًا مسيحيين تاريخياً، لكنّهم كانوا عرب اللسان في الحياة اليومية. ومن ثم فإنّ السؤال «كيف يتحدّث السريان العربية؟» يصبح في ذاته سؤالًا يحتاج إلى إعادة صياغة، لأنّ الواقع التاريخي يُثبت أنّ ذلك حدث بالفعل، بل وأنتج لهجة عربية محلية مميّزة. وقد أكّدت أعمال Otto Jastrow أهمية هذه المنطقة في دراسة العربية الميزوبوتامية. فقد نشر Arabische Textproben aus Mardin und Āzəx سنة 1969، كما درس لهجات ماردين والقرى المحيطة بها، ونشر نصوصًا بالمحلمية، ثم جاء عمله الأوسع Die mesopotamisch-arabischen Qəltu-Dialekte ليضع هذه اللهجات في إطار أوسع من العربية الميزوبوتامية من نوع Qəltu (لهجة قِلْتُو). "منشورات Otto Jastrow" (https://reference-url-citation.invalid/4) "Jastrow، Die mesopotamisch-arabischen Qəltu-Dialekte" (https://reference-url-citation.invalid/5) كما جاء George Grigore في دراسته الموسعة L'arabe parlé à Mardin: monographie d'un parler arabe «périphérique» ليقدّم دراسة متخصصة لعربية ماردين، وهي بدورها جزء من المجال العربي الميزوبوتامي الشمالي. "Grigore، L'arabe parlé à Mardin" (https://reference-url-citation.invalid/6) وعليه، فإذا سألنا: هل عربية آزخ هي لهجة موصلية؟ أو هل جاءت مباشرة من تكريت كما يذهب إليه البعض؟ فإنّني أتحفّظ على هذه الصياغة. ليس لأنّ الصلات بين آزخ والموصل وتكريت غير موجودة، بل لأنّ المجال اللهجي الذي تنتمي إليه آزخ أوسع من مدينة واحدة. والأدقّ، من الناحية اللسانية، أن نقول إنّها جزء من العربية الميزوبوتامية الشمالية، وأنّها تطوّرت داخل فضاء جغرافي متّصل يمتدّ عبر الجزيرة وماردين والموصل ومناطق أخرى من شمال بلاد الرافدين. ويؤكّد Glottolog هذا التصنيف بوضع عربية آزخ ضمن North Mesopotamian Arabic. "Glottolog — North Mesopotamian Arabic / Āzex" (https://reference-url-citation.invalid/7) أمّا فرضية بني تغلب التي يذهب إليها البعض الآخر، فهي من أكثر الفرضيات إثارة للاهتمام، لأنّها تقوم على حقيقة تاريخية ثابتة نسبيًّا: العرب المسيحيون كانوا موجودين في الجزيرة العُليا منذ عصور مبكّرة، وبنو تغلب تحديدًا كانوا من أبرز القبائل العربية المسيحية في هذه المنطقة. وهم من ربيعة، وكان لهم حضور في المجال الواقع بين الموصل وتكريت والجزيرة، وبقيت جماعات منهم على المسيحية فترة طويلة بعد الفتح الإسلامي قبل أن يعتنق قسم منهم الإسلام. وهذا يجعل من المُمكن جدًّا أن يكون وجود العرب المسيحيين في المنطقة قد أسهم في انتشار العربية بين جماعات مسيحية أخرى، أو أن تكون هناك صلات سكّانية أو لغوية قديمة بين بعض الجماعات. لكن علينا أن نتوقّف هنا قبل القفز إلى النتيجة القائلة إنّ "سريان آزخ هم بنو تغلب". فهذا يحتاج إلى أدلّة إضافية لا توفّرها لنا المصادر الحالية بصورة حاسمة. إنّ وجود بني تغلب في الجزيرة يُثبت الإمكان التاريخي، لكنّه لا يُثبت وحدُه النّسب المباشر لسكّان آزخ إليهم. وقد تناولت الدراسات المتخصّصة وضع مسيحيي بني تغلب وعلاقتهم بالدولة الإسلامية، ومن ذلك الدراسة المعنونة La ṣadaqa des chrétiens des Banū Taġlib، إلى جانب دراسات أخرى تتناول تاريخ بني تغلب من خلال المصادر العربية والسريانية. "دراسة La ṣadaqa des chrétiens des Banū Taġlib" (https://reference-url-citation.invalid/8) "دراسة تاريخية عن بني تغلب والعرب المسيحيين" (https://reference-url-citation.invalid/9) ولعلّ الأهمّ هنا أنّ حالة بني تغلب تساعدنا على فهم أنّ «العربي» و«المسيحي» لم يكونا في التاريخ القديم نقيضين، كما أنّ «السرياني» و«العربي اللسان» لم يكونا نقيضين أيضًا. فقد يكون المرء عربيًّا من حيث النسب والقبيلة ومسيحيًّا من حيث الدين، وقد يكون سريانيًّا من حيث الكنيسة والثقافة التاريخيّة وعربيًّا من حيث اللغة. وهذا يأخذنا مباشرةً إلى العلاقة بين لهجة المحلمية ولهجة آزخ. نعم، يوجد تقارب لهجي، وهذا التقارب ليس مفاجئًا في ضوء الجغرافيا والتاريخ اللغوي للمنطقة. لكن لا ينبغي تحويل التقارب اللهجي إلى إثبات لوحدة الأصل السكاني. فإذا كان السؤال هو: «هل المحلمية وآزخ يتحدّثون لهجتين خرجتا من بيئة لغوية واحدة؟» فالجواب يمكن أن يكون نعم، بدرجة قويّة. أمّا إذا كان السؤال: "هل هذا يعني أن سكان المحلمية وسكان آزخ من أصل بشري واحد؟" فالجواب: لا نستطيع إثبات ذلك من اللغة وحدها. إنّ اللغة هنا تُخبرنا بشيء مهم جدًّا عن البيئة المشتركة، لا بالضرورة عن النّسب. فقد يكون التقارب نتيجة أصل عربي قديم لدى بعض السكان، أو نتيجة انتشار العربية في منطقة واحدة، أو نتيجة تأثير السريانية على لهجات عربية متجاورة، أو نتيجة تفاعل هذه العوامل جميعًا. ولهذا أفضَل أن نقول إنّ المحلمية وآزخ تقعان ضمن فضاء لغوي ميزوبوتامي شمالي واحد، أكثر من القول إنّهما جماعتان من مصدر إثني واحد. وهنا تظهر مسألة التأثير السرياني في اللهجات العربية المحلية. فمن الطبيعي أن نجد أثرًا سريانيًّا في العربية الماردينية والمحلمية وعربية آزخ، لأنّ هذه المناطق عاشت قرونًا طويلة داخل بيئة سريانية. ولا يُمكن أن تعيش العربية والسريانية متجاورتين مئات السنين من دون أن تتبادلا المفردات والتراكيب والعادات الصوتية وأنماط التعبير. لكنّ هذا النوع من التأثير لا ينبغي أن يُستخدم دليلًا لإثبات أنّ المتحدّث عربي اللسان «سرياني الأصل». فاللغة تستعير من اللغة المجاورة، كما يتبنّى السكان أنماط الحياة والعمارة والزراعة والتسمية والعادات من البيئة التي يعيشون فيها، ودليل آخر على صحّة ما نقوله هنا:فإنّ أهل آزخ كانوا يتكلّمون اللغة الكردية كالكرد وربّما أحسن منهم، فهم هم أكراد؟ بالطبع لا. وتساعدنا النقوش في طور عابدين على فهم عمق هذه البيئة السريانية. فقد نشر Jacques Jarry دراسة بعنوان Inscriptions syriaques et arabes inédites du Ṭūr ʿAbdīn، تضمنت نقوشًا سريانية وعربية من المنطقة، كما قدّم Andrew Palmer corpus مهمًّا من النقوش السريانية في طور عابدين ومحيطه. وهذه المواد المادية مهمّة جدًّا لأنّها تقدّم لنا صورة عن الاستمرارية السريانية في المنطقة بعيدًا عن الروايات القومية الحديثة. "Jarry، النقوش السريانية والعربية في طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/10) "أعمال Andrew Palmer حول نقوش طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/11) كما أنّ Syriaca.org يقدّم مادّة جغرافية مهمّة عن طور عابدين وعن آزخ وبيت زبداي، وهي مفيدة جدًّا عند محاولة مطابقة الأسماء الحديثة بالأسماء السريانية والقديمة. "Syriaca.org — طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/12) "Syriaca.org — آزخ/بيت زبداي" (https://reference-url-citation.invalid/13) أمّا مسألة العمارة الحجرية التي أشرتم إليها، فهي بالفعل قرينة تستحقّ الاهتمام، خصوصًا أنّ قرى ماردين وطور عابدين عرفت تقاليد حجرية عريقة، وأنّ الاستقرار الزراعي والعمراني كان سِمةً أساسيّة لهذه المنطقة. لكنّني لا أرى أنّ البناء بالحجر يمكن أن يكون دليلًا مُنفردًا على الأصل السرياني، فالعمارة المحلية تنتقل إلى كلّ مَن يستقرّ في المكان. فإذا عاش قوم عرب أو أكراد في منطقة قرى حجرية لعدة قرون فمن الطبيعي أن يبنوا بالحجر وأن يتبنّوا نمط العمران المحلي. لكنّ قيمة هذه القرينة ترتفع كثيرًا عندما تُوضع بجانب غيرها: أسماء الأماكن، والنقوش، والكنائس، والمقابر، والسجلات، والأسماء الشخصية، والوثائق العثمانية، والتقاليد المحلية. عندها يصبح لدينا تاريخ اجتماعي مُتكامل، لا مُجرّد ملاحظة عن نمط البناء. وقد تناولت دراسات متخصّصة التراث المعماري السرياني في طور عابدين واستمراره عبر العصور. "دراسة عن العمارة في طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/14) أمّا التشابه في الملامح بين المحلمية والسريان والمسيحيين في قرى ماردين، فلا أرى أنّه يستطيع وحده أن يحسم مسألة الأصل. فالملامح المشتركة قد تكون نتيجة قرابة سكانية حقيقية، لكنّها قد تكون أيضًا نتيجة العيش في منطقة واحدة والاختلاط المستمرّ بين السكان. والأمر نفسه ينطبق على الجينات. فإذا أثبتت دراسة جينية مُحكمة وجود تقارب بين المحلمية والسريان، فإنّها ستكون ذات أهمّيّة كبيرة في فهم التاريخ السكاني، لكنّها لن تَعني تلقائيًّا أنّ المحلمية «سريان». الجينات تقيس القرابة السكانية، بينما الهُوِية تشمل اللغة والثقافة والدين والذاكرة والانتساب الاجتماعي. ولهذا فإنّني، حتى الآن، لا أرى أساسًا كافيًا للقول بوجود دراسة جينية مُحكمة ومُخصصة للمحلمية يمكنها أن تحسم أصلهم. وإذا ظهرت مثل هذه الدراسة، فيجب النّظر بعناية إلى حجم العينات وطريقة اختيارها والمناطق التي أخذت منها العينات والمجموعات المرجعية المستخدمة في المقارنة. وهنا نصل إلى قضية المسيحيين الأكراد، وهي قضية تكشف لنا جانبًا آخر من طبيعة هذه التحوّلات. فقد عرف التاريخ جماعات وأفرادًا أكرادًا اعتنقوا المسيحية، لكنّهم لم يتحوّلوا بالضرورة إلى «أمة مسيحية كردية» مستقلّة ذات مؤسسات منفصلة. وفي حالات عديدة أسلم بعضهم، أو اندمجوا في الجماعات المسيحية السريانية، أو تعرّبوا، أو فقدوا هويتهم المستقلة نتيجة الزواج والاندماج والهجرة. ومن الأمثلة التاريخية المعروفة الأمير الكردي ابن الضحاك الذي اعتنق المسيحية الأرثوذكسية في القرن العاشر، وهو مثال يكفي لإثبات أنّ التحوّل الديني بين الجماعات الكردية لم يكن أمرًا مستحيلًا أو نادرًا إلى درجة تجعل وجود مسيحيين أكراد أمرًا غير معقول. "مادة تاريخية عن المسيحيين الأكراد" (https://reference-url-citation.invalid/15) لكنّ السؤال «أين اختفى المسيحيون الأكراد؟» يحتاج إلى جواب اجتماعي أكثر منه جوابًا جغرافيًّا. لم يختفوا بالضّرورة في حدث واحد، وإنّما ذاب بعضُهم عبر عمليات متدرجة: الإسلام، والتعرب، والتسرين، والزواج المختلط، والهجرة، والاندماج القبلي، وفقدان المؤسسات الخاصة. ولذلك فإنّ اختفاء الاسم الجماعي لا يعني بالضرورة اختفاء النسب البيولوجي. وهذه قاعدة مهمّة جدًّا عند دراسة المحلمية أيضًا: قد تختفي جماعة بوصفها اسمًا مستقلًّا، ثم تبقى عناصر من سكانها داخل جماعة أخرى. ولهذا جاءت دراسة Laurenz W. Kern، Kurden, Araber, Scheinlibanesen: Die vielschichtige Ethnizität der Mḥallami، المنشورة سنة 2015، ذات أهمية خاصة، لأنّها تتعامل مع المحلمية بوصفهم جماعة ذات إثنية متعدّدة الطبقات، لا ككيان يمكن اختزاله بسهولة في تصنيف واحد. "Kern، Die vielschichtige Ethnizität der Mḥallami" (https://reference-url-citation.invalid/16) كما أنّ دراسة Halit Yeşilmen حول بناء هوية المحلمية في العصر الحديث مفيدة في فهم أنّ الهوية ليست دائمًا شيئًا ثابتًا، بل تتأثّر بالتحوُلات السياسية والاجتماعية وبطريقة تعريف الجماعة لنفسها في كلُ عصر. وهذا لا يعني أنّ العروبة المحلمية الحديثة «مختلقة»، وإنّما يعني أنّ العروبة نفسها يمكن أن تكون قد اكتسبت عبر الزمن عناصر جديدة فوق عناصر أقدم. "Yeşilmen، دراسة بناء هوية المحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/17) ومن هنا، إذا أردنا أن نفهم أسلمة المحلمية، فلا أرى أنّه من الصواب أن نبحث عن سنة واحدة أو حدث واحد نقول بعده "هنا أصبحوا مسلمين". التحوّل الديني في هذه المنطقة كان في الغالب عملية طويلة. قد تكون الجزية عاملًا، وقد تكون الظروف السياسية عاملًا، وقد تكون التحالفات القبلية والمصالح الاقتصادية والزواج والعلاقات الاجتماعية والصراعات الكنسية عوامل أخرى. ومن الخطأ أن نفسّر كلّ الحالات بالقسر، كما أنّه من الخطأ تفسيرها جميعًا باعتناق ديني فردي معزول عن الظروف الاجتماعية. وفي هذا السياق يجب ألّا ننسى أنّ المسيحية نفسها في المنطقة لم تكن كتلة واحدة. فقد وجدت الكنائس السريانية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية الشرقية وغيرها، وكانت الصراعات اللاهوتية والسياسية بين الطوائف عاملًا في إعادة تشكيل المجتمع المحلي أحيانًا. ولذلك فإنّ دراسة انتقال جماعة من المسيحية إلى الإسلام يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضًا الوضع الداخلي للجماعات المسيحية نفسها. أمّا محلما وطور عابدين، فقد كانا جزءًا من مركز سرياني بالغ الأهمية، ولا تزال آثار ذلك حاضرة في الجغرافيا والكنائس والنقوش والذاكرة المحلية. لكنّ وجود هذا المركز السرياني لا يعني أنّ كلّ مَن عاش فيه كان سريانيًّا من حيث الأصل، تمامًا كما أنّ وجود العرب في الجزيرة لا يعني أنّ كلّ سكّانها عرب. وهذه ربّما هي النقطة التي ينبغي أن نعود إليها دائمًا: المنطقة كانت مُختلطة قبل أن تكون هُوِيّاتها الحديثة مُختلطة. إنّنا عندما ننظر اليوم إلى ماردين أو آزخ أو طور عابدين نميل إلى إسقاط التقسيمات المعاصرة على الماضي، فنفترض أنّ هناك "عربًا" و"سريانًا" و"أكرادًا" كما لو كانت هذه الجماعات تعيش دائمًا بحدود صلبة. لكنّ التاريخ أكثر تعقيدًا. كان من المُمكن أن يكون الإنسان من قبيلة عربية، ويتبع كنيسة سريانية، ويتحدّث لهجة عربية محلية، ويعيش في قرية ذات طابع سرياني، ويحمل اسمًا آراميًّا أو عربيًّا، ثم تتغير بعض هذه العناصر لدى أبنائه وأحفاده. وهذا بالضّبط ما يجعل حالة آزخ مهمّة جدًّا. فهي تقول لنا إنّ الهُوِيّة الدينية والثقافية يمكن أن تستمرّ بعد تغيّر اللغة. وإذا كان هذا قد حدث عند مسيحيي آزخ، فلا يوجد سبب منهجي يمنع أن يكون شيء مشابه قد حدث لدى جماعات مسيحية أخرى في منطقة محلما، وإنْ كان علينا إثبات ذلك حالة بحالة. وفي المقابل، وجود بني تغلب والعرب المسيحيين في الجزيرة يجعل من الممكن أيضًا أن تكون بعض طبقات السكان العرب قد بقيت مسيحية زمنًا طويلًا، ثم دخلت في التحوّلات الدينية واللغوية التي شهدتها المنطقة. لذلك لا أستطيع أن أقول إنّ عربية آزخ جاءت من تكريت وحدها، ولا من الموصل وحدها، ولا من بني تغلب وحدهم. كما لا أستطيع أن أقول إنّ المحلمية كانوا سريانًا جميعًا ثم أسلموا، بحكم معرفتي واطلاعي العميق على لهجة آزخ أستطيع التأكيد بأنّها عربية قامت على انقراض سريانيّ بدليل ظواهر لغوية سريانية كثيرة في لهجة آزخ منها مثلًا البدء بساكن في كثير من الكلمات الآزخية بينما وكما نعلم فإنّه لا يجوز البدء بساكن في اللغة العربية في لهجة آزخ قْلْتُو بينما في العربية قُلتُ إلخ... والأرجح، في تقديري، أنّ الصورة التاريخية كانت أكثر تركيبًا: سكان محليون سريان، وجماعات عربية قديمة، وربما عناصر قبلية من ربيعة وغيرها، وأكراد، وجماعات أخرى، عاشت متجاورة واختلطت، ثم أعادت التحولات السياسية والدينية والاقتصادية واللغوية تشكيلها. ومن هذه الزاوية يُصبح التقارب بين لهجة المحلمية وعربية آزخ مفهومًا بصورة أفضل. فهما لا يحتاجان إلى "جد واحد" قريب حتى تتقاربا، وإنّما يكفي أن تكونا قد تطوّرتا داخل المجال اللغوي والجغرافي نفسه، مع تأثيرات عربية وسريانية مشتركة. ولهذا فإنّني أميل إلى صياغة النتيجة على النحو التالي: المحلمية جماعة عربية اللسان اليوم، ولهجتهم جزء من العربية الميزوبوتامية الشمالية، ولا يوجد ما يبرّر إنكار عروبتهم الحديثة، لكنّ تاريخ تكوينهم السكاني لا يزال يحتمل أكثر من طبقة، ومن المُمكن جدًّا أن تكون جماعات محلية سريانية قد دخلت في تكوينهم، خصوصًا في ظلّ البيئة السريانية التاريخية لمنطقة محلما وطور عابدين. أمّا آزخ، فالصورة مختلفة قليلًا: لدينا دليل لغوي مباشر على أنّ مجتمعًا مسيحيًّا سريانيًّا كان عربيًّا في لغته اليومية، وأنّ عربية آزخ لهجة مستقلة ومدروسة ضمن العربية الميزوبوتامية الشمالية. ومن ثم فإنّ كون أهل آزخ سريانًا لا يتعارض إطلاقًا مع كونهم عرب اللسان. أمّا صلة ذلك ببني تغلب، فهي فرضية تستحقّ البحث ولا ينبغي رفضها، لكنّها لم تُثبت بما يكفي لكي تتحوّل إلى حقيقة تاريخية. ووجود بني تغلب في المنطقة وكونهم عربًا مسيحيين يجعلها ممكنة، لا مؤكدة. وأمّا القول بأنّ لهجة آزخ من لهجة الموصل أو تكريت، فالأدقّ علميًّا وضعها ضمن منظومة أوسع من العربية الميزوبوتامية الشمالية، مع الاعتراف بوجود التأثيرات والصلات بين هذه المناطق. والتقارب بينها وبين لهجة المحلمية قوي بما يكفي للحديث عن قرب لهجي وجغرافي، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وحدة الأصل السكاني. أما السؤال الأوسع، "هل المحلمية سريان؟"، فأظنّ أنّ أفضل جواب علمي في الوقت الحاضر هو: ربّما كان في تكوينهم عنصر سريانيّ محليّ مهمّ، لكن لا نستطيع إثبات أنّ المحلمية جميعًا كانوا سريانًا ثم أسلموا، كما لا نستطيع إثبات أنّهم جميعًا ينحدرون من قبيلة عربية واحدة. والاحتمال الأكثر اتزانًا هو أنّ هُوِيّتهم التاريخية تشكّلت من طبقات مُتعدّدة، وأنّ العربية والإسلام أصبحا في مرحلة لاحقة عنصرين حاسمين في تعريف الجماعة. وفي النهاية، فإنّني أعتقد أنّ أهمّ ما نستطيع فعله في هذا الموضوع هو تحرير البحث من الحاجة إلى "انتصار" رواية على أخرى. فليس الهدف أن نُثبت أنّ المحلمية سريان لكي ننفي عنهم العروبة، ولا أن نثبت أنّهم عرب لكي ننفي أثر البيئة السريانية. التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. يمكن أن تكون الجماعة عربية اللسان اليوم، وقد يكون في تكوينها سكان محليون سريان، ويمكن أن تكون آزخ سريانية الهوية الكنسية والتاريخية وقد أصبحت عربية اللسان، ويمكن أن يكون العرب المسيحيون، مثل بني تغلب، جسرًا مهمًّا لفهم انتشار العربية في الجزيرة. وإذا أردنا الوصول إلى جواب أكثر حسمًا في المستقبل، فإنّ الطريق ليس في تكرار الروايات، وإنّما في جمعها ومقارنتها: المصادر السريانية القديمة، والمصادر العربية، والجغرافيا التاريخية، والنقوش، والسجلات الكنسية، والوثائق العثمانية، ودراسة أسماء القرى والعشائر، وعلم اللهجات، ثم الدراسات السكانية والجينية الحديثة إذا توفرت عينات علمية ممثلة. وبهذا المعنى فإنّني لا أرى في جواب "لا نعرف على وجه اليقين" تراجعًا عن البحث، بل أراه أحيانًا أكثر نزاهة من تقديم فرضية على أنًها حقيقة. والذي يُمكننا قوله اليوم بثقة أكبر هو أنّ ماردين وطور عابدين وآزخ وفضاء الجزيرة العليا كانت مناطق متعدّدة اللغات والأديان والسكان، وأنّ العربية والسريانية عاشتا فيهما جنبًا إلى جنب قرونًا طويلة، وأنّ التحوّل من السريانية إلى العربية حدث في بعض الجماعات دون أن يُصاحبه بالضرورة تحوّل فوري في الدين أو الهوية، وأنّ التحول من المسيحية إلى الإسلام كان بدوره عملية تاريخية طويلة. وفي هذا الإطار ينبغي أن نفهم المحلمية وآزخ معًا، لا باعتبارهما لغزًا قوميًّا يحتاج إلى جواب ثنائي، بل باعتبارهما مثالين على التاريخ المعقّد لتشكّل الجماعات في شمال بلاد الرافدين. ومن أهمّ المراجع التي ينبغي أن تبقى حاضرة في هذا النقاش: Hans-Jürgen Sasse، Linguistische Analyse des arabischen Dialekts der Mḥallamīye in der Provinz Mardin (Südosttürkei)، سنة 1971، وهو المرجع اللساني المتخصّص الأبرز في لهجة المحلمية. "Sasse، دراسة اللهجة العربية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/18) وOtto Jastrow، في أعماله عن لهجات ماردين وآزخ والمحلمية، ومنها Arabische Textproben aus Mardin und Āzəx وDie arabischen Dialekte des Vilayets Mardin (Südosttürkei) وDie mesopotamisch-arabischen Qəltu-Dialekte. "منشورات Jastrow" (https://reference-url-citation.invalid/19) "Jastrow، Qəltu-Dialekte" (https://reference-url-citation.invalid/20) وكذلك Michaela Wittrich، Der arabische Dialekt von Āzex، Harrassowitz، 2001، وهو المرجع الأهم في عربية آزخ. "Wittrich، Der arabische Dialekt von Āzex" (https://reference-url-citation.invalid/21) وGeorge Grigore، L'arabe parlé à Mardin: monographie d'un parler arabe «périphérique». "Grigore، العربية المحكية في ماردين" (https://reference-url-citation.invalid/22) وفي موضوع الإثنية المحلمية، Laurenz W. Kern، «Kurden, Araber, Scheinlibanesen: Die vielschichtige Ethnizität der Mḥallami»، Wiener Zeitschrift für die Kunde des Morgenlandes 105، 2015، ص 189–202. "Kern، الإثنية متعددة الطبقات للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/23) وكذلك Halit Yeşilmen في دراساته حول بناء الهوية المحلمية والتحوّلات الاجتماعية والسياسية. "Yeşilmen، دراسة هوية المحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/24) وفي أصل المحلمية والرواية العربية القبلية، يمكن الرجوع إلى Abdülbaki Bozkurt، The Historical Roots of the Mhallami Arabs in Turkey as a Subject of Debate. "Bozkurt، الجذور التاريخية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/25) وفي الجغرافيا والتاريخ السرياني، تبقى قاعدة Syriaca.org من المصادر المفيدة جدًّا في تتبّع أسماء الأماكن، ومنها آزخ وطور عابدين. "Syriaca.org — آزخ" (https://reference-url-citation.invalid/26) "Syriaca.org — طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/27) وفي النقوش السريانية والعربية في طور عابدين، Jacques Jarry وAndrew Palmer من المراجع المهمة. "Jarry، Inscriptions syriaques et arabes inédites du Ṭūr ʿAbdīn" (https://reference-url-citation.invalid/28) أمّا في مسألة بني تغلب والعرب المسيحيين في الجزيرة، فالدراسات التي تناولت وضع مسيحيي بني تغلب، ومنها La ṣadaqa des chrétiens des Banū Taġlib، تقدم إطارًا تاريخيًّا مهمًّا لفهم وجود العرب المسيحيين في هذه المنطقة. "دراسة عن مسيحيي بني تغلب" (https://reference-url-citation.invalid/29) وفي المحصّلة، ربّما يكون أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه المسألة هو أنّ تاريخ هذه المنطقة لا يحتاج إلى أن نختار بين "عرب" و"سريان" بقدر ما يحتاج إلى أن نفهم كيف أصبح العرب والسريان والأكراد وغيرهم جزءًا من تاريخ واحد، وكيف استطاعت اللغة أن تعبر الحدود التي لم تكن موجودة أصلًا بالصورة التي نعرفها اليوم. فآزخ تعلّمنا أنّ السرياني يمكن أن يكون عربيًّا في لغته، وبنو تغلب يعلّموننا أنّ العربي يُمكن أن يكون مسيحيًّا، وتاريخ طور عابدين يعلّمنا أنُ السريانية يمكن أن تبقى حية قرونًا طويلة وسط بيئة متعددة اللغات، وتاريخ المحلمية يعلّمنا أنّ جماعة يمكن أن تحمل هوية عربية واضحة اليوم مع بقاء السؤال العلمي مفتوحًا حول الطبقات السكانية التي ساهمت في تكوينها. وهذا، في رأيي، ليس تناقضًا في تاريخ المنطقة، بل هو تاريخ المنطقة نفسه. مع خالص الاحترام والتقدير. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
وصلتني هذا الصباح رسالة على الخاص من الصديق الأستاذ كاميران سليمان، يطرح فيها عدّة أسئلة عن المحلمية ولهجة آزخ أثبت هنا رسالته الكريمة مشكورًا مع ردي عليه:
"عزيزي الباحث أستاذ فؤاد زاديكي المحترم، تحية طيبة وبعد، أكتب لك هذه الرسالة لأعبر لك بدايةً عن بالغ تقديري واحترامي لأسلوبك البحثي والتوثيقي، ولنظرتك الموضوعية والرصينة التي تتسم بالابتعاد عن المبالغات العاطفية والتفسيرات القومية الضيقة. إن هذا المنهاج المستنير هو ما نحتاجه اليوم لفهم تاريخ المنطقة المعقد وتفكيك رواياته. انطلاقاً من كثرة التأويلات والتضاربات حول أصول المحلمية، أردت الاستئناس برأيك في بعض الألغاز التاريخية التي نعجز عن العثور على إجابات حاسمة لها. وأود أن أؤكد لك سلفاً أن أي إجابة منك—حتى لو كانت "لا أعرف" أو "غير متأكد"—ستكون مقبولة ومحل احترام كامل، ف الاعتراف بحدود المعرفة العلمية هو أسمى مراتب الموضوعية. تتلخص تساؤلاتي في النقاط التالية: أصول المحلمية وقربهم من سريان ماردين: هناك ملاحظات بارزة تخص المحلمية، بدءاً من قربهم اللغوي واللهجي، ومروراً بنمط حياتهم المتمدن واعتيادهم على البناء بالحجر (عكس النمط البدوي)، وصولاً إلى التشابه الجيني والصفات الوراثية والملامح مع السريان والمسيحيين في قرى ماردين وما حولها. كيف تقرأ هذه الشواهد؟ لغز أهل آزخ (بيت زبداي): ينشأ هنا سؤال مهم ومحير؛ لماذا يتحدث أهل آزخ باللغة العربية (اللهجة المحلمية/الماردينية) ولا يجيدون السريانية أو أي فرع من الأرامية، رغم أصولهم وانتمائهم التاريخي؟ هل هم عرب أُقحاح هاجروا من شبه الجزيرة العربية واستقروا هناك، أم أن هناك حلقة مفقودة في التحول اللغوي والثقافي لهذه المنطقة؟ المسيحيون الكرد: ماذا حدث تاريخياً مع الجماعات أو القبائل الكردية التي اعتنقت المسيحية؟ أين ذابوا وكيف اختفت آثارهم المستقلة عبر العصور؟ أشكر لك وقتك وقراءتك لهذه الأسئلة، وأتطلع بشوق لسماع رؤيتك وتحليلك لهذه المحطات التاريخية. مع خالص الاحترام والتقدير" الأستاذ كاميران المحترم، تحية طيبة وبعد، أشكركم على رسالتكم الكريمة، وعلى الأسئلة المهمّة التي تفضلتم بطرحها، والأهمّ من ذلك على الروح التي صيغت بها هذه الأسئلة، إذ إنّ البحث في تاريخ الجزيرة العليا وماردين وطور عابدين وآزخ لا يحتمل كثيرًا من الأحكام القطعيّة التي تنطلق من هُوِيّاتنا المعاصرة وتسقطها على الماضي. ولعلّ أوّل ما ينبغي الاتفاق عليه هو أنّ الاعتراف بحدود المعرفة ليس نقصًا في البحث، بل هو في كثير من الأحيان شرطه الأوّل. فما بين أيدينا من مصادر لا يسمح دائمًا بأن نقول إنّ جماعة ما "عربية خالصة" أو "سريانية خالصة" أو "كردية خالصة"، لأنّ هذه البلاد لم تكن في معظم تاريخها فضاءً مُغلقًا للجماعات، وإنّما كانت منطقة عبور واستقرار وتداخُل بين بلاد الرافدين والأناضول وبلاد الشام، تعاقبت فيها اللغات والأديان والسلطات، وتجاورت فيها القبائل والجماعات وتزاوجت واختلطت وتحوّلت هُوِيّاتها بمرور الزمن. ومن هنا أجد أنّ السؤال عن أصل المحلميّة ينبغي ألّا يُصاغ ابتداءً بصيغة "هل المحلمية عرب أم سريان؟"، وإنّما بصيغة أكثر تاريخيّة: كيف تشكّلت الجماعة التي أصبحت تُعرف بالمحلمية، وما العناصر السكانية واللغوية والدينية التي دخلت في تكوينها؟ لدينا في هذا المجال أكثر من رواية. فهناك رواية عربية قبلية تربط المحلمية بالعرب، ولا سيّما بربيعة وبني شيبان، وهي رواية لها حضور واضح في الأدبيات الخاصّة بتاريخهم. ومن الدراسات الحديثة التي ناقشت هذه المسألة دراسة Abdülbaki Bozkurt، المنشورة سنة 2020 بعنوان The Historical Roots of the Mhallami Arabs in Turkey as a Subject of Debate، حيث يستعرض المؤلف الجدل حول أصل المحلمية، ويعرض الرواية التي تربطهم ببني شيبان من ربيعة، مع الإشارة إلى أنّ أصل الجماعة ظلّ موضع خلاف بين من يردّهم إلى العرب ومن يربطهم بالأكراد أو بالسريان. "دراسة Abdülbaki Bozkurt عن الجذور التاريخية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/0) لكن في مقابل هذه الرواية توجد رواية أخرى، ذات حضور قويّ في الأوساط السريانية، ترى أنّ (منطقة محَلْمَا) نفسها كانت جزءًا من المجال السرياني القديم، وأنّ سكّانًا سريانًا مسيحيين عاشوا فيها قبل الإسلام، وأنّ قسمًا من هؤلاء دخل الإسلام عبر عملية طويلة من التحوّل الديني. وتربط بعض هذه الكتابات اسم المنطقة بصيغ قديمة مثل Mhalmayto أو Beth-Ahlam، وتربط بها تسميات Mhalmoye أو Mhallami. كما تطرح عوامل مختلفة للأسلمة، من بينها التحوّلات السياسية والاقتصادية والضغوط التي عرفتها الجماعات المسيحية، إضافةً إلى الجزية والصراعات الكنسيّة والتحوّلات التي استمرّت عبر عصور متعاقبة. "عرض الرواية السريانية حول أسلمة منطقة محلما" (https://reference-url-citation.invalid/1) غير أنّ علينا هنا أن نُميّز بين قضيتين كثيرًا ما تختلطان في النقاش الشعبي: الأولى هي إثبات وجود سكان سريان مسيحيين في منطقة محلما وطور عابدين، وهذا أمر تؤيده طبيعة المنطقة ومصادرها التاريخية والنقشية والكنسية، والثانية هي إثبات أن جميع الذين أصبحوا يعرفون لاحقًا بالمحلمية ينحدرون حصرًا من هؤلاء السكان. القضية الأولى مُمكنة بل قوية، أمّا الثانية فلم تثبت بصورة تسمح لنا بإغلاق باب البحث. وفي الحقيقة، لا أرى ضرورة تاريخية لوضع الروايتين في مواجهة مطلقة. فمن المُمكن جدًّا أن يكون في تكوين المحلمية عنصر عربي قديم حقيقي، وأن تكون في الوقت نفسه عناصر محلية سريانية قد دخلت في تكوين الجماعة، ثم جاءت الأسلمة والتعريب والاختلاط والتحوّلات القبلية والاجتماعية لتنتج في النهاية جماعة ذات هُوِيّة محلمية عربية اللسان. وهذا التفسير المركّب في رأيي أكثر انسجامًا مع طبيعة تاريخ الجزيرة العليا من فكرة الأصل الواحد النقيّ. وتزداد أهمية هذا الاحتمال عندما ننتقل من علم الأنساب إلى علم اللغة. فقد درس Hans-Jürgen Sasse لهجة المحلمية دراسة متخصّصة سنة 1971 في كتابه Linguistische Analyse des arabischen Dialekts der Mḥallamīye in der Provinz Mardin (Südosttürkei)، وهو عمل ضخم مخصّص للهجة المحلمية، ويضعها ضمن البيئة اللغوية المعقدة لماردين والجزيرة، حيث تتجاور العربية والسريانية والكردية والتركية. والنتيجة الأساسية هنا واضحة: المحلمية يتحدّثون العربية، ولهجتهم جزء من منظومة عربية محلية في شمال بلاد الرافدين. لكنّ اللغة، كما نعلم، لا تُساوي بالضّرورة الأصل السكاني. "Sasse، دراسة اللهجة العربية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/2) وهذه نقطة ينبغي أن تكون حاضرةً دائمًا عندما نتحدّث عن المحلمية أو آزخ. فانتقال الجماعة من لغة إلى أخرى أمر معروف تاريخيًّا، ولا يعني بالضّرورة انتقالها في الوقت نفسه من أصل سكاني إلى أصل آخر. ويمكن للغة أن تنتشر عبر التجارة والزواج والجوار والسلطة والإدارة والدين والتعليم، وقد تصبح لغة الحياة اليومية في حين تبقى لغة الجماعة الدينية أو ذاكرتها التاريخية مختلفة. ولعلّ آزخ تقدّم لنا المثال الأكثر وضوحًا على ذلك. آزخ، أو Āzex في المصادر السريانية، والتي تُعرف اليوم باسم İdil، كانت من المراكز المسيحية السريانية المهمّة في المنطقة، وترتبط تاريخيًّا بمنطقة بيت زبداي/بازبدي. ومع ذلك، فإنّ سكانها المسيحيين لم يكونوا بالضرورة يتحدّثون السريانية في حياتهم اليومية، بل كانوا يتحدّثون العربية. وهذه ليست مجرّد رواية محليّة، وإنّما موضوع دراسة لغوية أكاديمية متخصصة قامت بها Michaela Wittrich في كتابها Der arabische Dialekt von Āzex، الصادر سنة 2001 عن Harrassowitz، حيث درست عربية آزخ اعتمادًا على مادة ميدانية جمعتها من متحدثين مسيحيين من البلدة. "Wittrich، Der arabische Dialekt von Āzex" (https://reference-url-citation.invalid/3) وهنا تكمن أهمية آزخ بالنسبة إلى سؤال المحلمية. فهي تثبت لنا أنّ الانتماء السرياني المسيحي لا يستلزم بالضرورة أن تكون اللغة اليومية سريانية، كما أنّ استعمال العربية لا يستلزم بالضرورة أن يكون المتحدّث منحدرًا من قبيلة عربية مهاجرة من الجزيرة العربية. إن سريان آزخ كانوا سريانًا مسيحيين تاريخيًّا، لكنّهم كانوا عرب اللسان في الحياة اليومية. ومن ثم فإنّ السؤال "كيف يتحدّث السريان العربية؟" يصبح في ذاته سؤالًا يحتاج إلى إعادة صياغة، لأنّ الواقع التاريخي يُثبت أنّ ذلك حدث بالفعل، بل وأنتج لهجة عربية محلية مميّزة. وقد أكّدت أعمال Otto Jastrow أهمية هذه المنطقة في دراسة العربية الميزوبوتامية. فقد نشر Arabische Textproben aus Mardin und Āzəx سنة 1969، كما درس لهجات ماردين والقرى المحيطة بها، ونشر نصوصًا بالمحلمية، ثم جاء عمله الأوسع Die mesopotamisch-arabischen Qəltu-Dialekte ليضع هذه اللهجات في إطار أوسع من العربية الميزوبوتامية من نوع Qəltu (لهجة قِلْتُو). "منشورات Otto Jastrow" (https://reference-url-citation.invalid/4) "Jastrow، Die mesopotamisch-arabischen Qəltu-Dialekte" (https://reference-url-citation.invalid/5) كما جاء George Grigore في دراسته الموسعة L'arabe parlé à Mardin: monographie d'un parler arabe «périphérique» ليقدّم دراسة متخصّصة لعربية ماردين، وهي بدورها جزء من المجال العربي الميزوبوتامي الشمالي. "Grigore، L'arabe parlé à Mardin" (https://reference-url-citation.invalid/6) وعليه، فإذا سألنا: هل عربية آزخ هي لهجة موصلية؟ أو هل جاءت مباشرة من تكريت كما يذهب إليه البعض؟ فإنّني أتحفّظ على هذه الصياغة. ليس لأنّ الصلات بين آزخ والموصل وتكريت غير موجودة، بل لأنّ المجال اللهجي الذي تنتمي إليه آزخ أوسع من مدينة واحدة. والأدقّ، من الناحية اللسانية، أن نقول إنّها جزء من العربية الميزوبوتامية الشمالية، وأنّها تطوّرت داخل فضاء جغرافي متّصل يمتدّ عبر الجزيرة وماردين والموصل ومناطق أخرى من شمال بلاد الرافدين. ويؤكّد Glottolog هذا التصنيف بوضع عربية آزخ ضمن North Mesopotamian Arabic. "Glottolog — North Mesopotamian Arabic / Āzex" (https://reference-url-citation.invalid/7) أمّا فرضية بني تغلب التي يذهب إليها البعض الآخر، فهي من أكثر الفرضيات إثارة للاهتمام، لأنّها تقوم على حقيقة تاريخية ثابتة نسبيًّا: العرب المسيحيون كانوا موجودين في الجزيرة العُليا منذ عصور مبكّرة، وبنو تغلب تحديدًا كانوا من أبرز القبائل العربية المسيحية في هذه المنطقة. وهم من ربيعة، وكان لهم حضور في المجال الواقع بين الموصل وتكريت والجزيرة، وبقيت جماعات منهم على المسيحية فترة طويلة بعد الفتح الإسلامي قبل أن يعتنق قسم منهم الإسلام. وهذا يجعل من المُمكن جدًّا أن يكون وجود العرب المسيحيين في المنطقة قد أسهم في انتشار العربية بين جماعات مسيحية أخرى، أو أن تكون هناك صلات سكّانية أو لغوية قديمة بين بعض الجماعات. لكن علينا أن نتوقّف هنا قبل القفز إلى النتيجة القائلة إنّ "سريان آزخ هم بنو تغلب". فهذا يحتاج إلى أدلّة إضافية لا توفّرها لنا المصادر الحالية بصورة حاسمة. إنّ وجود بني تغلب في الجزيرة يُثبت الإمكان التاريخي، لكنّه لا يُثبت وحدُه النّسب المباشر لسكّان آزخ إليهم. وقد تناولت الدراسات المتخصّصة وضع مسيحيي بني تغلب وعلاقتهم بالدولة الإسلامية، ومن ذلك الدراسة المعنونة La ṣadaqa des chrétiens des Banū Taġlib، إلى جانب دراسات أخرى تتناول تاريخ بني تغلب من خلال المصادر العربية والسريانية. "دراسة La ṣadaqa des chrétiens des Banū Taġlib" (https://reference-url-citation.invalid/8) "دراسة تاريخية عن بني تغلب والعرب المسيحيين" (https://reference-url-citation.invalid/9) ولعلّ الأهمّ هنا أنّ حالة بني تغلب تساعدنا على فهم أنّ "العربي" و"المسيحي" لم يكونا في التاريخ القديم نقيضين، كما أنّ "السرياني" و:العربي اللسان" لم يكونا نقيضين أيضًا. فقد يكون المرء عربيًّا من حيث النسب والقبيلة ومسيحيًّا من حيث الدين، وقد يكون سريانيًّا من حيث الكنيسة والثقافة التاريخيّة وعربيًّا من حيث اللغة. وهذا يأخذنا مباشرةً إلى العلاقة بين لهجة المحلمية ولهجة آزخ. نعم، يوجد تقارب لهجي، وهذا التقارب ليس مفاجئًا في ضوء الجغرافيا والتاريخ اللغوي للمنطقة. لكن لا ينبغي تحويل التقارب اللهجي إلى إثبات لوحدة الأصل السكاني. فإذا كان السؤال هو: "هل المحلمية وآزخ يتحدّثون لهجتين خرجتا من بيئة لغوية واحدة؟: فالجواب يمكن أن يكون نعم، بدرجة قويّة. أمّا إذا كان السؤال: "هل هذا يعني أن سكان المحلمية وسكان آزخ من أصل بشري واحد؟" فالجواب: لا نستطيع إثبات ذلك من اللغة وحدها. إنّ اللغة هنا تُخبرنا بشيء مهم جدًّا عن البيئة المشتركة، لا بالضرورة عن النّسب. فقد يكون التقارب نتيجة أصل عربي قديم لدى بعض السكان، أو نتيجة انتشار العربية في منطقة واحدة، أو نتيجة تأثير السريانية على لهجات عربية متجاورة، أو نتيجة تفاعل هذه العوامل جميعًا. ولهذا أفضَل أن نقول إنّ المحلمية وآزخ تقعان ضمن فضاء لغوي ميزوبوتامي شمالي واحد، أكثر من القول إنّهما جماعتان من مصدر إثني واحد. وهنا تظهر مسألة التأثير السرياني في اللهجات العربية المحلية. فمن الطبيعي أن نجد أثرًا سريانيًّا في العربية الماردينية والمحلمية وعربية آزخ، لأنّ هذه المناطق عاشت قرونًا طويلة داخل بيئة سريانية. ولا يُمكن أن تعيش العربية والسريانية متجاورتين مئات السنين من دون أن تتبادلا المفردات والتراكيب والعادات الصوتية وأنماط التعبير. لكنّ هذا النوع من التأثير لا ينبغي أن يُستخدم دليلًا لإثبات أنّ المتحدّث عربي اللسان "سرياني الأصل". فاللغة تستعير من اللغة المجاورة، كما يتبنّى السكان أنماط الحياة والعمارة والزراعة والتسمية والعادات من البيئة التي يعيشون فيها، ودليل آخر على صحّة ما نقوله هنا:فإنّ أهل آزخ كانوا يتكلّمون اللغة الكردية - بسبب الجوار الكردي لهم - كالكرد وربّما أحسن منهم، فهل هم أكراد؟ بالطبع لا. وتساعدنا النقوش في طور عابدين على فهم عمق هذه البيئة السريانية. فقد نشر Jacques Jarry دراسة بعنوان Inscriptions syriaques et arabes inédites du Ṭūr ʿAbdīn، تضمنت نقوشًا سريانية وعربية من المنطقة، كما قدّم Andrew Palmer corpus مهمًّا من النقوش السريانية في طور عابدين ومحيطه. وهذه المواد المادية مهمّة جدًّا لأنّها تقدّم لنا صورة عن الاستمرارية السريانية في المنطقة بعيدًا عن الروايات القومية الحديثة. "Jarry، النقوش السريانية والعربية في طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/10) "أعمال Andrew Palmer حول نقوش طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/11) كما أنّ Syriaca.org يقدّم مادّة جغرافية مهمّة عن طور عابدين وعن آزخ وبيت زبداي، وهي مفيدة جدًّا عند محاولة مطابقة الأسماء الحديثة بالأسماء السريانية والقديمة. "Syriaca.org — طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/12) "Syriaca.org — آزخ/بيت زبداي" (https://reference-url-citation.invalid/13) أمّا مسألة العمارة الحجرية التي أشرتم إليها، فهي بالفعل قرينة تستحقّ الاهتمام، خصوصًا أنّ قرى ماردين وطور عابدين عرفت تقاليد حجرية عريقة، وأنّ الاستقرار الزراعي والعمراني كان سِمةً أساسيّة لهذه المنطقة. لكنّني لا أرى أنّ البناء بالحجر يمكن أن يكون دليلًا مُنفردًا على الأصل السرياني، فالعمارة المحلية تنتقل إلى كلّ مَن يستقرّ في المكان. فإذا عاش قوم عرب أو أكراد في منطقة قرى حجرية لعدة قرون فمن الطبيعي أن يبنوا بالحجر وأن يتبنّوا نمط العمران المحلي. لكنّ قيمة هذه القرينة ترتفع كثيرًا عندما تُوضع بجانب غيرها: أسماء الأماكن، والنقوش، والكنائس، والمقابر، والسجلات، والأسماء الشخصية، والوثائق العثمانية، والتقاليد المحلية. عندها يصبح لدينا تاريخ اجتماعي مُتكامل، لا مُجرّد ملاحظة عن نمط البناء. وقد تناولت دراسات متخصّصة التراث المعماري السرياني في طور عابدين واستمراره عبر العصور. "دراسة عن العمارة في طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/14) أمّا التشابه في الملامح بين المحلمية والسريان والمسيحيين في قرى ماردين، فلا أرى أنّه يستطيع وحده أن يحسم مسألة الأصل. فالملامح المشتركة قد تكون نتيجة قرابة سكانية حقيقية، لكنّها قد تكون أيضًا نتيجة العيش في منطقة واحدة والاختلاط المستمرّ بين السكان. والأمر نفسه ينطبق على الجينات. فإذا أثبتت دراسة جينية مُحكمة وجود تقارب بين المحلمية والسريان، فإنّها ستكون ذات أهمّيّة كبيرة في فهم التاريخ السكاني، لكنّها لن تَعني تلقائيًّا أنّ المحلمية "سريان". الجينات تقيس القرابة السكانية، بينما الهُوِية تشمل اللغة والثقافة والدين والذاكرة والانتساب الاجتماعي. ولهذا فإنّني، حتى الآن، لا أرى أساسًا كافيًا للقول بوجود دراسة جينية مُحكمة ومُخصّصة للمحلمية يمكنها أن تحسم أصلهم. وإذا ظهرت مثل هذه الدراسة، فيجب النّظر بعناية إلى حجم العينات وطريقة اختيارها والمناطق التي أخذت منها العينات والمجموعات المرجعية المستخدمة في المقارنة. وهنا نصل إلى قضية المسيحيين الأكراد، وهي قضية تكشف لنا جانبًا آخر من طبيعة هذه التحوّلات. فقد عرف التاريخ جماعات وأفرادًا أكرادًا اعتنقوا المسيحية، لكنّهم لم يتحوّلوا بالضرورة إلى "أمة مسيحية كردية" مستقلّة ذات مؤسسات منفصلة. وفي حالات عديدة أسلم بعضهم، أو اندمجوا في الجماعات المسيحية السريانية، أو تعرّبوا، أو فقدوا هويتهم المستقلة نتيجة الزواج والاندماج والهجرة. ومن الأمثلة التاريخية المعروفة الأمير الكردي ابن الضحاك الذي اعتنق المسيحية الأرثوذكسية في القرن العاشر، وهو مثال يكفي لإثبات أنّ التحوّل الديني بين الجماعات الكردية لم يكن أمرًا مستحيلًا أو نادرًا إلى درجة تجعل وجود مسيحيين أكراد أمرًا غير معقول. "مادة تاريخية عن المسيحيين الأكراد" (https://reference-url-citation.invalid/15) لكنّ السؤال «أين اختفى المسيحيون الأكراد؟» يحتاج إلى جواب اجتماعي أكثر منه جوابًا جغرافيًّا. لم يختفوا بالضّرورة في حدث واحد، وإنّما ذاب بعضُهم عبر عمليات متدرجة: الإسلام، والتعرّب، والتسرين، والزواج المختلط، والهجرة، والاندماج القبلي، وفقدان المؤسسات الخاصة. ولذلك فإنّ اختفاء الاسم الجماعي لا يعني بالضرورة اختفاء النسب البيولوجي. وهذه قاعدة مهمّة جدًّا عند دراسة المحلمية أيضًا: قد تختفي جماعة بوصفها اسمًا مستقلًّا، ثم تبقى عناصر من سكانها داخل جماعة أخرى. ولهذا جاءت دراسة Laurenz W. Kern، Kurden, Araber, Scheinlibanesen: Die vielschichtige Ethnizität der Mḥallami، المنشورة سنة 2015، ذات أهمية خاصة، لأنّها تتعامل مع المحلمية بوصفهم جماعة ذات إثنية متعدّدة الطبقات، لا ككيان يمكن اختزاله بسهولة في تصنيف واحد. "Kern، Die vielschichtige Ethnizität der Mḥallami" (https://reference-url-citation.invalid/16) كما أنّ دراسة Halit Yeşilmen حول بناء هُوِيّة المحلمية في العصر الحديث مفيدة في فهم أنّ الهُوِيُة ليست دائمًا شيئًا ثابتًا، بل تتأثّر بالتحوّلات السياسية والاجتماعية وبطريقة تعريف الجماعة لنفسها في كلّ عصر. وهذا لا يعني أنّ العروبة المحلمية الحديثة "مختلقة"، وإنّما يعني أنّ العروبة نفسها يمكن أن تكون قد اكتسبت عبر الزمن عناصر جديدة فوق عناصر أقدم. "Yeşilmen، دراسة بناء هوية المحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/17) ومن هنا، إذا أردنا أن نفهم أسلمة المحلمية، فلا أرى أنّه من الصواب أن نبحث عن سنة واحدة أو حدث واحد نقول بعده "هنا أصبحوا مسلمين". التحوّل الديني في هذه المنطقة كان في الغالب عملية طويلة. قد تكون الجزية عاملًا، وقد تكون الظروف السياسية عاملًا، وقد تكون التحالفات القبلية والمصالح الاقتصادية والزواج والعلاقات الاجتماعية والصراعات الكنسية عوامل أخرى. ومن الخطأ أن نفسّر كلّ الحالات بالقسر، كما أنّه من الخطأ تفسيرها جميعًا باعتناق ديني فردي معزول عن الظروف الاجتماعية. وفي هذا السياق يجب ألّا ننسى أنّ المسيحية نفسها في المنطقة لم تكن كتلة واحدة. فقد وجدت الكنائس السريانية الأرثوذكسية والكنيسة السريانية الشرقية وغيرها، وكانت الصراعات اللاهوتية والسياسية بين الطوائف عاملًا في إعادة تشكيل المجتمع المحلي أحيانًا. ولذلك فإنّ دراسة انتقال جماعة من المسيحية إلى الإسلام يجب أن تأخذ في الاعتبار أيضًا الوضع الداخلي للجماعات المسيحية نفسها. أمّا محلما وطور عابدين، فقد كانا جزءًا من مركز سرياني بالغ الأهمية، ولا تزال آثار ذلك حاضرة في الجغرافيا والكنائس والنقوش والذاكرة المحلية. لكنّ وجود هذا المركز السرياني لا يعني أنّ كلّ مَن عاش فيه كان سريانيًّا من حيث الأصل، تمامًا كما أنّ وجود العرب في الجزيرة لا يعني أنّ كلّ سكّانها عرب. وهذه ربّما هي النقطة التي ينبغي أن نعود إليها دائمًا: المنطقة كانت مُختلطة قبل أن تكون هُوِيّاتها الحديثة مُختلطة. إنّنا عندما ننظر اليوم إلى ماردين أو آزخ أو طور عابدين نميل إلى إسقاط التقسيمات المعاصرة على الماضي، فنفترض أنّ هناك "عربًا" و"سريانًا" و"أكرادًا" كما لو كانت هذه الجماعات تعيش دائمًا بحدود صلبة. لكنّ التاريخ أكثر تعقيدًا. كان من المُمكن أن يكون الإنسان من قبيلة عربية، ويتبع كنيسة سريانية، ويتحدّث لهجة عربية محلية، ويعيش في قرية ذات طابع سرياني، ويحمل اسمًا آراميًّا أو عربيًّا، ثم تتغير بعض هذه العناصر لدى أبنائه وأحفاده. وهذا بالضّبط ما يجعل حالة آزخ مهمّة جدًّا. فهي تقول لنا إنّ الهُوِيّة الدينية والثقافية يمكن أن تستمرّ بعد تغيّر اللغة. وإذا كان هذا قد حدث عند مسيحيي آزخ، فلا يوجد سبب منهجي يمنع أن يكون شيء مشابه قد حدث لدى جماعات مسيحية أخرى في منطقة محلما، وإنْ كان علينا إثبات ذلك حالة بحالة. وفي المقابل، وجود بني تغلب والعرب المسيحيين في الجزيرة يجعل من الممكن أيضًا أن تكون بعض طبقات السكان العرب قد بقيت مسيحية زمنًا طويلًا، ثم دخلت في التحوّلات الدينية واللغوية التي شهدتها المنطقة. لذلك لا أستطيع أن أقول إنّ عربية آزخ جاءت من تكريت وحدها، ولا من الموصل وحدها، ولا من بني تغلب وحدهم. كما لا أستطيع أن أقول إنّ المحلمية كانوا سريانًا جميعًا ثم أسلموا، بحكم معرفتي واطلاعي العميق على لهجة آزخ أستطيع التأكيد بأنّها عربية قامت على انقراض سريانيّ بدليل ظواهر لغوية سريانية كثيرة في لهجة آزخ منها مثلًا البدء بساكن في كثير من الكلمات الآزخية بينما وكما نعلم فإنّه لا يجوز البدء بساكن في اللغة العربية في لهجة آزخ قْلْتُو بينما في العربية قُلتُ وكْتاب في كِتاب كْتابُو في كتابه وقْلام في أقلام وجْوَاف في جمع جَوف وزْعاف في ضِعاف وقْثار في قِصار وگْبَار في كِبَار إلخ... والأرجح، في تقديري، أنّ الصورة التاريخية كانت أكثر تركيبًا: سُكّان محليون سريان، وجماعات عربية قديمة، وربّما عناصر قبلية من ربيعة وغيرها، وأكراد، وجماعات أخرى، عاشت متجاورة واختلطت، ثم أعادت التحوّلات السياسية والدينية والاقتصادية واللغوية تشكيلها. ومن هذه الزاوية يُصبح التقارب بين لهجة المحلمية وعربية آزخ مفهومًا بصورة أفضل. فهما لا يحتاجان إلى "جدٍّ واحد" قريب حتى تتقاربا، وإنّما يكفي أن تكونا قد تطوّرتا داخل المجال اللغوي والجغرافي نفسه، مع تأثيرات عربية وسريانية مشتركة. ولهذا فإنّني أميل إلى صياغة النتيجة على النّحو التالي: المحلمية جماعة عربية اللسان اليوم، ولهجتهم جزء من العربية الميزوبوتامية الشمالية، ولا يوجد ما يبرّر إنكار عروبتهم الحديثة، لكنّ تاريخ تكوينهم السكاني لا يزال يَحتمل أكثر من طبقة، ومن المُمكن جدًّا أن تكون جماعات محلية سريانية قد دخلت في تكوينهم، خُصوصًا في ظلّ البيئة السريانية التاريخية لمنطقة محلما وطور عابدين. أمّا آزخ، فالصّورة مختلفة قليلًا: لدينا دليل لغوي مباشر على أنّ مُجتمعًا مسيحيًّا سريانيًّا كان عربيًّا في لغته اليومية، وأنّ عربية آزخ لهجة مستقلّة ومدروسة ضمن العربية الميزوبوتاميّة الشماليّة. ومن ثم فإنّ كون أهل آزخ سريانًا لا يتعارض إطلاقًا مع كونهم عرب اللسان. أمّا صلة ذلك ببني تغلب، فهي فرضية تستحقّ البحث ولا ينبغي رفضها، لكنّها لم تُثبت بما يكفي لكي تتحوّل إلى حقيقة تاريخيّة. ووجود بني تغلب في المنطقة وكونهم عربًا مسيحيين يجعلها مُمكنة، لا مؤكدة. وأمّا القول بأنّ لهجة آزخ من لهجة الموصل أو تكريت، فالأدقّ علميًّا وضعها ضمن منظومة أوسع من العربية الميزوبوتامية الشمالية، مع الاعتراف بوجود التأثيرات والصلات بين هذه المناطق. والتقارب بينها وبين لهجة المحلمية قوي بما يكفي للحديث عن قرب لهجي وجغرافي، لكنّه لا يكفي وحده لإثبات وحدة الأصل السكاني. أمّا السؤال الأوسع، "هل المحلمية سريان؟"، فأظنّ أنّ أفضل جواب علمي في الوقت الحاضر هو: ربّما كان في تكوينهم عنصر سريانيّ محليّ مهمّ، لكن لا نستطيع إثبات أنّ المحلمية جميعًا كانوا سريانًا ثم أسلموا، كما لا نستطيع إثبات أنّهم جميعًا ينحدرون من قبيلة عربية واحدة. والاحتمال الأكثر اتزانًا هو أنّ هُوِيّتهم التاريخيّة تشكّلت من طبقات مُتعدّدة، وأنّ العربية والإسلام أصبحا في مرحلة لاحقة عنصرين حاسمين في تعريف الجماعة. وفي النّهاية، فإنّني أعتقد أنّ أهمّ ما نستطيع فعله في هذا الموضوع هو تحرير البحث من الحاجة إلى "انتصار" رواية على أخرى. فليس الهدف أن نُثبت أنّ المحلمية سريان لكي ننفي عنهم العروبة، ولا أن نثبت أنّهم عرب لكي ننفي أثر البيئة السريانية. التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة. يمكن أن تكون الجماعة عربية اللسان اليوم، وقد يكون في تكوينها سكان محليون سريان، ويمكن أن تكون آزخ سريانيّة الهُوِيّة الكنسيّة والتاريخيّة وقد أصبحت عربية اللسان، ويمكن أن يكون العرب المسيحيون، مثل بني تغلب، جسرًا مُهمًّا لِفَهم انتشار العربية في الجزيرة. وإذا أردنا الوصول إلى جواب أكثر حَسمًا في المستقبل، فإنّ الطريق ليس في تكرار الروايات، وإنّما في جمعها ومقارنتها: المصادر السريانية القديمة، والمصادر العربية، والجغرافيا التاريخية، والنقوش، والسجلات الكنسية، والوثائق العثمانية، ودراسة أسماء القرى والعشائر، وعلم اللهجات، ثم الدراسات السكانية والجينية الحديثة إذا توفّرت عيّنات علميّة مُمثلة. وبهذا المعنى فإنّني لا أرى في جواب "لا نعرف على وجه اليقين" تراجعًا عن البحث، بل أراه أحيانًا أكثر نزاهة من تقديم فرضية على أنًها حقيقة. والذي يُمكننا قوله اليوم بثقة أكبر هو أنّ ماردين وطور عابدين وآزخ وفضاء الجزيرة العُليا كانت مناطق متعدّدة اللغات والأديان والسكان، وأنّ العربية والسريانية عاشتا فيهما جنبًا إلى جنب قرونًا طويلة، وأنّ التحوّل من السريانية إلى العربية حدث في بعض الجماعات دون أن يُصاحبه بالضرورة تحوّل فوري في الدين أو الهُوِيّة، وأنّ التحوّل من المسيحيّة إلى الإسلام كان بدوره عمليّة تاريخيّة طويلة. وفي هذا الإطار ينبغي أن نفهم المحلميّة وآزخ معًا، لا باعتبارهما لغزًا قوميًّا يحتاج إلى جواب ثُنائي، بل باعتبارهما مِثالين على التاريخ المعقّد لِتَشَكّل الجماعات في شمال بلاد الرافدين. ومن أهمّ المراجع التي ينبغي أن تبقى حاضرة في هذا النقاش: Hans-Jürgen Sasse، Linguistische Analyse des arabischen Dialekts der Mḥallamīye in der Provinz Mardin (Südosttürkei)، سنة 1971، وهو المرجع اللساني المتخصّص الأبرز في لهجة المحلمية. "Sasse، دراسة اللهجة العربية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/18) وOtto Jastrow، في أعماله عن لهجات ماردين وآزخ والمحلمية، ومنها Arabische Textproben aus Mardin und Āzəx وDie arabischen Dialekte des Vilayets Mardin (Südosttürkei) وDie mesopotamisch-arabischen Qəltu-Dialekte. "منشورات Jastrow" (https://reference-url-citation.invalid/19) "Jastrow، Qəltu-Dialekte" (https://reference-url-citation.invalid/20) وكذلك Michaela Wittrich، Der arabische Dialekt von Āzex، Harrassowitz، 2001، وهو المرجع الأهمّ في عربية آزخ. "Wittrich، Der arabische Dialekt von Āzex" (https://reference-url-citation.invalid/21) وGeorge Grigore، L'arabe parlé à Mardin: monographie d'un parler arabe «périphérique». "Grigore، العربية المَحكِيّة في ماردين" (https://reference-url-citation.invalid/22) وفي موضوع الإثنيّة المحلميّة، Laurenz W. Kern، «Kurden, Araber, Scheinlibanesen: Die vielschichtige Ethnizität der Mḥallami»، Wiener Zeitschrift für die Kunde des Morgenlandes 105، 2015، ص 189–202. "Kern، الإثنيّة متعددة الطبقات للمحلميّة" (https://reference-url-citation.invalid/23) وكذلك Halit Yeşilmen في دراساته حول بناء الهُوِيّة المحلميّة والتحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة. "Yeşilmen، دراسة هُوِيّة المحلميّة" (https://reference-url-citation.invalid/24) وفي أصل المحلميّة والرواية العربية القبلية، يمكن الرجوع إلى Abdülbaki Bozkurt، The Historical Roots of the Mhallami Arabs in Turkey as a Subject of Debate. "Bozkurt، الجذور التاريخية للمحلمية" (https://reference-url-citation.invalid/25) وفي الجغرافيا والتاريخ السرياني، تبقى قاعدة Syriaca.org من المصادر المفيدة جدًّا في تتبّع أسماء الأماكن، ومنها آزخ وطور عابدين. "Syriaca.org — آزخ" (https://reference-url-citation.invalid/26) "Syriaca.org — طور عابدين" (https://reference-url-citation.invalid/27) وفي النقوش السريانية والعربية في طور عابدين، Jacques Jarry وAndrew Palmer من المراجع المهمة. "Jarry، Inscriptions syriaques et arabes inédites du Ṭūr ʿAbdīn" (https://reference-url-citation.invalid/28) أمّا في مسألة بني تغلب والعرب المسيحيين في الجزيرة، فالدراسات التي تناولت وضع مسيحيي بني تغلب، ومنها La ṣadaqa des chrétiens des Banū Taġlib، تقدم إطارًا تاريخيًّا مهمًّا لفهم وجود العرب المسيحيين في هذه المنطقة. "دراسة عن مسيحيي بني تغلب" (https://reference-url-citation.invalid/29) وفي المحصّلة، ربّما يكون أجمل ما يمكن أن نخرج به من هذه المسألة هو أنّ تاريخ هذه المنطقة لا يحتاج إلى أن نختار بين "عرب" و"سريان" بقدر ما يحتاج إلى أن نفهم كيف أصبح العرب والسريان والأكراد وغيرهم جزءًا من تاريخ واحد، وكيف استطاعت اللغة أن تعبر الحدود التي لم تكن موجودة أصلًا بالصورة التي نعرفها اليوم. فآزخ تعلّمنا أنّ السرياني يمكن أن يكون عربيًّا في لغته، وبنو تغلب يعلّموننا أنّ العربي يُمكن أن يكون مسيحيًّا، وتاريخ طور عابدين يعلّمنا أنُ السريانية يمكن أن تبقى حية قرونًا طويلة وسط بيئة متعددة اللغات، وتاريخ المحلمية يعلّمنا أنّ جماعة يمكن أن تحمل هوية عربية واضحة اليوم مع بقاء السؤال العلمي مفتوحًا حول الطبقات السكانية التي ساهمت في تكوينها. وهذا، في رأيي، ليس تناقضًا في تاريخ المنطقة، بل هو تاريخ المنطقة نفسه. مع خالص الاحترام والتقدير. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|