صَمُودُ الـمَعْدَنِ فِي وَجْهِ أَتُونِ الأَلَمِ بقلم: الباحث فؤاد زاديكي المقالة رق
صَمُودُ الـمَعْدَنِ فِي وَجْهِ أَتُونِ الأَلَمِ
بقلم: الباحث فؤاد زاديكي
المقالة رقم (١٠)
عِنْدَمَا تَشْتَدُّ وَطْأَةُ الأَلَمِ، وَيَبْدَأُ نَخْرُهُ العَمِيقُ فِي عِظَامِ النَّفْسِ لِيُثْقِلَ عَلَيْهَا الوَقْعَ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، حِينَئِذٍ يَنْبَغِي عَلَى الرُّوحِ البَشَرِيَّةِ أَنْ تُبْدِيَ أَقْصَى قَدَرٍ مِنَ الصَّبْرِ وَالتَّحَمُّلِ، وَأَنْ يَتَكَافَأَ العَقْلُ وَالفِكْرُ كَفَرِيقٍ مُتَجَانِسٍ لِاسْتِعَادَةِ سَكِينَتِهَا وَاسْتِقْرَارِهَا.
تَعْتَرِضُ الإِنْسَانَ فِي مَسِيرَتِهِ الظَّعِينَةِ لَحَظَاتٌ يَقْسُو فِيهَا الزَّمَنُ، وَتَتَكَاثَفُ عُصُوفُ الرَّزَايَا حَتَّى لَتَكَادُ النَّفْسُ أَنْ تَنُوءَ بِمَا حُمِّلَتْ. فِي تِلْكَ الآوِنَةِ الحَرِجَةِ، حِينَمَا يَتَسَلَّلُ الوَجَعُ إِلَى الأَعْمَاقِ، مُمَارِسًا نَخْرَهُ الدَّؤُوبَ فِي أَرْكَانِ الرُّوحِ وَعِظَامِهَا، يَقْدَحُ الخَطْبُ شَرَرَهُ لِيَخْتَبِرَ صَلابَةَ المَعْدَنِ الإِنْسَانِيِّ وَمَدَى قُدْرَتِهِ عَلَى الصُّمُودِ.
إِنَّ اسْتِمْرَارِيَّةَ الأَلَمِ دُونَ رَادِعٍ مِنَ الوَعْيِ وَالحِكْمَةِ قَدْ تُفْضِي إِلَى عَوَاقِبَ وَخِيمَةٍ، تَسْتَنِزِفُ الطَّاقَاتِ وَتَكْسِرُ جَنَاحَ العَزِيمَةِ. فَإِذَا مَا اسْتَسْلَمَ المَرْءُ لِلَظَاهُ، انْتَهَى بِهِ المَطَافُ إِلَى قُصُورٍ فِي النَّفْسِ، وَعَجْزٍ فِي الفِكْرِ، وَشَلَلٍ يُصِيبُ الإِرَادَةَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. وَحِينَهَا، لا يَبْقَى لِلْمَرْءِ مَلاذٌ يَحْمِيهِ مِنْ ضَيَاعٍ مُحَقَّقٍ، إِذْ تُصْبِحُ العَاقِبَةُ ثَقِيلَةَ الوَطْأَةِ، مُظْلِمَةَ الآفَاقِ.
مِنْ هُنَا، تَكْمُنُ الضَّرُورَةُ المَلِحَّةُ فِي اسْتِنْهَاضِ القُوَى الدَّاخِلِيَّةِ. يَتَوَجَّبُ عَلَى العَقْلِ وَالفِكْرِ أَنْ يَتَكَافَآ كَفَرِيقٍ مُتَآزِرٍ مُتَكَامِلٍ، يُدِيرَانِ المَعْرَكَةَ بِحِكْمَةٍ وَرَوِيَّةٍ، يُطْفِئَانِ ثَوْرَةَ القَلَقِ، وَيَسْتَرِدَّانِ جُزْءًا مِنَ الهُدُوءِ المَفْقُودِ وَالاسْتِقْرَارِ المَرْجُوِّ. فَالعَقْلُ هُوَ البُوصَلَةُ الَّتِي تُوَجِّهُ السَّفِينَةَ وَسَطَ الأَمْوَاجِ العَاتِيَةِ، وَالفِكْرُ هُوَ المِشْعَلُ الَّذِي يُنِيرُ دَهَارِيزَ الظَّلامِ.
إِنَّ التَّغَلُّبَ عَلَى هَذِهِ المَحَاقِنِ الصَّعْبَةِ لا يَتَأَتَّى إِلا بِدِرْعٍ حَصِينٍ يَتَكَوَّنُ مِنْ ثَلاثَةِ أَرْكَانٍ: الصَّبْرِ الجَمِيلِ الَّذِي يَسْتَعْذِبُ المَشَقَّةَ فِي سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَالإِصْرَارِ الصَّلْبِ الَّذِي لا يَعْرِفُ المَهَانَةَ، وَرُوحِ المُقَاوَمَةِ المَقْرُونَةِ بِالوَعْيِ العَمِيقِ. بِهَذِهِ الأَسْلِحَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الرَّفِيعَةِ، يَسْتَطِيعُ المَرْءُ أَنْ يَتَجَاوَزَ أَعْتَى المِحَنِ، وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ أَتُونِ الشَّدَائِدِ أَكْثَرَ صَلابَةً وَأَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى مُوَاجَهَةِ مَا تُخْبِئُهُ الأَيَّامُ مِنْ تَقَلُّبَاتٍ وَشَدَائِدَ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|