![]() |
Arabic keyboard |
|
|||||||
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
المَبَادِئُ... بُوصْلَةُ الإِنْسَانِ وَكَرَامَةُ الحَيَاةِ
بِقَلَمِ الشَّاعِرِ: فُؤَاد زَادِيكِي لَيْسَ الإِنْسَانُ بِمَا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ، وَلَا بِمَا يَبْلُغُ مِنْ جَاهٍ، وَلَا بِمَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ مِنْ شُهْرَةٍ وَمَكَانَةٍ، فَكَمْ مِنْ غَنِيٍّ لَمْ يَمْلِكْ فِي دَاخِلِهِ إِلَّا فَرَاغًا، وَكَمْ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ كَانَ عَبْدًا لِرَغَبَاتِهِ، وَكَمْ مِنْ مَشْهُورٍ لَمْ يَعْرِفْ فِي مَرْآةِ نَفْسِهِ مَنْ يَكُونُ. إِنَّمَا قِيمَةُ المَرْءِ فِي ذَلِكَ النُّورِ الدَّاخِلِيِّ الَّذِي يَهْدِيهِ حِينَ تَتَشَابَهُ الطُّرُقُ، وَيَثْبُتُهُ حِينَ تَهْتَزُّ الخُطُوَاتُ، وَيَقُولُ لَهُ: «هَذَا طَرِيقُكَ، فَلَا تَحِدْ عَنْهُ، وَهَذِهِ قِيمَتُكَ، فَلَا تَبِعْهَا وَلَوْ بِكُلِّ مَا فِي الدُّنْيَا». ذَلِكَ النُّورُ هُوَ المَبْدَأُ. فَجَمِيلٌ أَنْ يَكُونَ لِلإِنْسَانِ مَبْدَأٌ يَسْتَنِيرُ بِهِ، وَالأَجْمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَبْدَأُ أَقْوَى مِنْ مَغْرِيَاتِ الطَّرِيقِ، وَأَصْلَبَ مِنْ رِيَاحِ المَصَالِحِ، وَأَبْقَى مِنْ تَقَلُّبِ الأَيَّامِ. فَالمَبَادِئُ لَيْسَتْ كَلِمَاتٍ نَكْتُبُهَا عَلَى الوَرَقِ، ثُمَّ نَنْسَاهَا عِنْدَ أَوَّلِ اِخْتِبَارٍ، وَلَا شِعَارَاتٍ نَرْفَعُهَا أَمَامَ النَّاسِ لِنَظْهَرَ بِمَظْهَرِ الصَّالِحِينَ، إِنَّهَا اِمْتِحَانٌ يَبْدَأُ حِينَ تَتَعَارَضُ القِيمَةُ مَعَ المَصْلَحَةِ، وَحِينَ يَكُونُ الصِّدْقُ مُكْلِفًا، وَالأَمَانَةُ ثَقِيلَةً، وَالوَفَاءُ مُرْهِقًا، وَالتَّنَازُلُ عَنْ المَبْدَإِ هُوَ الطَّرِيقَ الأَقْصَرَ إِلَى الرَّاحَةِ. هُنَا، فَقَطْ، يَظْهَرُ مَعْدِنُ الإِنْسَانِ. إِنَّ المَبَادِئَ هِيَ الَّتِي تَصْنَعُ لِلإِنْسَانِ شَخْصِيَّتَهُ، وَتَمْنَحُهُ مَعْنًى لِوُجُودِهِ، وَتَجْعَلُ لِخُطَاهُ وَجْهَةً وَغَايَةً. فَمَنْ لَا مَبْدَأَ لَهُ قَدْ يَمْشِي كَثِيرًا، لَكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ، وَقَدْ يَبْلُغُ أَمَاكِنَ كَثِيرَةً، لَكِنَّهُ لَا يَبْلُغُ نَفْسَهُ. أَمَّا مَنْ يَمْلِكُ مَبَادِئَ رَاسِخَةً، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَعَثَّرُ، وَقَدْ يَتَأَخَّرُ، وَقَدْ يَخْسَرُ فِي بَعْضِ مَرَاحِلِ الطَّرِيقِ، وَلَكِنَّهُ يَبْقَى عَارِفًا إِلَى أَيْنَ يَتَّجِهُ، وَلِمَاذَا يَسِيرُ. وَلَيْسَ أَخْطَرَ عَلَى الإِنْسَانِ مِنْ أَنْ يَفْقِدَ هَذِهِ البُوصْلَةَ. فَحِينَ يَغِيبُ المَبْدَأُ، تُصْبِحُ الرَّغْبَةُ قَانُونًا، وَالمَصْلَحَةُ مِيزَانًا، وَالمَنْفَعَةُ حَقًّا، وَالقُوَّةُ مِعْيَارًا لِلصَّوَابِ. وَيَبْدَأُ المَرْءُ فِي تَبْدِيلِ مَوَاقِفِهِ كَمَا يُبَدِّلُ مَلَابِسَهُ؛ يَكُونُ مَعَ الحَقِّ حِينَ يَكُونُ الحَقُّ مُفِيدًا لَهُ، وَيُدَافِعُ عَنْ العَدْلِ حِينَ لَا يَكُونُ فِي العَدْلِ خَسَارَةٌ لِمَصْلَحَتِهِ، وَيَتَحَدَّثُ عَنِ الوَفَاءِ مَا دَامَ الوَفَاءُ لَا يُكَلِّفُهُ شَيْئًا. فَإِذَا جَاءَ الاِخْتِبَارُ الحَقِيقِيُّ، تَغَيَّرَتِ المَوَازِينُ، وَتَرَاجَعَتِ الشِّعَارَاتُ، وَظَهَرَتِ الحَقِيقَةُ. وَمَا أَسْهَلَ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ صَاحِبَ مَبَادِئَ فِي أَيَّامِ الرَّخَاءِ، وَمَا أَصْعَبَ أَنْ يَبْقَى وَفِيًّا لَهَا فِي أَيَّامِ الشِّدَّةِ! ففِي الرَّخَاءِ، يَسْهُلُ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ: «أَنَا مَعَ الحَقِّ»، لِأَنَّكَ لَا تَدْفَعُ ثَمَنًا لِهَذَا المَوْقِفِ. وَيَسْهُلُ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ: «أَنَا أُحِبُّ الصِّدْقَ»، مَا دُمْتَ لَا تَقِفُ أَمَامَ حَقِيقَةٍ تُهَدِّدُ مَكَانَتَكَ. وَيَسْهُلُ عَلَيْكَ أَنْ تَقُولَ: «لَنْ أَخُونَ»، مَا دُمْتَ لَا تَجِدُ فِي الخِيَانَةِ مَنْفَعَةً تَسْتَهْوِيكَ. لَكِنَّ المَبْدَأَ الحَقِيقِيَّ لَا يُعْرَفُ فِي سَاعَاتِ السَّهْلِ، بَلْ فِي سَاعَاتِ الاِمْتِحَانِ، حِينَ تَكُونُ قَادِرًا عَلَى الكَذِبِ وَلَكِنَّكَ تَخْتَارُ الصِّدْقَ، وَقَادِرًا عَلَى الظُّلْمِ وَلَكِنَّكَ تَخْتَارُ العَدْلَ، وَقَادِرًا عَلَى الاِنْتِقَامِ وَلَكِنَّكَ تَخْتَارُ التَّرَفُّعَ، وَقَادِرًا عَلَى التَّخَلِّي عَمَّنْ وَقَفَ مَعَكَ فِي أَيَّامِ ضَعْفِكَ وَلَكِنَّكَ تَخْتَارُ الوَفَاءَ. هُنَا يَكْبُرُ الإِنْسَانُ فِي عَيْنِ نَفْسِهِ، وَإِنْ صَغُرَ فِي أَعْيُنِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ مِنَ الحَيَاةِ إِلَّا مَا يَجْلِبُ لَهُمْ مَكْسَبًا عَاجِلًا. وَالمَبَادِئُ لَا تَجْعَلُ صَاحِبَهَا مَعْصُومًا مِنَ الخَطَأِ، فَالإِنْسَانُ ضَعِيفٌ، وَالنَّفْسُ تَتَقَلَّبُ، وَالحَيَاةُ تَضَعُ أَمَامَنَا مَا لَا نَتَوَقَّعُهُ. وَلَكِنَّ المَبْدَأَ يَمْنَحُنَا شَيْئًا أَثْمَنَ مِنَ العِصْمَةِ: يَمْنَحُنَا القُدْرَةَ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَى الطَّرِيقِ. قَدْ نَخْطِئُ، لَكِنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّ الخَطَأَ لَيْسَ وَطَنَنَا. قَدْ نَسْقُطُ، لَكِنَّنَا نَعْرِفُ أَنَّ السُّقُوطَ لَيْسَ نِهَايَتَنَا. قَدْ نَضْعُفُ، لَكِنَّ فِي دَاخِلِنَا صَوْتًا يَقُولُ: «قُمْ، فَأَنْتَ لَسْتَ مَا فَعَلْتَهُ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ، أَنْتَ مَا تُصِرُّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ تَعْرِفَ الصَّوَابَ». وَمِنْ أَجْمَلِ مَا تَصْنَعُهُ المَبَادِئُ فِي حَيَاةِ المَرْءِ أَنَّهَا تَحْفَظُ لَهُ احْتِرَامَهُ لِنَفْسِهِ. فَالثَّرْوَةُ قَدْ تَذْهَبُ، وَالمَنْصِبُ قَدْ يَزُولُ، وَالصُّوَرُ وَالأَلْقَابُ قَدْ تَبْلَى، وَتَصْفِيقُ الجَمَاهِيرِ قَدْ يَنْقَلِبُ صَمْتًا، أَمَّا ذَلِكَ الإِحْسَاسُ العَمِيقُ بِأَنَّكَ لَمْ تَبِعْ نَفْسَكَ فِي سُوقِ المَصَالِحِ، وَلَمْ تَخُنْ قِيمَكَ مِنْ أَجْلِ مَكْسَبٍ، وَلَمْ تَتَنَازَلْ عَنْ كَرَامَتِكَ لِتَكْسِبَ رِضَا عَابِرٍ، فَذَلِكَ كَنْزٌ لَا يُقَدَّرُ بِمِيزَانِ الدُّنْيَا. إِنَّ أَقْسَى خَسَارَةٍ لَيْسَتْ أَنْ تَفْقِدَ شَيْئًا مِنْ خَارِجِكَ، بَلْ أَنْ تَفْقِدَ شَيْئًا مِنْ دَاخِلِكَ، أَنْ تَخْسَرَ ثِقَتَكَ بِنَفْسِكَ، وَأَنْ تَنْظُرَ إِلَى وَجْهِكَ فِي المِرْآةِ فَلَا تَعْرِفُ مَنْ أَمَامَكَ. وَكَمْ مِنْ أُنَاسٍ رَبِحُوا صَفْقَاتٍ، وَخَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، وَكَمْ مِنْهُمْ جَمَعُوا المَالَ، وَبَدَّدُوا كَرَامَتَهُمْ، وَكَمْ مِنْهُمْ صَعِدُوا سُلَّمَ المَجْدِ، وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى القِمَّةِ اِكْتَشَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا مَعَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَوَاتِهِمْ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ المَبَادِئَ لَيْسَتْ عِبْئًا عَلَى الحَيَاةِ، كَمَا يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ هِيَ، الَّتِي تُعْطِي الحَيَاةَ مَعْنَاهَا. فَمَا قِيمَةُ النَّجَاحِ إِذَا جَاءَ عَلَى حِسَابِ الأَمَانَةِ؟ وَمَا قِيمَةُ الوُصُولِ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ مَعْبَّدًا بِظُلْمِ الآخَرِينَ؟ وَمَا قِيمَةُ أَنْ يَهْتِفَ لَكَ النَّاسُ، إِذَا كَانَ صَوْتُ ضَمِيرِكَ فِي دَاخِلِكَ يَهْتِفُ ضِدَّكَ؟ إِنَّ النَّجَاحَ الحَقِيقِيَّ هُوَ أَنْ تَصِلَ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ نَفْسَكَ، وَأَنْ تَرْبَحَ دُونَ أَنْ تَسْرِقَ حَقَّ غَيْرِكَ، وَأَنْ تَكْبُرَ دُونَ أَنْ تُصَغِّرَ مَنْ حَوْلَكَ، وَأَنْ تَقْتَرِبَ مِنَ القِمَّةِ دُونَ أَنْ تَدُوسَ عَلَى أَحْلَامِ الآخَرِينَ. وَلِلْمَبَادِئِ أَيْضًا دَوْرٌ عَظِيمٌ فِي بِنَاءِ المُجْتَمَعَاتِ، فَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَحْتَرِمُ العَدْلَ لَا يَخَافُ فِيهِ الضَّعِيفُ مِنَ القَوِيِّ، وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَحْتَرِمُ الأَمَانَةَ تَزْدَهِرُ فِيهِ الثِّقَةُ، وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يُقَدِّسُ حُرْمَةَ الإِنْسَانِ لَا تَكُونُ فِيهِ الكَرَامَةُ اِمْتِيَازًا لِفِئَةٍ دُونَ أُخْرَى. إِنَّ المَبْدَأَ الَّذِي يَسْكُنُ فِي قَلْبِ فَرْدٍ قَدْ يَكُونُ شُعَاعًا صَغِيرًا، وَلَكِنَّ المَبَادِئَ، الَّتِي تَسْكُنُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ قَدْ تُنِيرُ وَطَنًا كَامِلًا. وَالأُمَمُ لَا تَبْنِي مُسْتَقْبَلَهَا بِالحَجَرِ وَالحَدِيدِ وَحْدَهُمَا، بَلْ تَبْنِيهِ بِالثِّقَةِ، وَالعَدْلِ، وَالمَسْؤُولِيَّةِ، وَاحْتِرَامِ الإِنْسَانِ، وَالإِخْلَاصِ لِلعَمَلِ، وَالشُّعُورِ بِأَنَّ المَصْلَحَةَ العَامَّةَ لَيْسَتْ سُلَّمًا لِصُعُودِ الأَفْرَادِ، بَلْ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الجَمِيعِ. وَمَا أَحْوَجَنَا، فِي زَمَنٍ تَتَغَيَّرُ فِيهِ المَوَازِينُ بِسُرْعَةٍ، إِلَى أُنَاسٍ يَعْرِفُونَ مَتَى يَقُولُونَ «نَعَمْ»، وَمَتَى يَقُولُونَ «لَا». فَلَيْسَتِ الشَّجَاعَةُ أَنْ تَقُولَ مَا يُرِيدُ الآخَرُونَ سَمَاعَهُ، بَلْ أَنْ تَقُولَ مَا تُؤْمِنُ أَنَّهُ حَقٌّ، حَتَّى إِذَا كَانَ صَوْتُكَ وَحِيدًا. فَكَمْ مِنْ صَوْتٍ وَحِيدٍ أَشْعَلَ فِكْرَةً، وَكَمْ مِنْ مَوْقِفٍ صَامِتٍ غَيَّرَ تَارِيخًا، وَكَمْ مِنْ إِنْسَانٍ رَفَضَ أَنْ يَنْحَنِيَ أَمَامَ الخَوْفِ، فَأَصْبَحَ ثَبَاتُهُ دَرْسًا لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ. وَلَيْسَ الدِّفَاعُ عَنِ المَبْدَإِ دَائِمًا صُرَاخًا، وَلَا مُوَاجَهَةً، وَلَا صِدَامًا. أَحْيَانًا يَكُونُ الدِّفَاعُ عَنْ المَبْدَإِ أَنْ تَصْمُتَ حِينَ يَكُونُ الكَلَامُ خِيَانَةً، وَأَنْ تَرْفُضَ حِينَ يَكُونُ القَبُولُ إِذْلَالًا، وَأَنْ تَنْسَحِبَ حِينَ يَكُونُ البَقَاءُ تَنَازُلًا عَنْ كَرَامَتِكَ، وَأَنْ تَمْدُدَ يَدَكَ لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ حِينَ يَكُونُ العَفْوُ أَرْقَى مِنَ الاِنْتِقَامِ. فَالمَبْدَأُ لَيْسَ جُمُودًا، وَلَا عِنَادًا، وَلَا تَشَبُّثًا أَعْمَى بِكُلِّ مَا نَعْتَقِدُهُ. فَالإِنْسَانُ النَّاضِجُ يَعْرِفُ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالقِيمَةِ لَا يَعْنِي رَفْضَ التَّعَلُّمِ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى المَبْدَإِ لَا يَعْنِي العِنَادَ فِي الرَّأْيِ. فَقَدْ نُغَيِّرُ آراءَنَا حِينَ نَكْتَشِفُ أَنَّهَا كَانَتْ خَاطِئَةً، وَلَكِنَّنَا لَا نُغَيِّرُ قِيَمَنَا كُلَّمَا تَغَيَّرَتْ مَصْلَحَتُنَا. وَهُنَا يَكْمُنُ الفَرْقُ بَيْنَ الإِنْسَانِ الَّذِي يَتَطَوَّرُ، وَالإِنْسَانِ الَّذِي يَتَلَوَّنُ. الأَوَّلُ يَنْضُجُ، أَمَّا الثَّانِي فَيَتَبَدَّلُ. الأَوَّلُ يُصَحِّحُ خُطَاهُ، أَمَّا الثَّانِي فَيُبَرِّرُهَا. الأَوَّلُ يَسْأَلُ نَفْسَهُ: «هَلْ أَنَا عَلَى الحَقِّ؟»، أَمَّا الثَّانِي فَيَسْأَلُ: «مَاذَا سَأَسْتَفِيدُ؟». وَإِذَا كَانَ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا وَأَنْ يَكُونَ صَادِقًا مَعَ نَفْسِهِ، فَلْيَخْتَرِ الصِّدْقَ، فَالمَحَبَّةُ الَّتِي تُبْنَى عَلَى التَّنَازُلِ عَنْ الذَّاتِ لَيْسَتْ مَحَبَّةً، وَالقَبُولُ الَّذِي يَشْتَرِطُ مِنْكَ أَنْ تَخُونَ قِيَمَكَ لَيْسَ قَبُولًا، وَالصُّحْبَةُ الَّتِي تَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ مَبَادِئِكَ لَيْسَتْ صُحْبَةً، مَهْمَا كَانَتْ أَسْمَاؤُهَا وَمَظَاهِرُهَا. فَلَا تَخَفْ مِنْ أَنْ تَكُونَ وَحِيدًا لِفَتْرَةٍ، إِذَا كَانَ ثَمَنُ الِانْضِمَامِ إِلَى الجَمَاعَةِ أَنْ تَخْسَرَ نَفْسَكَ. فَالوَحْدَةُ مَعَ الكَرَامَةِ أَكْرَمُ مِنْ زَحَامٍ تُدَاسُ فِيهِ الرُّوحُ، وَالعُزْلَةُ مَعَ الصِّدْقِ أَرْحَبُ مِنْ صُحْبَةٍ تُجْبِرُكَ عَلَى أَنْ تَكُونَ شَخْصًا لَسْتَ إِيَّاهُ. وَلْيَكُنْ مَبْدَؤُكَ أَوَّلًا فِي عِلَاقَتِكَ بِنَفْسِكَ، فَلَا تَكْذِبْ عَلَيْهَا، وَلَا تَسْتَصْغِرْهَا، وَلَا تَسْتَبْدِلْ حَقِيقَتَهَا بِصُورَةٍ تُرْضِي الآخَرِينَ. ثُمَّ لْيَكُنْ فِي عِلَاقَتِكَ بِالنَّاسِ، فَاحْفَظْ كَرَامَتَهُمْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ تُحْفَظَ كَرَامَتُكَ، وَأَعْطِ كُلَّ إِنْسَانٍ حَقَّهُ، وَلَا تَجْعَلْ قُوَّتَكَ سَبَبًا لِضَعْفِ غَيْرِكَ. وَلْيَكُنْ فِي عَمَلِكَ، فَأَدِّهِ بِإِخْلَاصٍ، حَتَّى حِينَ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ. فَالقِيمَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلأَمَانَةِ أَنْ تَبْقَى أَمِينًا حِينَ تَكُونُ قَادِرًا عَلَى الخِيَانَةِ دُونَ أَنْ يَكْتَشِفَكَ أَحَدٌ. وَلْيَكُنْ فِي مَوَاقِفِكَ، فَلَا تَبِعْ مَوْقِفًا بِتَصْفِيقٍ، وَلَا تَشْتَرِ رِضًا بِتَنَازُلٍ، وَلَا تَجْعَلْ لِكُلِّ مَجْلِسٍ وَجْهًا، وَلِكُلِّ مَصْلَحَةٍ مَبْدَأً، وَلِكُلِّ قَوِيٍّ حَقًّا. إِنَّ الحَيَاةَ سَتَضَعُنَا جَمِيعًا أَمَامَ أَبْوَابٍ مُغْرِيَةٍ، وَسَتَقُولُ لَنَا أَحْيَانًا: «اتْرُكُوا مَا تُؤْمِنُونَ بِهِ، وَخُذُوا مَا أَعْرِضُهُ عَلَيْكُمْ». وَسَتُرِينَا طُرُقًا قَصِيرَةً إِلَى مَا نَشْتَهِي، وَلَكِنَّ بَعْضَ الطُّرُقِ القَصِيرَةِ تَقُودُ إِلَى نِهَايَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ النَّدَمِ. فَلَا تَسْتَعْجِلِ الوُصُولَ إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ سَيَسْرِقُ مِنْكَ نَفْسَكَ. وَلَا تَحْزَنْ إِذَا تَأَخَّرَتْ خُطْوَاتُكَ، مَا دُمْتَ تَمْشِي فِي الاِتِّجَاهِ الصَّحِيحِ. فَلَيْسَ المُهِمُّ أَنْ تَصِلَ أَوَّلًا، بَلْ أَنْ تَصِلَ وَأَنْتَ مَا زِلْتَ أَنْتَ. وَلَيْسَ المُهِمُّ أَنْ يَرَاكَ النَّاسُ كَبِيرًا، بَلْ أَنْ تَبْقَى كَبِيرًا فِي عَيْنِ ضَمِيرِكَ. وَلَيْسَ المُهِمُّ أَنْ تَرْبَحَ كُلَّ مَعْرَكَةٍ، بَلْ أَنْ لَا تَخْسَرَ المَعْرَكَةَ الأَهَمَّ: مَعْرَكَتَكَ مَعَ نَفْسِكَ. وَفِي نِهَايَةِ المَطَافِ، سَنَكْتَشِفُ أَنَّ الأَيَّامَ لَمْ تَكُنْ تَسْأَلُنَا كَمْ مَالًا جَمَعْنَا، وَلَا كَمْ قَصْرًا بَنَيْنَا، وَلَا كَمْ شَخْصًا أَعْجَبْنَا، بَلْ كَمْ مَرَّةً كُنَّا أَوْفِيَاءَ لِمَا آمَنَّا بِهِ، وَكَمْ مَرَّةً اِنْتَصَرْنَا لِلخَيْرِ وَنَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى اِخْتِيَارِ الشَّرِّ، وَكَمْ مَرَّةً حَفِظْنَا لِقُلُوبِنَا نَقَاءَهَا فِي زَمَنٍ كَانَ فِيهِ التَّلَوُّثُ أَسْهَلَ مِنَ النَّقَاءِ. فَكُنْ صَاحِبَ مَبْدَإٍ، لَا صَاحِبَ مَصْلَحَةٍ فَقَطْ. وَكُنْ ثَابِتًا، لَا مُتَحَجِّرًا. وَكُنْ مُرِنًا، لَا مُتَلَوِّنًا. وَكُنْ شُجَاعًا، لَا مُتَهَوِّرًا. وَاعْرِفْ أَنَّ المَبْدَأَ لَا يَجْعَلُ طَرِيقَكَ أَسْهَلَ، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ خُطْوَاتِكَ أَوْضَحَ، وَأَنَّ الوَفَاءَ لِلْقِيَمِ قَدْ يَجْعَلُكَ تَخْسَرُ أَشْيَاءَ عَابِرَةً، لَكِنَّهُ يَمْنَحُكَ أَشْيَاءَ لَا تَزُولُ. وَإِذَا كَانَ لِلإِنْسَانِ أَنْ يَتْرُكَ خَلْفَهُ أَثَرًا، فَلْيَكُنْ أَثَرُهُ مَوْقِفًا جَمِيلًا، وَكَلِمَةً صَادِقَةً، وَيَدًا أَمِينَةً، وَقَلْبًا لَمْ يَبِعْ نَبْضَهُ لِمَنْ يَدْفَعُ أَكْثَرَ. فَالدُّنْيَا سَتَمْضِي، وَالأَسْمَاءُ سَتَتَرَاجَعُ فِي ذَاكِرَةِ الزَّمَنِ، وَالأَجْسَادُ سَتَعُودُ إِلَى التُّرَابِ، وَسَيَبْقَى مِنَ الإِنْسَانِ مَا زَرَعَهُ فِي قُلُوبِ الآخَرِينَ، وَمَا حَفِظَهُ مِنْ كَرَامَةِ نَفْسِهِ، وَمَا أَضَاءَهُ فِي الطَّرِيقِ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ. فَإِذَا اِخْتَرْتَ مَبْدَأً، فَاعْرِفْ أَنَّكَ لَمْ تَخْتَرْ كَلِمَةً فَقَطْ، بَلْ اِخْتَرْتَ طَرِيقًا. وَإِذَا دَافَعْتَ عَنْهُ، فَلَا تَكُنْ مُدَافِعًا عَنْ حَرْفٍ، بَلْ كُنْ مُدَافِعًا عَنْ قِيمَةٍ تُؤْمِنُ أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَبْقَى. وَإِذَا كَلَّفَكَ المَبْدَأُ شَيْئًا، فَلَا تَنْدَمْ؛ فَبَعْضُ الأَشْيَاءِ لَا تُقَاسُ بِمَا نَخْسَرُهُ مِنْ أَجْلِهَا، بَلْ بِمَا نَبْقَى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ نَخْسَرَ. وَلْتَكُنْ قَاعِدَتُكَ فِي الحَيَاةِ: أَنْ تَخْسَرَ شَيْئًا وَأَنْتَ وَاقِفٌ عَلَى قَدَمَيْكَ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تَرْبَحَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ قَدْ فَقَدْتَ نَفْسَكَ. فَمَنْ كَانَ لَهُ مَبْدَأٌ، كَانَ لَهُ طَرِيقٌ. وَمَنْ كَانَ لَهُ طَرِيقٌ، كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَايَةٌ، لَمْ تَكُنْ حَيَاتُهُ مُجَرَّدَ عُبُورٍ عَابِرٍ فِي زِحَامِ الأَيَّامِ. أَمَّا مَنْ عَاشَ بِلَا مَبْدَإٍ، فَقَدْ يَكْثُرُ حُضُورُهُ فِي الحَيَاةِ، وَلَكِنَّ أَثَرَهُ يَبْقَى ضَئِيلًا، لِأَنَّ الرِّيحَ تَحْمِلُ الأَوْرَاقَ، الَّتِي لَا جُذُورَ لَهَا، أَمَّا الأَشْجَارُ الرَّاسِخَةُ فَتَبْقَى وَإِنْ عَصَفَتْ بِهَا الرِّيَاحُ. فَاثْبُتْ عَلَى مَا تَرَى أَنَّهُ حَقٌّ، وَكُنْ وَفِيًّا لِمَا تَرَى أَنَّهُ خَيْرٌ، وَاحْفَظْ كَرَامَتَكَ مَا اِسْتَطَعْتَ؛ فَالإِنْسَانُ لَيْسَ بِمَا يَقُولُ عَنْ نَفْسِهِ، بَلْ بِمَا يَفْعَلُهُ حِينَ تَضَعُهُ الحَيَاةُ أَمَامَ الاِخْتِيَارِ. وَحِينَ تَنْطَفِئُ أَضْوَاءُ المَدِينَةِ، وَيَهْدَأُ صَخَبُ العَالَمِ، وَيَبْقَى الإِنْسَانُ وَحْدَهُ مَعَ نَفْسِهِ، لَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ كَمْ صَفَّقَ لَهُ النَّاسُ، بَلْ سَيَسْأَلُهَا: هَلْ كُنْتُ وَفِيًّا لِمَا آمَنْتُ بِهِ؟ هَلْ حَفِظْتُ قَلْبِي مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى سِلْعَةٍ؟ هَلْ بَقِيتُ إِنْسَانًا حِينَ كَانَتْ لِيَ القُدْرَةُ عَلَى أَنْ أَكُونَ شَيْئًا آخَرَ؟ وَهُنَا، فَقَطْ، يَظْهَرُ جَوْهَرُ الإِنْسَانِ. فَالمَبَادِئُ لَيْسَتْ مَا نَقُولُهُ حِينَ يَكُونُ العَالَمُ مُنْصِفًا مَعَنَا؛ المَبَادِئُ هِيَ مَا نَفْعَلُهُ حِينَ يَكُونُ فِي وُسْعِنَا أَنْ نَظْلِمَ وَلَا نَظْلِمُ، وَأَنْ نَخُونَ وَلَا نَخُونُ، وَأَنْ نَنْكَسِرَ وَلَا نَنْحَنِيَ، وَأَنْ نَبِيعَ نُفُوسَنَا وَلَا نَبِيعُهَا. وَتِلْكَ هِيَ العِزَّةُ الَّتِي لَا تُشْتَرَى، وَتِلْكَ هِيَ الحُرِّيَّةُ الَّتِي لَا تُسْلَبُ، وَتِلْكَ هِيَ الحَيَاةُ الَّتِي يَسْتَحِقُّ الإِنْسَانُ أَنْ يَعِيشَهَا. |
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
|
|