أَريجُ المَحَبَّةِ وَقَنَادِيلُ الصَّفَاءِ (٧) بِقَلَمِ البَاحِثِ: فُؤَاد زَادِيكِي
أَريجُ المَحَبَّةِ وَقَنَادِيلُ الصَّفَاءِ
(٧)
بِقَلَمِ البَاحِثِ: فُؤَاد زَادِيكِي
تَتَهَادَى الحَيَاةُ فِيمَا بَيْنَ صُبْحٍ يَبْتَسِمُ لِلأَمَلِ، وَمَسَاءٍ يَسْكُنُ إِلَى الدَّعَةِ وَالسَّكِينَةِ، غَيْرَ أَنَّ الأَيَّامَ كَثِيرًا مَا تُعَكِّرُ صَفْوَ بَهْجَتِهَا أَعْبَاءٌ ثِقَالٌ، وَتَتَرَبَّصُ بِالإِنْسَانِ فِيهَا مَتَاعِبُ تَتَسَلَّلُ إِلَى نَفْسِهِ كَالظِّلاَلِ الدَّاجِيَةِ، فَتَثْقُلُ بِهَا الخُطُوَاتُ، وَتَضِيقُ مَعَهَا المَدَارِكُ، وَيَكْتَوِي القَلْبُ بِلَهَائِبِ الهَمِّ وَالغَمِّ. غَيْرَ أَنَّ البَارِئَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ لَمْ يَتْرُكِ الروحَ المُعَنَّاةَ فِي تِيهِ هَذِهِ الصِّرَاعَاتِ بِلاَ مَلْجَأٍ، بَلْ بَثَّ فِي أَكْوَانِهِ إِكْسِيرًا عَجِيبًا يُعِيدُ لِلْوُجُودِ بَهَاءَهُ، وَيَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ النَّضَارَةَ كُلَّمَا أَوْشَكَتْ عَلَى الذُّبُولِ، أَلاَ وَهُوَ سِرُّ المَحَبَّةِ الخَالِصَةِ.
إِنَّ المَحَبَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَاطِفَةٍ عَابِرَةٍ تَطْرُأُ عَلَى الوِجْدَانِ لِتَزُولَ بِزَوَالِ الأَسْبَابِ، بَلْ هِيَ القُوَّةُ الرَّوْحِيَّةُ العُظْمَى، الَّتِي مَتَى مَا خَالَطَتْ كِيَانَ الإِنْسَانِ، قَلَبَتْ صَحَارَى حَيَاتِهِ جِنَانًا فَيْحَاءَ، وَأَحَالَتْ مَرَارَةَ الأَيَّامِ إِلَى رِيَاضِ فَرَحٍ وَهَنَاءٍ وَمَسَرَّاتٍ لاَ تَفْنَى. حِينَ تُشْرِقُ شَمْسُ المَحَبَّةِ فِي القَلْبِ، تَتَبَدَّدُ طَيَّاتُ الظَّلاَمِ، الَّتِي طَالَمَا حَجَبَتْ عَنِ النَّفْسِ رُؤْيَةَ الجَمَالِ، وَتَتَفَتَّحُ أَبْوَابُ الرَّاحَةِ لِتُشْعَلَ فِيهَا قَنَادِيلُ الأَمَانِ، الَّتِي تُنِيرُ خَوَافِيَ الرُّوحِ وَتَهْدِي الخَوَاطِرَ الحَائِرَةَ إِلَى مَرَافِئِ الشِّفَاءِ.
وَمَا إِنْ يَسْتَقِرَّ نُورُ المَحَبَّةِ فِي الصَّدْرِ، حَتَّى تَنْطَلِقَ فِي سَمَائِهِ طُيُورُ الصَّفَاءِ المُلَوَّنَةُ، تُغَرِّدُ بِأَلْحَانِ التَّسَامُحِ وَالوِفَاقِ، وَتَحْلِقُ عَالِيًا فَوْقَ رُكُامِ الخِلاَفَاتِ وَصَغَائِرِ الضَّغَائِنِ. إِنَّهَا طُيُورٌ تَحْمِلُ فِي أَجْنِحَتِهَا النَّسِيمَ العَلِيلَ، الَّذِي يَجْلُو كُلَّ هَمٍّ وَيَمْحُو كُلَّ حُزْنٍ، فَتَتَطَهَّرُ القُلُوبُ مِنْ أَدْنَاَسِ الشَّكِّ وَالأَذَى، وَتَتَسَاقَطُ المَتَاعِبُ، الَّتِي طَالَمَا تَرَبَّصَتْ بِالإِنْسَانِ فِي دَرْبِهِ، كَمَا تَتَسَاقَطُ أَوْرَاقُ الخَرِيفِ اليَابِسَةُ أَمَامَ هَبَّاتِ الرَّبِيعِ الزَّاهِيَةِ.
فِي رِيَاضِ هَذِهِ المَحَبَّةِ، يَلْتَقِي الإِنْسَانُ بِذَاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، وَيَجِدُ فِي كُلِّ نَبْضَةٍ مِنْ نَبَضَاتِهِ حِكْمَةً تَدْعُوهُ إِلَى العَطَاءِ بِلاَ حُدُودٍ، وَإِلَى النَّظَرِ إِلَى الآخَرِينَ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالأُنْسِ. هُنَاكَ لاَ مَكَانَ لِلْخَوْفِ أَوْ لِلشَّقَاءِ، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ سَرْمَدِيٌّ مِنْ أَنْوَارِ البَهْجَةِ، وَتَنَاغُمٌ سَاحِرٌ بَيْنَ الرُّوحِ وَالكَوْنِ؛ فَتُصْبِحُ الحَيَاةُ أُغْنِيَةً عَذْبَةً، وَيَغْدُو العَيْشُ أُنْسًا دَائِمًا يُطَوِّقُ الكِيَانَ بِالأَمَانِ، وَيَهَبُ العَقْلَ هُدُوءًا لاَ تُزَعْزِعُهُ عَوَاصِفُ الزَّمَانِ.
__________________
fouad.hanna@online.de
|