الجنس بين مطرقة الكبت وسندان الازدواجية: قراءة سوسيولوجية في واقع المجتمعات العربية
بقلم الباحث: فؤاد زاديكي
تُعدّ القضيّة الجنسيّة إحدى الركائز البنيويّة الأساسيّة في فهم سلوك المجتمعات البشريّة وتطوّرها النفسيّ والاجتماعيّ. ورغم أنّها غريزة بيولوجيّة وطاقة إنسانيّة طبيعيّة، إلّا أنّ طريقة التّعامل معها وضبطها تختلف جذريًّا بين الثقافات، لتتحوّل في كثير من الأحيان من عامل استقرار ونُضج إلى بؤرة للأزمات والاضطرابات السلوكية. ويكتسب هذا الموضوع أهمية بالغة وخطورة استثنائية في المجتمعات العربية والإسلامية تحديدًا، نظرًا لإحاطته بهالة سميكة من "التابوهات" وعوامل المنع الصّارمة.
إنّ الغرض الأساسيّ من طرح هذه الفكرة وتشريحها بموضوعية وعمق، لا يستهدف الإثارة أو النّقد لمجرّد النّقد، بل ينبع من مسؤوليّة فكريّة تهدف إلى التوعية، وتفكيك العُقد الاجتماعيّة التي تَحُول دون فهم المشكلات من جذورها، سعيًا لحماية النسيج الأُسريّ والاجتماعيّ من مظاهر الانحراف المخفيّة.
يرى العديد من علماء الاجتماع والنفس أنّ الكبت الجنسيّ الناتج عن منظومة الموانع الصّارمة يؤدي حتمًا إلى نتائج عكسيّة، فوفقًا للقاعدة السيكولوجيّة الشهيرة "كل ممنوع مرغوب"، يتحوّل الجنس بفعل التحريم الاجتماعيّ والتابوهات المُغلقة من حاجة طبيعيّة موازنة إلى محور للتفكير المستمرّ وهَوَس خفيّ يستحوذ على الوعي. هذا المناخ القائم على الحرمان يُساهم في فصل الجنس عن بُعده العاطفيّ والإنسانيّ، ليختزلَه في شكلٍ غريزيّ بَحت يُوَلِّد حالةً من التعطّش الدّائم. ومن رحم هذا الكبت والسّرّيّة الشّديدة، تبرز إشكاليات سلوكيّة بالغة الخُطورة مثل جرائم "زِنا المَحارم" والاعتداءات الداخليّة. ومن الناحية العلميّة والإحصائيّة، يظلّ من الصعب الجزم بنسبها الدقيقة في البلدان العربيّة والإسلاميّة مقارنةً بالغرب، إذ تُحاط هذه الجرائم في الشّرق بجدار سميك من التكتّم الناتج عن ثقافة العيب، والخوف من الفضيحة، ووصمة العار الاجتماعيّة، التي تهدّد الكيان الأسريّ، ممّا يُبقيها في "الخفاء" ولا يظهر منها إلّا ما عجزت العائلات عن ستره وتلقّفته وسائل الإعلام. وفي المقابل، تتوفّر في المجتمعات الأوروبية آليات قانونيّة وخطوط ساخنة ومراكز دعم تُشجّع الضّحايا على الإبلاغ، مما يجعل الأرقام معلنة ومسجّلة رسميًّا، علمًا أنّ الجذور النفسيّة لهذه الظاهرة ترتبط أساسًا باعتلالات شخصيّة وبيئات أسرية مُغلقة واستغلال ميزان القوى، وهي عوامل عابرة للثقافات، لكنّ البيئات المَكبُوتة تَزيد من احتمالية حدوثها واستمرارها دون رادع سريع.
وعند المقارنة بين واقع الممارسة في أوروبا والعالم العربيّ، يتجلّى بوضوح أثر الحرّيّة الشّخصية مقابل القيود، ففي المجتمعات الغربيّة يُعتبر الجنس حرّية شخصية تُمارس علنًا أو بطرق طبيعيّة طالما قامت على التّراضي والوعي والسّنّ القانونيّ، وتكون الرّقابة هناك ذاتيّة وقانونيّة بالدّرجة الأولى. أمّا في البيئات العربيّة، فإنّ الجنس خارج إطار الزّواج يمثل تابوهًا دينيًّا واجتماعيًّا خطيرًا، ممّا ينقل الممارسة بالكامل إلى دائرة الخفاء. وهنا تظهر مُعضلة "انفصام المعايير" أو الازدواجيّة السّلوكيّة، حيث يُصبح "الخوف من المجتمع" ونظرته وحكمه متفوّقًا في كثير من الأحيان على الوازع الذاتي، فالمُمارسة تستمرّ بالخفاء ما دام المظهر الخارجي أمام النّاس مصونًا ونظيفًا. إنّ هذا الانعدام في الحرّيّة المُمنهجة، بالتوازي مع غياب التربية الجنسيّة العلميّة والموضوعيّة، يؤدّي إلى تشويه كامل للوعي الجنسيّ، حيث يُستقى الفهم غالبًا من مصادر مُشوّهة وغير واقعية كالأفلام الإباحيّة، ومع إغلاق القنوات الطّبيعيّة للتّعبير العاطفيّ والإنسانيّ النّاضج بين الجنسين، يقع الكثيرون تحت ضغط الكبت الرّهيب فتنحرف السلوكيات نحو أنماط غير سويّة أو اعتداءات شاذّة ناتجة عن احتباس هذه الطاقة وانعدام منافذها الطّبيعيّة المُعلنة.
وفي الختام، يَتّضح من خلال هذا التّحليل الموضوعيّ أنّ الكبت الاجتماعيّ الشّديد، والتّركيز المُبالَغ فيه على الشّكليّات والسّمعة على حساب المواجهة الحقيقية للمشكلات، وغياب التربية الواعية، تُساهم مُجتمعةً في تضخيم الهوس الجنسيّ في المجتمعات العربية، وتُحوّل هذه الغريزة الفِطرية من مجراها الطّبيعيّ إلى بؤرة للاضطرابات النفسيّة والسّلوكيّة، التي تَطفُو على السّطح كلّما رُفِع عنها غطاء السّرّيّة.